الانتفاضة العراقية… الفن في خدمة القضايا الوطنية

الانتفاضة العراقية… الفن في خدمة القضايا الوطنية

وسط ساحة التحرير في العاصمة العراقية، مباشرةً أمام نصب الحرية، برموزه الأربعة عشر ونقوشه السومرية والبابلية، وُضعت منصةٌ تحمل لافتةً بارزةً بعنوان “ثوار الجيل الجديد”. يعتلي اللافتة شابٌ عشريني، يُلقي الشعر الشعبي على أقرانه المتظاهرين. صوته تجرحه بحّة اللهجة الجنوبية العراقية. قصائدٌ تعلو، وهي تمجّد ضحايا التظاهرات وتتغنّى بحبّ بغداد، بطريقةٍ تشبه حقبة السبعينيات، فتعيد للأذهان قصائد مظفر النواب وعريان السيد خلف.

شارع السعدون

تبدأ الفعاليات الفنية من شارع السعدون، حيث أَنشأت المجاميع الفنية “سينما الثورة”، مع جدولٍ يومي لعرض أفلام يصنعُها الشباب، ترافقها جلساتٍ وندواتٍ نقاشية. ومروراً بالخيم المخصّصة لـ “مسرح التحرير”، الذي يعرض مسرحيات ومشاهد تعبّر عن أوضاع البلد الراهنة وطموحات المسرحيين والمتظاهرين عامةً. لنصل إلى الجهة اليسرى من الساحة، حيث يأخذك نفقٌ طوله أكثر من ثمانين متراً، تمتدُّ على جانبيه جداريات ورسومات ومخطوطات وصور “الغرافيتي”.
وتعكس هذه الجدران مواهب المتظاهرين الفنية، فيستغلونها كطريقة احتجاجٍ راقية لإظهار رفضهم لممارسات السلطة، وطموحهم ببناء وطنهم الذي يحلمون به.
كل هذا يجعل السؤال مشروعاً: هل تحمل هذه الفعاليات توجّهاً سياسيٍّاً جاداً يترجم مطالب ساحات التظاهر، أم أنها وسائل تعبير تحمل طابعاً رومانسياً لجيلٍ لم يكن الشارع العراقي يعيره انتباهاً قبل تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019؟

فن سلمي يشبه أبناء جيله

في ساحة التحرير، ومنذ أكتوبر الماضي، قامت حملاتٌ شبابيةٌ بتنظيف الشوارع وإصلاح إنارتها. الكثير من السرادق نُصبت للمبيت، واستقرت المواكب المخصصة لصنع الطعام. آخرون قاموا بتأسيس الحمامات، وتجهيز أماكن الصرف الصحي. فباتت الساحة “ملاذاً يحتمي به المتظاهرون من الخطف والاستهداف في حال عادوا إلى منازلهم”، إضافةً إلى كونها منبراً لمطالبهم، حتى باتوا يسمونها في ما بينهم “جمهورية التحرير”.
سجاد مصطفى، ٢٥ سنة، فنانٌ وخطاط جاء من البصرة، جنوب العراق إلى ساحة التحرير في بغداد. وباتت مخطوطة دائرية وسط نفق التحرير لمصطفى تستقطب الزوار لالتقاط الصور عندها. ابن البصرة وثّق، من خلال حروف الخط العربي، أسماء قتلى تظاهرات أكتوبر، وأعدادهم وتاريخ سقوطهم. ويقول مصطفى: “أنجزت العمل بالتعاون مع فريق مكافحة عبوات الغاز المسيّل للدموع في نفق التحرير، خصوصاً أنهم زوّدوني بالأصباغ وبأسماء الشهداء ممن سقطوا وهم يطالبون بوطنهم”. ويضيف: “طريقتي بالتعبير تشبه جيلنا ورغبتنا بسلميّةٍ بحتة. لا بدّ للسلمية أن تتحقق، ومن دونها لن نحصل على أهدافنا التي ننشدها من خلال تظاهراتنا”.
والساحة تضم أيضاً مكتباتٍ مخصصةٍ للقراءة منتشرة بين زواياها، إضافة إلى أخرى متوسطة داخل المطعم التركي بطوابقه الأربعة عشر. فضلاً عن تأسيس إذاعة وجريدة أطلق عليها تسمية “تك تك”.

