عشائر العراق من ملاذ آمن إلى متمردة على السلطة

عشائر العراق من ملاذ آمن إلى متمردة على السلطة

تتواصل الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإصلاحات سياسية في العراق، وتتواصل معها مكابدة السلطة الحاكمة لاحتواء العشائر كعامل توازن وورقة ضغط قوية قد تؤمن مستقبل النظام وتجنبه الانهيار، لكن السلطة العراقية اليوم تجد نفسها بعدما لجأت في الأسابيع الأولى إلى العشائر لخفت صوت الشارع الغاضب، أمام مهمة صعبة خاصة بعدما تجاهلت كل الرسائل التي تلقفتها من قادة العشائر عقب المجازر التي ارتكبت في حق المتظاهرين في مدن عراقية عدة وخاصة في مدينة الناصرية جنوب العراق، حيث تشي كل التطورات بأن العشائر القوية تتأهب للانقلاب على السلطة متوسلة نفوذها الكبير.

بغداد – بعدما كانت العشائر العراقية في الأسابيع الأولى من الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بإصلاحات سياسية متهمة من قبل المتظاهرين بحماية النظام وبعجزها عن إصدار مواقف صريحة تساند الحراك الاجتماعي، تحول زعماء وقادة العشائر في الأيام الأخيرة بعد سقوط المئات من القتلى إلى ورقة مهمة بإمكانها الانقلاب على السلطة والاصطفاف وراء المحتجين.

لقد حاول رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال عادل عبدالمهدي قبل أن يدفعه الشارع المحتج إلى الاستقالة، الاستنجاد بالعشائر لما تحظى به من مكانة في مختلف محافظات العراق لوقف الاحتجاجات ولتجنب سقوط النظام.

وأدت تلبية دعوة عادل عبدالمهدي من قبل بعض شيوخ العشائر إلى ردود أفعال مختلفة في أوساط شعبية وسياسية، ولكنها في الغالب أغضبت المحتجين.

لكن الوضع تغيّر بصفة تامة بعد كل ما ارتكب من مجازر ضد المتظاهرين، حيث لم تغب العشائر عن ساحات الاحتجاجات في الأيام الأخيرة رافضة العنف المفرط وخاصة في محافظات الجنوب.

ولم ينحصر تأييد المظاهرات على عشائر الجنوب، بل حظيت بتأييد واسع من قبل أبناء المناطق الشمالية والغربية في البلاد، حيث تضامن شيوخ عشائر محافظة صلاح الدين (شمال بغداد) مع المتظاهرين وساندوا حركة الاحتجاجات في المدن العراقية.

ولطالما كانت العشائر في العراق عامل توازن بين الشارع والسلطة على امتداد العقود. ولكن حين تغيب الدولة، وتسيل الدماء في احتجاجات مناهضة للسلطة في البلاد، يعود كلّ عراقي إلى عشيرته التي ترفع شعارها “نحن أولياء الدم”.

وأصبحت العشائر العراقية اليوم، بقوانينها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها التي لا يستطيع التهرب منها أي أحد، وكميات السلاح التي تمتلكها، من أبرز اللاعبين في العراق، أحد أكثر البلدان المتهمة حكوماتها بالفساد في العالم.

وتتواصل التظاهرات في جنوب البلاد ذي الغالبية الشيعية ضد نظام الحكم، وقد أضرم خلالها المحتجون النيران في عدد كبير من المؤسسات الحكومية ومقار الأحزاب احتجاجا على الفساد ونقص الخدمات واتساع نفوذ الفصائل المقربة من إيران.

ويقول الباحث فيليب سميث من معهد واشنطن للأبحاث، في بلد نحو 60 بالمئة من سكانه هم دون الخامسة والعشرين من العمر وثلاثة أرباعهم يعيشون في المدن، انسلخ الكثير من العراقيين الشيعة عن هويتهم العشائرية خلال السنوات الأخيرة.

لكن فيليب سميث يشير إلى أن تلك الروابط تعززت اليوم على غرار كل مرحلة حساسة في العراق، إذ إنه في مواجهة “حكومة مركزية ضعيفة للغاية وقوة خارجية (إيران) يُنظر إليها على أنها داعمة للحكومة، يقول العراقيون لأنفسهم من الأفضل أن نتجه نحو مصادر القوة التي سبق وأن جربناها”.

عندما سادت الفوضى مؤخرا في مدينة الناصرية جنوبا بقرار من لواء أرسلته بغداد لفرض النظام، كان مقاتلو العشائر هم من قطع الطريق على التعزيزات الأمنية.

أوقفت العشائر العراقية حمام الدم في المحافظة التي سقط فيها 97 قتيلا، وفقا لمصادر طبية، معظمهم من المتظاهرين الشباب الذين قتلوا بالرصاص الحي في مدينة الناصرية، مسقط رأس رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي.

