rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

العراق وصراع النفوذ بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني

أصبح العراق الدولة المحورية في البيئة العربية والإقليمية والشرق أوسطية وذات حضور دولي منذ تاريخ التاسع من نيسان/إبريل عام 2003م، موطنًا لنفوذ الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية والإقليمية كالنظام الإيراني، هذه الدول بما تملكه من مستويات القوة المادية وغير المادية لم تتوان عن التدخل بأدق تفاصيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، ولم يكن ذلك مستغرباً في ضوء الحالة التي أدي إليها الاحتلال الأمريكي للعراق، إذ أفضي إلى وجود دولة هشة وعاجزة، وأيضاً وجود قوي وأحزاب متناحرة، ارتكزت حساباتها السياسية على قناعة بأن حسم المعارك الداخلية غير ممكناً من دون الاستناد إلى دعم خارجي، ناهيك عن أن الأبعاد الطائفية والعرقية، التي كانت الحاضر الدائم في غالبية الأزمات العراقية، قد عززت من التدخلات الخارجية.

 كان العدوان وثم احتلال العراق جزء من رؤية استراتيجية أمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق، فإن الولايات المتحدة عملت على تحقيق جملة من الأهداف في العراق، أهمها:السيطرة على النفط والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للعراق واحتواء ومواجهة الدول المعادية أو غير الصديقة. وتعزيز وضمان أمن إسرائيل.

وعلى الرغم من تحقيق الإدارة الأمريكية لبعض من هذه الأهداف، بيد أنه بمرور الوقت، ارتفعت تكلفة البقاء في الأراضي العراقية، كما تكشف فشل الرهان على العراق كمنطلق لفرض المشروع الأمريكي، ومن ثم استندت الإدارة الأمريكية في سياستها إزاء العراق منذ العام 2010 – كي تتجنب المزيد من الخسائر- على مرتكزات ثلاث: إعادة تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، إعادة ترتيب العلاقة بين أطراف العملية السياسية، سحب قواتها بالكامل من العراق.

يعد النظام الإيراني المستفيد الأول من الاحتلال الأمريكي للعراق، وإسقاط نظامه الذي شّكل حائط صد منيع أمام تمددها الاقليمي، ولا يخفى على المرء أن النظام الإيراني هو اللاعب الإقليمي الأقوى والأبرز في العراق. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق كيف ترجمت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني نفوذهما في العراق، وأيهما أكثر خطرا على حاضر ومستقبل العراق؟

الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني موجودان في العراق الأول يتواجد لمكافحة إرهاب وينشر في المطارات العراقية كمطار التاجي وبغداد الدولي والحبانية ومطار قاعدة الأسد ومطار حرير في اربيل ومطار اربيل، ولمحاربة الإرهاب تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكبة في العراق بمختلف صنوف العسكرية من دبابات إبرامز وصواريخ أرض أرض وناقلات جنود ومدرعات وجميع أنواع الطائرات بما فيها طائرات الاستطلاع وطائرات مسيرة مسلحة كما يوجد لديها في العراق قوات عمليات خاصة، كما يوجد قوات خاصة للتحالف الدولي بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية.

 أما إيران موجودة في أطراف سامراء وبغداد ويصل مستوى النفوذ الإيراني في العراق إلى مستوى تدخل “آغاي مرادياني” الملحق العسكري في السفارة الإيرانية في العراق باجتماعات مراكز التنسيق المشترك، فهذا المُلحق لديه جيش من المستشارين العسكريين الإيرانيين الذين يحددون الأهداف العسكرية ويصدرون الأوامر للطيران الحربي العراقي لقصفها. وهذا لايعني أن هناك تنسيق أمريكي إيراني في مركز العمليات المشترك في العراق، والدليل على ذلك أن بعض الاجتماعات التي كانت تعقد في ذلك المركز لا يحضرها ممثل العسكري للولايات المتحدة بالعراق إذا حضرها الملحق العسكري الإيراني” آغاي مرادياني”.

ويعتبر الحرس الثوري الإيراني بمختلف مكوناته العسكرية والموجودين في مختلف المحافظات العراقية إحدى أدوات النفوذ النظام الإيراني في العراق، كما يوجد العديد من المستشارين الإيرانين في وزراتي الدفاع والداخلية العراقية، ولهؤلاء المستشارين صلاحيات واسعة في إبرام العقود في تلك الوزارتين، كما يوجد في العراق طائرات مسيرة إيرانية يقودها قوات جيوفيزيائية إيرانية تقدم الدعم لمليشياتها الشيعية في العراق ومن أدوات النظام الإيراني في العراق أيضاً ولكن هذه المرة أدوات عراقية وتتمثل على المستوى الأمني بالمليشيات الشيعية التي لا يستهان بقوة تأثيرها السلبي على الحالة العراقية برمتها، وعلى المستوى الإعلامي يوجد العديد من القنوات الفضائية العراقية التي تدعم ماليا من قبل للنظام الإيراني لغرس أفكاره على أرض العراق ولعل من أهمها فكرة ولاية الفقيه التي في حال نجاحها وتطبيقها على أرضه يصبح رسميًا تابع للنظام الإيراني، كما يوجد أيضا العديد من المواقع “الإلكترونية” على شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت” التي تُمول أيضا من قبله خدمة لأهدافه الاستراتيجية في العراق وما بعد جغرافيته.