9
الفن في خدمة القضايا الوطنية

إبداع ثوري بملامحٍ متنوعة

تميُّز الجانب الإبداعي يتعارض مع الصورة النمطية التي أطلقتها بعض الجهات الحزبية للسلطة والمؤسسات الإعلامية التابعة لها في بداية التظاهرات، والتي تفيد بأن المتظاهرين ينتمون لطبقةٍ تفتقر إلى التعليم والثقافة. هذا ما ينفيه أحمد، وهو ناشطٌ مدني في بغداد، “التعبير بالفن والرسومات المنتشرة في ساحات التظاهر أظهر حالةً جامعةً للمحتجين من كل طبقات الشعب العراقي، بينها طبقة واعية مثقفة تتكوّن من فنانين وتشكيليين وطلبة وصحافيين”.
الفن التعبيري تَرجم بجزءٍ منه معاناة المحتجين مع القوات الأمنية وحوادث الاختطاف، بمشاهد صوّرت القمع ومقتل الأطفال بقنابل الغاز، وبعضها جاء ناقداً لدور الأمم المتحدة. وجزء آخر مهم، كان يعبر عن أحلام “جيل الثورة” الذي يتطلّع إلى عراق مختلف ذو توجّه سياسي محدّد، يمثل المتظاهرين أنفسهم. يقول أحمد: “التوجه الظاهر للساحات من خلال هذه الرسومات هو التوجه الوطني الغائب عن الشارع العراقي منذ 16 سنة، فالصراع ما بين السياسيين هو صراعٌ طائفي وميليشياوي، وهذا يتناقض مع توجّه المتظاهرين الوطني”.
وفي هذا الإطار، من اللافت أن جمهور ساحات الاحتجاج متنوعٌ، فمنهم المدنيون والعلمانيون الذين يمثلون التيار اليساري، ومنهم أبناء التيارات الدينية وأتباع المراجع، أبرزها التيار الصدري، ومقلّدي السيد علي السيستاني. هذا التنوع جعل طريقة احتجاجهم من خلال الفن غنية وقادرة على التعبير بفضاءٍ مفتوحٍ، يتقبّل الجميع ويطغى عليه الجانب الإبداعي الفني. إذ تتنوّع أصوات الموسيقى في ساحة التحرير بين موسيقى الراب واللحن العراقي الحماسي والأغاني والشعارات الحسينية التي تتغنى بــ “الغيرة الصدرية”.

“ثائرات لا عاهرات”

هذا كان أبرز شعار في نفق التحرير، فمحتوى الجداريات والأغاني المنتشرة في ساحات التظاهرات لم تستخدم نبرة اللّغة الحادة. جاءت بعضها جدّية بشكلٍ مخالفٍ للتوقعات، رافعةً سقف المطالب السياسية في الشارع، وأخرى ثائرةً على العادات الاجتماعية بشكلٍ لافت، تتناول وجود المرأة وتتغنى بقوّتها وبجمالها بشكلٍ علني وسط تقبل اجتماعي. هذه الشعارات شجّعت الفتيات للمشاركة بساحات الرسم الحر، ووصل الأمر إلى فعاليات رقص الباليه والهيب هوب على أنغام كلماتٍ تنتقد السلطة الحكومية والأمنية.
فاطمة حيدر، 22 عاماً، شاركت في النجف بلوحةٍ، بعدما شجّعت والدها وعائلتها على التواجد معها في ساحة الصدريين. تقول فاطمة “لم أتوقع موافقة والدي على مشاركتي، حتى إنه لم يعترض على الصور الكثيرة التي التُقطت لي ولعائلتي وانتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وتضيف “أشعر بالفخر. هدفي الضمني كان كسر الصورة النمطية حول منع انتشار صور المتظاهرات، وما يجب أن ترتديه النساء في النجف. خرجتُ من دون العباءة التقليدية، وشاركتُ مع أبناء جيلي بشكلٍ سلمي”.
وترى فاطمة أن هناك اختلافاً في كيفية تعاطي المجتمع مع تواجد النساء ومشاركتهن الفنية بدعم من بعض العوائل، لافتةً إلى أن هذا “التغيير الفكري” سيستمر حتى بعد انتهاء التظاهرات “إنه انتصار جزئي تحققه الثورة، خصوصاً في النجف”.
بدوره، والد فاطمة، حيدر شنون، يقول “أقدم أولادي قرباناً للوطن، ودوري مع فاطمة كان حمايتها الاجتماعية، هي شجاعةٌ وأنجزت كل شيءٍ بنجاح”.

