العلاقات الإسرائيلية الأميركية في الحقبة الأوبامية

العلاقات الإسرائيلية الأميركية في الحقبة الأوبامية

580

من مصادفات الأقدار أن صعود باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية (2009) تزامن مع صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بيد أن ذلك لم يكن لصالح تعزيز العلاقات بين البلدين، فقد شهدت الحقبة أسوأ لحظة في العلاقة بين رئيس أميركي ورئيس حكومة إسرائيلية، منذ قيام إسرائيل 1948.

بل إن هذه الحقبة ربما تسجل في التاريخ باعتبارها التي شكلت اللحظة الانعطافية في العلاقة التحالفية بين البلدين، والتي انتقلت خلالها إسرائيل -بالنسبة للولايات المتحدة- من مكانة الحليف المطلق الذي يتم تقديم الدعم له وتفهم مواقفه دن حساب أو مراجعة، إلى مكانة الحليف الذي ينبغي ترشيده وتحجيمه وإخضاعه للمساءلة؛ أكثر من أية حقبة سابقة.

ليس هذا فحسب، بل على الأرجح ستسجل هذه الحقبة باعتبارها شهدت أسوأ لحظة في العلاقة بين رئيس أميركي ورئيس حكومة إسرائيلية على الإطلاق، بالنظر لما شهدناه من اختلاف طبيعة الشخصيتين، ونمط تفكير كل منها وطريقة عمله، ورؤيته لذاته ولما يمثل.

ولعله ثمة دلالة كبيرة في التنويه إلى أن باراك أوباما ربما هو الرئيس الأميركي الوحيد الذي لم يزر إسرائيل، منذ إقامتها (1948)، إبان ولايته الأولى، إذ إن زيارته اليتيمة لها جرت بعيد انتخابه لولاية ثانية (2013).

محاولة للتفسير

ثمة مجموعة عوامل تضافرت فيما بينها، وأدت إلى ما أدت إليه، وضمن ذلك عوامل سياسية واقتصادية وأمنية، منها التحولات الدولية والإقليمية، وأيضا ثمة البعد الشخصي، المتمثل بشخص مثل باراك أوباما مع ما يمثل على الصعيد الثقافي والأيديولوجي، مع التأكيد بأن المقرر هنا ليس الشخص (أوباما).

ويمكن تحديد هذه العوامل في ما يلي: أولا، تضاؤل حاجة الولايات المتحدة لإسرائيل في الشرق الأوسط، بعد كل ما مرت به هذه المنطقة منذ مطلع التسعينيات، أي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتهاء عالم الحرب الباردة، مرورا بالاحتلال العراقي للكويت (1990)، وحرب الخليج الثانية، ثم صعود الدور الإيراني، وصولا إلى لحظة الربيع العربي.

إذ تبين من كل هذه التطورات محدودية قدرة إسرائيل في السيطرة على التطورات الجارية في المنطقة العربية عموما، كما تبين محدودية قدراتها، حتى على مستوى المشرق العربي. ثانيا، تبين، أيضا، أن إسرائيل باتت عبئا على الولايات المتحدة، إذ باتت عامل إعاقة لسياساتها الشرق أوسطية، كما ظهر في تملصها من عملية التسوية مع الفلسطينيين، ووقوفها ضد مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي طرحه الرئيس بيل كلينتون بالتزامن مع عملية مدريد (1991).

ثالثا، بعد اكتشافات النفط الأميركي، لم تعد الولايات المتحدة تولي ذات الأهمية لنفط الشرق الأوسط، بالقياس لما كان في السابق، إذ باتت مكتفية بمواردها المكتشفة، بل تستعد حتى للتحول إلى دولة مصدرة النفط، وترتب على ذلك شعورها بأنها أكثر استقلالية في التزاماتها إزاء الشرق الأوسط، سواء إزاء إسرائيل، أو حتى إزاء الأنظمة العربية التي تعتبر “صديقة” لها.

رابعا، ما عزز من فكرة “الاستقلالية” الأميركية عن الشرق الأوسط، التطورات السياسية والاقتصادية في العالم، التي حولت أولويات الولايات المتحدة إلى الشرق الآسيوي، وثقله الصين والهند خاصة، حيث يتوقع أن تحتل هذه المنطقة مكانة إستراتيجية كبيرة في المستقبل، من النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية.

مع كل ذلك ربما يجدر بنا أن نستدرك هنا، أيضا، أن التغير الحاصل في السياسة الأميركية، وضمنه إزاء إسرائيل، لم يأت دفعة واحدة، في الحقبة الأوبامية، وإنما بدأ مع تغير العلاقات الدولية، وبعد أن باتت الولايات المتحدة بمثابة قطب أوحد في العالم، مع مطلع التسعينيات.

