فرضُ الحلِ السياسيّ في سورية

فرضُ الحلِ السياسيّ في سورية

349

قبل الدخول في أتون جملة الأفكار المؤسسة لسيناريو محتمل لمسار العملية السياسية في سورية ومآلها، وهي التي يلهث جل الفاعلين على توفير الحظوظ الملائمة لانطلاقها، أحتاج لأن أتكئ على فرضيات ٍوتعريفاتٍ توفرت مؤشرات تشكلها بنسب عالية، لعل أهمها وأكثرها احتماليةً يتمثل في الخلط في قراءة طبيعة المحطات المؤسسة والمنفذة “ادعاءً” لأي عملية سياسية، منذ “جنيف” وصولاً إلى “فيينا” ومخرجاتها. فهناك من يحصر العلاقة بينهما بالانقلابية على مفهوم الحكم الانتقالي، ويرى آخرون أنه لا بد من قياس قانونية “فيينا”، وفق التحقق من معايير “جنيف” الرئيسية، في سبيل تبيان موقف سياسي واضح من هذه العملية أو ذاك المؤتمر. وحقيقة الأمر، لن تقدم هذه التفسيرات وضوحاً يمكن أن تبنى عليه مناهج عمل سليمة، طالما أنها تخطئ في توصيف الملف السوري بعد خمسة أعوام. إذ إنه، وبالإضافة إلى مستويات الصراع المتعددة التي تنبض بين ظهراني هذا الملف، فإنه ملف دولي بامتياز، سيكون للتوافق أو الاختلاف الدولي أثر في انفراجه أو تعقيده، لأسباب تتعلق بالمعادلات الأمنية والجيوسياسية لجغرافية ملتهبة كالجغرافية السورية.
فعندما توفر الحد الأدنى من ضرورة التوافق لإطلاق “أمل الحل السياسي”، التقى الفاعلون الدوليون بغياب السوريين، وتم إقرار وثيقة “جنيف1” التي شكلت مستنداً أساسياً لأي مسار سياسي، يرتجي المشروعية، ثم تُرك الملف السوري لفاعليه الدوليين والإقليميين للتحكم في معادلات الصراع والتدخل لتصحيح الانعواجات والانحرافات الناشئة ضمن رغبة جمعية قائمة على ضرورة ضبط المفرزات السائلة ضمن حدود المشهد السوري قدر المستطاع. وفي أثناء التحكم الدولي “للأزمة السورية”، أحرجت ضربة الكيماوي التي قام بها النظام السوري ضد معارضيه المجتمع الدولي، إلا أنه مع حرفية الدبلوماسية الروسية، وحسن قراءتها غايات هذا المجتمع (بما فيها إسرائيل)، استطاع أن يقدم نفسه، بعد صفقته الشهيرة، بأنه “خيرُ” من يتوكل مهمة الحفاظ على أمل طروحات الحل، عبر بوابات السياسة فقط، ومع قرب انهيار هيكلية جيش النظام السوري، وتأزم إشكالاته البنيوية، بما فيها البنية البشرية، أتى التدخل العسكري الروسي تكتيكاً فرض نفسه، فاسحاً المجال للدبلوماسية الروسية لتصحيح مساره، عبر تنطعها لطرح الدب الروسي فاعلاً مهمّاً في محاربة الإرهاب، وضامناً للدفع في مسارات العملية السياسية التي جمّدت منذ “جنيف 2” لدواعي الاختلاط في الأولويات بين محاربة الإرهاب والتغيير السياسي، ليأتي، أخيراً، بيان فيينا (مع استمرار غياب الفاعلين السوريين) الذي تؤكد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية على أنه بني وفق حدٍ أدنى من التوافقات الدولية، لم ينس مراعاة المهددات الأمنية لأنظمة دول الإقليم الفاعلة، ويكشف عن معادلة دوليةٍ، ترتجي الإلزام والشرعية الدولية، وسيكون لها أثر بالغ في فهم مآل العملية السياسية في سورية، وهذه المعادلة الآخذة بالتحقق هي: (الحل السياسي وفق المنظور الدولي = مستند قانوني “جنيف” + إطار عام يراعي الأولويات “فيينا” + أدوار إقليمية ودولية في آليات التنفيذ).