مما لاشك فيه أن للعراق أهمية استراتيجية في سياسة كل من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني، لكن السياسات الممارسة من قبلهما في العراق تظهر بشكلي جلي التناقض الواضح بينهما ممارسة الأمر الذي قد يؤثر بشكل سلبي أوإيجابي على حاضر ومستقبل العراق. ويمكن أن نرصد تلك السياسات على النحو الآتي: في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المساعدات المالية العراق عن طريق المنح المالية المقدمة له من قبلها،عمل النظام الإيراني على تعزيز روابطه التجارية والاقتصادية مع العراق للحصول على مكاسب مالية وخاصة في عهد رئيس وزرائه السابق نوري المالكي للتخفيف من حدة العقوبات الدولية وخاصة الاقتصادية منها التي فرضت عليها على خلفية برنامجها النووي. تدعم الولايات المتحدة الأمريكية مجتمع مدني عراقي يؤسس لمجتمع ديمقراطي، بينما النظام الإيراني يعمل على تعميق الخلافات بين أبناء المجتمع العراقي، لهدم المجتمع المدني العراقي وإن وجد هذا المجتمع فعليه أن يرتبط ارتباطًا مباشرا مع وزراة الإطلاعات الإيرانية.

تحارب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام”داعش”، الحرب التي تكلفها مليارات الدولار لكي يستعيد العراق تماسكه الجغرافي، وهي تدعم بقوة معركة الموصل ضد ذلك التنظيم، ومع قانون الحرس الوطني العراق الذي يعد أحد أهم فقرات البرنامج الحكومي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الولايات المتحدة الأمريكية مع إعادة بناء القوة العسكرية والأمنية العراقية قوات، وترصين ثقتها بنفسها وقدراتها القتالية وتهميش مليشيات الحشد الشعبي التي اقترفت العديد من جرائم ضد الإنسانية في ديالى وقبلها في تكريت لذلك جاءت معركة تحرير الرمادي من سيطرة تنظيم الدولة دون مشاركة الحشد الشعبي. والحفاظ على أمن إقليم كردستان العراق وازدهاره اقتصاديًا وتطوره سياسيا.

وتلقى السياسات الأمريكية في العراق دعمًا عربيا، بينما النظام الإيراني لا تعنيه الحرب ضد تنظيم الدولة فالنظام الإيراني مع نظام سياسي عراقي موحد لكنه ضعيف ليسهل السيطرة عليه وليكون أيضَا ممرًا إيرانيا يصل ظهران ببغداد بدمشق ببيروت حتى سواحل شرق البحر المتوسط، لذا فإن النظام الإيراني ضد معركة الموصل، كما كانت ضد معركة تحرير الرمادي لأنه يدرك هزيمة تنظيم الدولة هناك يعني تعزيز النفوذ الأمريكي في العراق، ومن ثم تعطيل لذلك الممر “الكلودور” كما أنه ضد قانون الحرس الوطني الذي يسمح لأبناء المناطق السُنية بإدراة محافظاتهم بأنفسهم بعيدا عن السيطرة الإيرانية، بينما يدعم النظام الإيراني وجود المليشيات الشيعية كقوة سياسية وأمنية تابعة له تتصدر الحالة العراقية على غرار مليشيات حزب الله في لبنان، وتعمل على تعطيل الحياة السياسية إذا رغبت طهران بذلك وما أدل على ذلك، الدور السياسي والأمني الذي يلعبه حزب الله اللبناني لصالح النظام الإيراني منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر، فهذا الحزب ومنذ أكثر من عام وهو يعمل على تعطيل الاستحقاق الرئاسي طالما لا ينسجم مع مصالح النظام الإيراني في لبنان. كما يتبنى زعيمه حسن نصر الله بشكل علني فكرة ولاية الفقيه. ولاشك أن هذه السياسات الإيرانية في العراق ليست محل ترحيب من قبل الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وحلفائها من الدول العربية والإقليمية التي توجه النظام الإيراني عسكريًا عبر وكلائه المنتشرين في بعض الدول العربية كالوكيل الحوثي وعلي عبدالله صالح في اليمن، والوكيل بشار الأسد في سوريا. وأخيرًا فيما يتعلق بسياسة النظام الإيراني o7في إقليم كردستان العراق يمكن القول أن ذلك النظام عمل على إذكاء الصراع داخل البيت الكردي بين حركة التغيير الكردية والأحزاب الكردية الكبرى، الحزب الديمقراطي الكردستاني،والاتحاد الوطني الكردستاني.

مما تقدم واضح عمق صراع النفوذ الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني في العراق وهذا الصراع هو أشبه بنظرية المباراة في العلاقات الدولية، فالمكاسب التي تحققها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، تعتبر خسارة للنظام الإيراني، والعكس صحيح. فعلى سبيل المثال عدم تصديق مجلس النواب العراقي على الاتفاقية الأمريكية العراقية، اعتبر خسارة للولايات المتحدة الأمريكية ومكسبًا للنظام الإيراني على الرغم من احتفاظها باتفاقية الاطار الاستراتيجي مع العراق. في حين اعتبر عدم مشاركة مليشيات الحشد الشعبي في معركة الرمادي عُد مكسبًا أمريكيا وخسارة للنظام الإيراني، فوفق مبدأ الربح والخسارة في الصراع النفوذ بينهما، أي النفوذ الذي سيكسب العراق، هل النفوذ الإيراني أم الأمريكي، أم سيتم تقاسم النفوذ بينهما؟ أم أن الشعب العراقي في لحظة تاريخية مفصلية سيتجاوز كل خلافاته المستحدثة بعد عام 2003م، ليحافظ على وحدة العراق بعيدا عن كلا النفوذين؟

Print Friendly, PDF & Email