والمعنى من ذلك أن إسرائيل كانت أحد أهم الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط، في ظروف الحرب الباردة والتصارع على النفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، وقد استفادت كثيرا من ذلك لتعظيم مكانتها، أما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد كان من الطبيعي أن يتضاءل نفوذها تبعا لذلك، بالنسبة للولايات المتحدة.

إن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، كانت قد تأسست تاريخيا على أربعة مرتكزات: أولها، يتعلق بالنفط لجهة الحفاظ على أمن التدفقات النفطية، من المنابع إلى الممرات. وثانيها، الدفاع عن إسرائيل وضمان أمنها واستقرارها وتفوقها عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا وتغطية سياساتها على الصعيدين الدولي والإقليمي. وثالثها، يتمثل بالحيلولة دون تمكين أي دولة منافسة لها من السيطرة على هذه المنطقة، ورابعها يتعلق بضمان أمن واستقرار الدول الصديقة والحليفة في المنطقة.

ولكن تلك السياسة التي بنيت على تلك المرتكزات لم تعد هي ذاتها. فبعد انتهاء الحرب الباردة -لا سيما في حقبة الرئيس بوش الابن- لاحظنا التراجع عن ركيزة الحفاظ على استقرار الأنظمة الصديقة، مع طرحه مشاريع تتأسس على “نشر الديمقراطية”، وبالتالي التغيير السياسي في البلدان العربية، وما زال هذا الأمر ساريا مع ما نشهده من تجاذبات بين إدارة أوباما وبعض الأنظمة العربية.

لكن هذا التغير لم يقتصر على البعد العربي، إذ شمل ركيزة ثانية وهي التي تتعلق بإسرائيل، التي بات دعمها يتخذ تعبيرات محددة، أو ضيقة، تقتصر على ضمان أمنها ومساندتها، وفقا لرؤية تنبني على تخليها عن الاحتلال، وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم في الضفة وغزة.

في الحقبة الأوبامية
هكذا ففي عهد أوباما تمحورت الخلافات الأميركية الإسرائيلية حول قضيتين: أولاهما، عملية التسوية مع الفلسطينيين التي لم تبدِ إسرائيل بشأنها التجاوب المناسب مع مطالب الإدارة الأميركية في ما يتعلق بإتاحة المجال لقيام دولة فلسطينية، أو حتى في ما يتعلق بوقف -ولو جزئي ومؤقت- للاستيطان، وغير ذلك من إجراءات تتعلق بالتسهيل على الفلسطينيين وتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية.

وفي الواقع فإن نتنياهو فعل عكس ذلك تماما، بإعلانه مرة تلو الأخرى عن مخططات استيطانية، وفي مطالبته الفلسطينيين بالعودة للمفاوضات دون أي شروط، ناهيك عن طلبه الجديد المتعلق بالاعتراف بإسرائيل باعتبارها دولة يهودية. بل إن نتنياهو لم يفِ بوعوده للإدارة الأميركية وللفلسطينيين، بخصوص الحد من عمليات الاعتقال، والإفراج عن الأسرى القدامى، وهو كان شرطا لاستئناف المفاوضات (أواسط 2013) وهو الذي أدى لتوقف الفلسطينيين عن التفاوض.

أما القضية الخلافية الثانية، فتتعلق بكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، إذ أخذ نتنياهو على إدارة أوباما مهادنتها النظام الإيراني، معتبرا إياها تفرط بأمن إسرائيل. ففي حين كانت إسرائيل تطالب الإبقاء على العقوبات الأميركية والدولية على إيران لإجبارها على التخلي نهائيا عن قدراتها النووية، فإن الإدارة الأميركية كانت تميل لمساومة مع إيران تفضي إلى تجميد وتحديد قدراتها النووية، كما حصل مؤخرا، في الاتفاق الذي تم إنجازه في “فيينا”.

وكما شهدنا، فقد تم التعبير عن الافتراقات الحاصلة بشكل علني وغير مسبوق في فتور علاقات أوباما ونتنياهو الذي لم يعد مرغوبا به في البيت الأبيض، وبالأخص من خلال التصريحات السياسية والهجومات الإعلامية المتبادلة. ومعلوم أن الخلاف بخصوص الملف النووي الإيراني كان دفع نتنياهو للذهاب مباشرة إلى الكونغرس الأميركي، من وراء ظهر أوباما، للتحريض ضد المفاوضات الأميركية الإيرانية، ولتوضيح مخاطر تملك إيران لقدرات نووية، الأمر الذي أثار غضب الرئيس الأميركي.

