كيري في تونس: تعزيز ديمقراطية عربية من خلال “الحوار الاستراتيجي”

كيري في تونس: تعزيز ديمقراطية عربية من خلال “الحوار الاستراتيجي”

TunisiaFlagsAirportClouds-639x405

في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، وصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى تونس في أحدث حلقة من الحوار الاستراتيجي الثنائي بين الولايات المتحدة وتونس. وتأتي هذه الزيارة الرفيعة المستوى زيارة أخرى قام بها مساعدا وزير الخارجية الأمريكي آن باترسون وتوم مالينوفسكي في أيلول/سبتمبر إلى تلك البلاد، حيث التقيا عدداً من المسؤولين والناشطين. وفي غضون ذلك، احتلت جماعات المجتمع المدني في تونس عناوين الأخبار الدولية على خلفية فوزها بجائزة نوبل للسلام تقديراً لدورها في التحول الديمقراطي الناجح في البلاد. ولكن على الرغم من هذا التقدير المستحَق، سيُعْقد “الحوار الاستراتيجي” في ظل اضطرابات سياسية متنامية ومشاكل اقتصادية مستمرة ووضع أمني هش في هذه الدولة المتعبة في شمال أفريقيا. وبالتالي، ستعطي المحادثات إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما فرصة لإعادة التأكيد على الدعم الأمريكي الضروري للغاية للدولة الوحيدة من دول “الربيع العربي” التي بقيت تنتهج مساراً واضحاً نحو الديمقراطية.

مشهد سياسي تشوبه الفوضى

بعد وصوله إلى العاصمة تونس، سيجد وزير الخارجية كيري مشهداً سياسياً تزعزع مؤخراً بفعل استقالة 32 نائباً من «حزب نداء تونس» العلماني. وقد تأسس هذا الحزب في عام 2012 وكان هدفه الأساسي مناهضة «حزب النهضة» الإسلامي (حركة “النهضة”)، الذي انبثق من الاضطرابات الثوروية عام 2011 انطلاقاً من موقع مسيطِر. وقد دفعت الرسالة المناهضة للإسلاميين بـ «حزب نداء تونس» إلى الفوز في الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2014، كما سمحت لقائد الحزب الباجي قائد السبسي بتبوؤ سدة الرئاسة بعد شهرين. إلا أن خطاب الحملة المتماسك قد حجب اختلافات داخلية حول السياسة الاقتصادية، وشرخاً بين نخب الحزب الحاكم السابق وطقماً جديداً من السياسيين، وخلافاً حول ما إذا كان من المفترض العمل مع «حزب النهضة» في الحكومة.

وفي غياب البنى الداخلية المسؤولة عن صنع القرارات، شهد «حزب نداء تونس» انشقاقات متزايدة منذ الانتخابات. ويتعلق أحد هذه الانقسامات بقيادة الحزب، مع تجمع الفصائل المتناحرة حول الأمين العام الحالي للحزب محسن مرزوق، ونجل الرئيس السبسي حافظ. وينتمي أعضاء الحزب الذين انشقوا عن كتلتهم البرلمانية في 9 تشرين الثاني/نوفمبر إلى معسكر مرزوق، وقد زعموا أن خصومهم يسعون إلى تنصيب حافظ كزعيم للحزب. ويبقى أن نرى ما إذا كان المنشقون سينضمون ثانية إلى كتلتهم (مقابل تنازلات كما يُزعم) أو يشكلون حزباً جديداً، إلا أن النتيجة الفورية للانشقاق تمثلت بتقليص عدد مقاعد «حزب نداء تونس» إلى 54 مقعداً، مما وضع «حزب النهضة» في الصدارة مع 69 مقعداً وزاد احتمال التعديل الوزاري.

وعلى الرغم من أن الإسلاميين قد يرحبون ضمناً بالمشاكل التي يعانيها «حزب نداء تونس»، إلا أن «حزب النهضة» يواجه بدوره تحديات. فعلى الرغم من هيئاته الداخلية والديمقراطية الموسعة المولجة بصنع القرار، عمد الحزب مراراً إلى تأجيل عقد مؤتمر رسمي، في الوقت الذي تتناقش فيه فصائل متنوعة حول توجهه الطويل الأمد والفصل المقترح بين وظائفه السياسية وتلك المتعلقة بالدعوة. وطالما لم يتم التوصل إلى توافق حول هذه القضايا، قد يشكل احتمال تولي الحزب مسؤوليات أكبر في الحكومة نعمة ونقمة في آن واحد. فحزبا «النهضة» و«نداء تونس» يواجهان تحدي الانتقال من حركات معارضة إلى أحزاب حاكمة، وسيؤثر مدى نجاحهم في ذلك إلى حد كبير على قدرة تونس على مواصلة اعتماد إصلاحات ضرورية للغاية في السياسات، ولاسيما في المجال الاقتصادي.