لقد أسفرت أعمال العنف المستمرة منذ انطلاق الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العراق في الأول من أكتوبر الماضي، عن مقتل أكثر من 450 شخصا وإصابة أكثر من عشرين ألفا بجروح.

العشائر العراقية بقوانينها وأعرافها التي لا يستطيع التهرب منها أي أحد، وكميات السلاح التي تمتلكها، من أبرز اللاعبين في العراق

ويقول الشيخ قيصر الحسيناوي من عشيرة الحسينات في الناصرية “العشائر هي التي ساهمت في إيجاد حلول للأزمة، والسياسيون لم يتحركوا”. وقدّمت مئة عائلة بالفعل شكوى ضد اللواء جميل الشمري الذي قاد عملية القمع في الناصرية، وحظيت تلك العائلات بدعم العشائر.

وفي بلد لا تزال “الديّة” فيه بعيدة عن القنوات القضائية الرسمية، بل تأتي نتاج اتفاق وجلسة فصل بين العشائر، يقف شيوخ الناصرية اليوم إلى جانب عائلات ضحايا القمع، مطالبين بالقصاص ممن كانوا سببا في سقوط الشهداء.

وتبرّأت عشيرة الشمري من ابنها، اللواء المفصول، بدلا من الدفاع عنه. ولا تزال العشائر حتى اليوم تتدخل للحد من العنف، رغم أن لها تاريخا طويلا في المقاومة، وخصوصا في عام 1920 عندما كان لها دور حاسم في الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني.

ويؤكد رجال شرطة يقفون منذ شهرين في مواجهة التظاهرات، “إذا اضطر قادة العشائر إلى حمل السلاح فإنهم يفضلون حينها الانسحاب على المواجهة، لأنهم يرون أن “الدولة لن تكون قادرة على حماية رجالها من القانون العشائري”.

وكانت العشائر دائما مفتاح العودة إلى الهدوء في مناسبات عدة في العراق، لأن رجالها موجودون في كل مكان، بين المتظاهرين، ورجال الشرطة، وفي الحكومة. وصار ذلك نقطة قوة للعشائر في تعزيز مكاسبها السياسية والاقتصادية، في واحد من أغنى دول العالم بالنفط، والذي تنخره المحسوبيات.

يرى الباحث في مركز “أي نيو أميركان سيكيوريتي” نيكولاس هيراس أن العشائر العراقية تسعى اليوم إلى إعادة التفاوض على “العقد الاجتماعي”.

ففي مدينة البصرة النفطية الواقعة في أقصى جنوب العراق، تتظاهر العشائر بشكل روتيني بسلاحها، الثقيل أحيانا، للحصول على وظائف وعمولات من شركات النفط، عراقية كانت أم أجنبية. لكن الأزمة هذه المرة أعمق بكثير.

ويشير هيراس إلى أن “غضب العشائر موجه اليوم إلى المسؤولين في بغداد، والمتهمين بعدم الالتزام من جانبهم بالعقد الاجتماعي الذي يقضي بأن “يكون شيخ العشيرة قناة موارد لأفراد عشيرته، مقابل أن يقدموا له هم الولاء المطلق”.

لكن وسط بنية تحتية مهترئة ونقص في الموارد، فإن الدولة العراقية غير قادرة على الاستجابة إلى مطالب العشائر.

ويقول سميث إنه “في حال نجحت السلطات العراقية مجددا في تلبية مصالح واحتياجات العشائر المختلفة، يمكن إحياء العلاقة، لكن المهمة كبيرة لأن جسورا عدة قد قطعت”.

ويضيف أن “الوظيفة لا تكفي لشراء أشخاص أثقل فساد المؤسسات وسوء إدارة الدولة كاهلهم”، ويقول “يجب ألا ننسى شيئا، وهو أنه لا يمكن شراء عشيرة أبدا، بل يمكن استئجارها”.

ومن العوامل التي قد تجعل العشائر لاعبا رئيسيا في العراق اليوم، أن للمنظومة العشائرية أدوارا كبرى على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية، حيث تلجأ الأطراف المتخاصمة إلى العشيرة في حل مشكلاتها، وأحيانا تتدخل في القضايا السياسية لما يتمتع به شيخ العشيرة من مكانة لدى أفراد الشعب والحكومة على حد سواء.

وتدعمت مكانة العشائر في العراق الذي يتميز بتعدد مكوناته وقومياته وأديانه وطوائفه بعد عام 2016، حيث صوت مجلس النواب العراقي على تشكيل لجنة المصالحة والعشائر والشؤون الدينية ضمن 23 لجنة دائمة، للتمثيل السياسي وتنظيم شؤون العشائر.

العرب

Print Friendly, PDF & Email