هكذا، فإن التوتر في العلاقات بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، وضمنه الخلاف بين أوباما ونتنياهو، لم يبق حبيس المكاتب، أو القنوات الدبلوماسية، إذ كان علنيا منذ البدايات، وكان يطرح في وسائل الإعلام، بل وصل حد استخدام كل واحد منهما نفوذه في البلد الآخر لإضعاف خصمه.

ولعل أكبر دلالة على سأم أوباما من نتنياهو، تعمده التهرب من لقائه أحيانا، بخاصة أن الزيارة اليتيمة له لإسرائيل (2013) استثمرها لمخاطبة المجتمع الإسرائيلي بضرورة التنبه من مخاطر التعنت، وعدم الاستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدا على ضرورة إقامة دولة فلسطينية، لتجنيب إسرائيل العزلة الدولية أو تحولها إلى دولة ثنائية القومية.

الاستنتاجات
مع كل ما تقدم فإن الخلافات الأميركية الإسرائيلية -على أهميتها وخطورتها، وضمن ذلك الاختلاف بين أوباما ونتنياهو- لا تعني أن أميركا قطعت مع إسرائيل، أو أن علاقاتها معها بدأت بالتصدع، وإنما تفيد بأن إدارة أوباما تشتغل وفق مبدأ أميركي قديم مفاده: “إنقاذ إسرائيل رغم أنفها”، أي إنقاذها من عنجهيتها وتطرفها ورفضها التطبيع مع محيطها.

أما مكانة إسرائيل كذخر إستراتيجي للولايات المتحدة، فقد انتهت منذ زمن، مع انتهاء عالم الحرب الباردة، والطلب من إسرائيل عدم الرد على الصواريخ العراقية (1991). هكذا فإنه في عهد أوباما بالذات لم تعد إسرائيل بمثابة “تابو” لا يمكن الاقتراب منه، ولا الدولة المحظية أو الولاية الـ51 بالنسبة للولايات المتحدة.

لكن كل ذلك لا يغطي حقيقة أن هذه الإدارة بالذات خدمت إسرائيل أكثر من أية إدارة أميركية سابقة، وإن بطريقة غير مباشرة، وبالطرق السياسية، وليس بالطرق العسكرية. طبعا قد يبدو هذا الاستنتاج، للوهلة الأولى، متناقضا مع كل ما تقدم، وغريبا، لكن التمعن في الكيفية التي تتصرف بها الإدارة الأميركية في المنطقة، ربما يشرح ذلك، كما أن تفحص أحوال المشرق العربي اليوم، يفسر الفكرة على نحو أوضح.

والحاصل هو أن الإدارة الأميركية، بالسياسات الشرق أوسطية التي تنتهجها في عهد أوباما، بدت وكأنها تسلم العراق لإيران بعد انسحابها منه، بل بدت وكأنها تسهل على إيران تعظيم نفوذها في المنطقة، من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن هذه الإدارة تمنعت عن القيام بأي عمل لوقف تدهور الأوضاع في سوريا، بل تركت النظام يمعن فيه قتلا وتدميرا.

وبالمحصلة فإن أميركا الأوبامية -حتى وهي تدير ظهرها للمنطقة- سهلت وصول العراق وسوريا إلى مرحلة الانفجار والخراب والتفتت المجتمعي والدولتي، لا سيما مع تحول النظام فيهما إلى نوع من المليشيا، ومع تعمق تبعيتهما لإيران، وظهور الجماعات الإسلامية المسلحة والمتطرفة.

وعلى الأرجح فإن هذه المآلات ليست بخافية على صانع القرار الأميركي، من وجهة نظر المصالح الإستراتيجية الأميركية، أي أن ما عده نتنياهو أو غيره بمثابة تنازل أو تدعيم لإيران في المنطقة، يمكن أن يعد نوعا من توريط واستنزاف إيران، فضلا عن أن ذلك يخدم زيادة الصراعات في هذه المنطقة لإضعافها وتفتيت قواها.

هكذا، ففي كل الحالات تبدو إسرائيل بمثابة الرابح الأكبر مما يجري، والدولة الأكثر استقرارا في المنطقة، ثم إن ثمة جيشين عربيين باتا بمثابة حطام من دون أن يطلقا رصاصة واحدة.

طبعا، هذا الكلام لا يفيد بأن الولايات المتحدة فعلت ما فعلته لعيون إسرائيل فقط، إذ فعلت ذلك خدمة لسياستها على المدى البعيد، لا سيما سياسة عدم التدخل، وترك الآخرين يتقاتلون، وفق مبدأ: “دع الحرائق تحرق ذاتها”، إدراكا منها أنه لا توجد قوة أو دولة غيرها يمكن أن تستثمر ذلك، وأن تستدعى كقوة ضبط وتحكم، في اللحظة المناسبة.

ماجد كيالي

الجزيرة نت