التحديات الاقتصادية المستمرة

منذ الانتخابات البرلمانية في العام الماضي، أحرز المشرعون التونسيون تقدماً ثابتاً وإن بطيئاً من ناحية تطبيق الإصلاحات الاقتصادية. فقد تم إعادة رسملة معظم المصارف العامة، ويتم العمل حالياً على قانون شراكة بين القطاعين العام والخاص ضمن اللجنة البرلمانية، وسيخضع قانون استثمار تمت مراجعته على الأرجح للتصويت في كانون الأول/ديسمبر، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. إن مثل هذه المبادرات سستغرق وقتاً طويلاً لتؤتي ثمارها، إلا أنها خطوات أولية أساسية باتجاه تحسين مناخ العمل والاستثمار في تونس، ويستحق المشرعون الثناء على تفعيلهم هذه المبادرات، بالرغم من النقص الحاد في عدد الموظفين والعوائق ذات الصلة المرتبطة بالموارد.

ومع ذلك، يواجه الاقتصاد تحديات جمة. فنسبة البطالة ما زالت مرتفعة إلى حد كبير، وتمت عرقلة النمو الاقتصادي بفعل تراجع عائدات السياحة وارتفاع نسبة الواردات (وخاصة للسلع ذات الصلة بالطاقة) وتوقف قطاعي التصنيع والتعدين. وتساعد قروض “صندوق النقد الدولي” و “البنك الدولي” على استمرار تونس في أعمالها المالية، ولكنها ستتطلب إصلاحات بنيوية أعمق قد تكون صعبة بالنسبة إلى الدوائر الانتخابية التي يبقى دعمها أساسياً للتحول الديمقراطي الأوسع ونجاح البلاد على المدى الطويل.

وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا العام، نقلت وزيرة التجارة الأمريكية بيني بريتزكر رغبة إدارة أوباما بتقديم مساعدة تقنية إلى المشرعين التونسيين في الوقت الذي يعدّون فيه خططاً للتنمية الاقتصادية على المديين المتوسط والطويل. ويقدم “الحوار الاستراتيجي” فرصة مؤاتية لإتمام هذا العرض.

وضع أمني هادئ بالرغم من هشاشته

من المفاجئ ربما أن يشكل المجال الأمني بصيص الأمل النسبي الوحيد الذي يلوح في الأفق بالنسبة إلى وزير الخارجية الأمريكي. فمنذ أن أدى هجوم إرهابي في حزيران/يونيو إلى مقتل 38 سائحاً في منتجع بحري في مدينة سوسة، لم تشهد تونس أي حوادث أمنية ملحوظة. وعلى إثر المجزرة، أعلن الرئيس السبسي حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً، ثم مددها لمدة شهرين. ونتيجة ذلك، فإن نشر القوات المسلحة لحراسة المواقع في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى إقرار قانون مثير للجدل حول مكافحة الإرهاب خلال الصيف، قد ولّد مخاوف لدى المجتمع المدني التونسي والمجتمع الدولي بشأن اعتزام الحكومة تضييق الخناق على الحريات المدنية تحت راية الحفاظ على الأمن. ولكن على العموم، لم تتحقق هذه المخاوف على أرض الواقع، وقد رفع الرئيس بهدوء حالة الطوارئ في أوائل تشرين الأول/أكتوبر.

وحتى مع ذلك، يجب ألا يؤدي الهدوء النسبي إلى الشعور بالطمأنينة. فما زالت ليبيا المجاورة تغلي على نار العنف مع احتمال تدفقه إلى تونس. كما تواجه السلطات احتمال عودة حوالي 3000 جهادي تونسي إلى وطنهم بعد أن شاركوا في القتال في سوريا والعراق وأدت المعارك إلى زيادة تشددهم. وفي غضون ذلك، تستمر قوى الأمن في كشف النقاب عن مخابئ أسلحة وخلايا إرهابية ومؤامرات دنيئة داخل البلاد.

ونظراً لقيام الحكومة الأمريكية بتصنيف تونس رسمياً كـ “حليف رئيسي خارج حلف الناتو”، يشكل “الحوار الاستراتيجي” لإدارة أوباما فرصة لتقييم وضع التعاون الأمني الثنائي ومناقشة طرق تسريع المساعدة المتعلقة بمكافحة الإرهاب والقضايا ذات الصلة. وتفيد تقارير صدرت مؤخراً حول تمارين تدريب مشتركة في مجال مكافحة الإرهاب بين الولايات المتحدة وبريطانيا وتونس أن هناك زخم يمكن التعويل عليه.

إدارة التوقعات

انسجاماً مع غاية معظم الحوارات الاستراتيجية وفحواها، ستساعد المحادثات الأمريكية- التونسية كلا البلدين على تقييم أسس العلاقة الثنائية بينهما. هذا وقد قاد الجولة الأولى من الحوار التونسي، التي عُقدت عام 2014، نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق وليام بيرنز. وبالتالي، تبدي إدارة أوباما عن حق دعماً أقوى في لحظة حاسمة من خلال إرسال وزير الخارجية كيري هذه المرة. وقد يتوقع بعض التونسيين تغيراً ملحوظاً في السياسات من جراء المحادثات وسيخيب أملهم على الأرجح، إلا أن الحوار يمكنه بالرغم من ذلك إضفاء زخم على برامج المساعدة الحالية المخصصة للتجربة الناجحة الوحيدة المتبقية من تجارب “الربيع العربي”.

 سارة فوير

معهد واشنطن