فن الشارع “ثورة مجتمعية” تناشد الوعي السياسي

الرسم على الجدران أمرٌ لم يعتد العراقيون على رؤيته، على الرغم من محاولاتٍ فرديةٍ ومبادراتٍ شبابيةٍ كانت قد بدأت الرسم على الحواجز الكونكريتية، التي تقسّم شوارع بغداد وتعزلها عن بعضها، منذ عام 2003 وحتى تسلُّم رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي للسلطة، حين أصدر قراراً بإزالتها.
يقول سيزر الوردي، 28 سنة، وهو مصوّرٌ فوتوغرافي ويدير فريق “فن الشارع” في بغداد، “نُقدم أعمالاً فنيةً كثيرة، حُرمنا منها بسبب إجراءات السلطة الحكومية التي كانت تمنع تنفيذ هكذا مبادرات، وأبرزها فن الشارع”، ويستطرد “بدأنا قرب جسر الجمهورية بتنفيذ جداريةٍ بالخط المسماري تحمل لفظة السلام. سقطت بعد أن تم ضربنا بقنبلةٍ غازية، لكننا أعدنا رسمها”.

لماذا فن الشارع؟

يقول سيزر “هو وسيلة اعتراضٍ على النظام الحكومي المتّبع، والذي أدّى بالبلد إلى ظروفٍ صعبةٍ. وهو ثورةٌ اجتماعيةٌ عملاقةٌ في ساحة التحرير، وبفضلها بدأ الوعي السياسي بالتصاعد”. ويتفق سجاد وسيزر حول نظرتهما في حالة لم تثمر التظاهرات النتائج المنشودة. إذ يعتبران أن “حتى لو لم تنجح الثورة، الأهم بالنسبة لنا، أننا اكتشفنا معنى الديمقراطية وطريقة الاحتجاجات السلمية، للمطالبة بحقوقنا المشروعة، ما يجعلنا على طريق تغيير الحكم بأيدينا، سواء الآن أو مستقبلاً”.
في المساء تختلف الأجواء في ساحة التحرير، حيث تبدأ النشاطات الموسيقية في أروقة شارع الرشيد الذي يمثل ذاكرة بغداد الحية، بعمره الذي يزيد على مئة عام، وتنطلق “منصة حياة” بالعزف، وهي منصّةٌ حرةٌ لكل محبي فن الشارع.
“فوق النا خل فوق”، على إيقاع هذه الأغنية التراثية العراقية يجلس الشباب المتظاهرون حتى ساعاتٍ متأخرةٍ من ليل بغداد، على جرف دجلة، وهم ينفثون دخان “النرجيلة” أمام جسر الجمهورية مباشرةً. فهناك ينقسم الجسر إلى جانبين، واحدٌ للمتظاهرين، وآخر لــ “شرطة مكافحة الشغب”. هكذا تبقى الحركة متوقفة فوق الجسر منذ أكثر من شهرين.

اندبندت العربي

Print Friendly, PDF & Email