دول المنطقة ما زالت ترتاب بخطط ترامب حيال ايران

دول المنطقة ما زالت ترتاب بخطط ترامب حيال ايران

كشف الردّ الإيراني على مقتل الجنرال قاسم سليماني بوضوح تخبط استراتيجية الإدارة الأميركية حيال التعامل مع تهديدات طهران، ما يفقدها دعم حلفائها في منطقة الشرق الأوسط الذين لا يثقون تماما في نوايا الرئيس دونالد ترامب غير المعلنة.

واشنطن – راقبت الإدارة الأميركية بقلق موقف حلفاء الولايات المتحدة في العالم أثناء حالة التوتر القصوى بين إيران والولايات المتحدة في الأيام الماضية. وفي ضوء تلك المواقف تعيد إدارة الرئيس دونالد ترامب رسم خارطة مستقبل الصراع مع إيران، خصوصا أن الدوائر الدبلوماسية باتت تشعر أن القوة الجبارة للولايات المتحدة ليست كافية لفرض رؤية سياسية على إيران دون تضامن واسع وكامل من البلدان الصديقة للولايات المتحدة.

وترى مصادر دبلوماسية أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لطالما ألحوا على واشنطن لاتخاذ موقف صارم ضد إيران وسلوكها المزعزع للاستقرار والمهدد لبلدان يفترض أنها تاريخيا داخل الخندق الأميركي، لكنها فوجئت بأن ما صدر في المنطقة من مواقف كان أقل حدة مما هو منتظر.

وتتفهم هذه المصادر توجس دول المنطقة من المقاربة المقلقة التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما، ليس بسبب عمله على مد قنوات اتصال مع طهران قادت إلى إنتاج اتفاق فيينا النووي مع إيران الموقع عام 2015، بل لأن الرئيس الأميركي لم يستشر دول المنطقة ولم يأخذ هواجسهم بالحسبان، وجعل حلفاء واشنطن في المنطقة يشعرون بأن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذا الاتفاق إلى بناء شراكة إيرانية أميركية وفق قواعد ثبات عقائد النظام الإيراني، وأن هذه الشراكة العتيدة تأتي على حساب مصالح بلدان المنطقة وأمنها واستقرارها.

وقد لاحظ معلقون أميركيون أنه في الوقت الذي كانت تعد فيه الولايات المتحدة العدة لاحتمال شن حرب شاملة ضد إيران، أظهرت دول المنطقة كافة، لاسيما الدول الحليفة لواشنطن، معارضة لهذه الحرب، وأصدرت بيانات تدعو فيها إلى خفض التصعيد والحوار من أجل تجنيب المنطقة أهوال الحرب.

دول المنطقة ساهمت في كبح جماح أي توسع في العمليات العسكرية وعدم الرد على قصف إيران قاعدتي عين الأسد وأربيل في العراق

وفيما اعتبر مراقبون أن هذه المواقف تكتيكية غير صادقة وتهدف إلى تقديم واجهة سلم صورية، تبلغت الدوائر الأميركية الرسمية مواقف من دول المنطقة تحث فيها الولايات المتحدة على عدم الذهاب إلى الخيارات القصوى في الصراع مع إيران، بما أقنع المراقبين في واشنطن بأن البيانات الصادرة تمثل الموقف الحقيقي الذي لا يريد أن تغرق المنطقة في حرب مجهولة النهايات.

وتتحدث تقارير في العاصمة الأميركية عن بداية تواصل حصل بين إيران ودول الخليج وعن تبادل رسائل بين عواصم المنطقة وطهران وعن وساطة عمانية قام بها الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في السلطنة يوسف بن علوي، وحتى عن وساطة حملها الرجل إلى طهران بعد أسبوع على زيارة قام بها إلى واشنطن قبل اندلاع الأزمة الأخيرة.

وتنقل مراجع أميركية عن مصادر عربية أن بلدان المنطقة التي خاب أملها من إدارة باراك أوباما، عوّلت كثيرا على إدارة ترامب لتصحيح مسار منح إيران شرعية أميركية للهيمنة على كل المنطقة.

وتضيف المصادر أن دول الخليج رحبت بالمواقف المتشددة التي اتخذتها الولايات المتحدة منذ قرار الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات قاسية على إيران، إلا أنها لم تفهم بعد ذلك التردد المقلق الذي اتسمت به إدارة الرئيس ترامب ضد استفزازات خطيرة قامت بها إيران، سواء من خلال تفجير سفن في مياه الخليج أو خطف ناقلات نفط أو إسقاط طائرة مسيرة أميركية أو استهداف منشآت أرامكو بصواريخ تقول واشنطن نفسها إن مصدرها إيراني.

وتقول هذه المراجع إن دول المنطقة سعت بشكل متواضع إلى إعادة التواصل مع إيران بغية إرساء حد أدنى من التعاون التقني مع إيران دون أن يرقى الأمر إلى مستوى التعاون الأمني الكبير الذي دعى إليه الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف.

وتقول تقارير أميركية إن قنوات تواصل أسفرت عن تخفيض مستوى العنف في اليمن وتبادل الأسرى وتنشيط الآمال لعقد محادثات تنهي الحرب هناك بالسبل السياسية، وإن كل هذه الاتصالات كانت تجري بالتنسيق مع الحليف الأميركي.

ويرى خبراء أن إيران لم تكن جادة في نسج علاقات ود صادقة مع دول المنطقة، لكنها كانت معنية بإظهار تباين في الموقف ما بين دول المنطقة والولايات المتحدة، ومهتمة بتسريب معلومات حول أي تواصل حقيقي أو مزعوم يجري مع دول المنطقة بغية تقوية أوراقها ضد الأميركيين، وتحصين جبهتها الداخلية من خلال الترويج إلى أنها دولة مهمة وليست معزولة، حتى أنها روجت بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني إلى أن قائد فيلق القدس كان يحمل ردا إيرانيا على وساطة يقوم بها العراق بين الرياض وطهران، وهو أمر تم نفيه من قبل العراق.

وتؤكد مصادر قريبة من وزارة الخارجية الأميركية أن مواقف دول المنطقة ساهمت في الضغط على ترامب لضبط الأداء العسكري الأميركي وكبح جماح أي توسع في العمليات العسكرية وعدم الرد على قيام إيران بقصف قاعدتي عين الأسد وأربيل في العراق بالصواريخ الباليستية.

لكن هذه المصادر تؤكد أن دول المنطقة ما زالت لا تثق كثيرا بخطط ترامب المقبلة حيال إيران، خصوصا أن حساباته كمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة قد تجعله يقبل بطاولة مفاوضات مع إيران تأتي باتفاق يتناسب مع أجندته دون الأخذ في الاعتبار مصالح دول المنطقة التي تريد أن تكون هذه المرة حاضرة داخل أي مفاوضات.

العرب

Print Friendly, PDF & Email