مسلّمات دولية لعناصر الحل
ساهمت الانتقالات الحادة في مستويات الصراع في سورية، والإفراز السياسي المرافق لها،

والذي غدا مشاريع، تستند على خطابات عابرة للسورية، أيديولوجية، وعقدية تهدد البنية السورية برمتها، في تعزيز معطيات عدم وجود الضامن الفعلي للتفاعلات الأمنية في المنطقة، والقادر على ممارسة الضبط الأمني بالشكل الذي لا يخل بالإطار الذي تم تثبيت قواعده، عبر خمسة عقود، الأمر الذي جعل الأداء الدولي يلزم نفسه بمحدّدات تتجاوز البعد الإنساني، لتصل إلى تعزيز الدفوعات السياسية الهادفة إلى حل سياسي، يوقف امتداد موجات التغيير التي ساهمت (بالمنظور الدولي) في إعادة تعريف وظيفة النظم السياسية الحاكمة من جهة، ويعيد التوازن في المصالح من جهة أخرى. وما بين هذا وذاك، يتدافع الفاعلون إلى تحسين شروط ضغطهم على الآخر، منطلقين من قاعدة أن حل الملف السوري هو نقطة انطلاق رئيسية في تثبيت قواعد نظام إقليمي جديد، يسعى الجميع إلى احتلال المركز أو ما حوله.
لا شك في أن التدخل الروسي أحدث تغييراً عميقاً في أدوات الفاعلية لدول الأطراف، فهو، من جهة أولى، عطل نيات التدخل العسكري بكل صيغه، خصوصاً أن هذا التدخل أتى بسياق موازٍ (متفق عليه) لمحاربة التنظيمات التي لا ينبغي أن تصل إلى الحكم في هذه الجغرافية، أو تشارك فيه. ومن جهة ثانية، كرس التدخل سبلاً واضحة في التعاطي بالملف السوري، وهي سبل التعطيل الجزئي أو البحث عن هوامش تركتها، قاصدة الأطروحات الروسية فرصة لبناء تفاهمات مشتركة، بمعزل عن شعارات التغيير السياسي الحقيقي التي يدفع بها، أو يعارضها، هؤلاء الفاعلون. ومن جهة أخيرة، فرضت موسكو شروطها الجيوسياسية على أية طاولة تبحث الملف السوري، بمختلف أبعاده، بما فيها الإنسانية.
واستكمالاً لوظيفة الوكالة الدولية لروسيا التي تتصدر مشهد الدفع السياسي باتجاه الحل، أتى بيان فيينا، وكل رسائله المقصودة، ليكون فرضاً سياسياً لإطار عام ينتظر فرصة اكتساب الشرعية الدولية (المتوقع حدوثها قريباً) ليلزم كل الفاعلين على الدخول فيه، هذا الفرض يحاول تكريس وتثبيت معطيات عدة، تتحكم في نسق العمليات التنفيذية الناشئة وسيرها، وهي:
• المحافظة على الدولة السورية، ووظائفها الأمنية والسياسية. والشروع فوراً بمحاربة الإرهاب. ومشاركة الأطراف المقبولة دولياً إلى جانب جيش النظام في محاربة التنظيمات الإرهابية.
• ضمان روسيا إجراء تغييرات شكلية في هيكلية الحكم من جهة، والضغط على مليشيات تابعة للنظام للعودة والتقهقر إلى بلادهم، من جهة أخرى.
• تمكين الأقليات في سبيل ضمان تخفيف فاعلية الأكثرية التي لم تكن قادرة على ضبط تحولاتها وممارسة السلوك الدولتي.
• حسن اختيار المعارضة، وفق معيار مدى القبول الدولي لها، أولاً، ثم الفاعلية المحلية ثانياً، وتثبيت القوى الوطنية غير المقبولة دولياً وتحجيمها، بالضغط عليها، ثم النظر بمآلها بعد الاطمئنان على سير العملية السياسية.
• عدم وصول قوى إسلامية “متطرفة” إلى الحكم، عبر حُسن استخدام ورقة “تصنيف الإرهابيين”.
• تحديد مجالات التفاوض وطبيعته ضمن سقف فيينا، وجدوله الزمني الذي قد يشهد بعض التعديلات غير الجوهرية.
قد لا تشكل النقاط أعلاه محط توافق إقليمي دولي حتى اللحظة، لكنه يحتوي على جملة من المسارات المفتوحة التي قد تنذر صيغتها النهائية بتحقيق صيغة لا غالب ولا مغلوب، وهي صيغة تشكل مخرجاً سلساً وحلاً توافقياً لملف معقد كالملف السوري.

تداعيات
في ظل الترشيحات المحتملة لشكل العملية السياسية التي تستهدف، بالدرجة الأولى، “مكافحة

الإرهاب”، وعلى الرغم من التأخر في اغتنام المحور الثلاثي الفرص لتحسين الواقع الاجتماعي، بما يتوافق مع متطلباته الضرورية، فإن التحدي لا يزال قائماً وفارضاً نفسه، ويدفع ذاته أمام دول هذا المحور في كل استحقاق، بحكم ما ستفرزه هذه العملية من نتائج، سيكون من شأنها تجذير المناخات المعززة خطاب التطرف مجتمعياً في كل دول المحيط، ويزيد من سيولة الفعل التطرفي خارج الحدود أكثر مما هو عليه، ليطال بنى الوحدات السياسية في دولٍ عديدة، وهذا ليس تهويلاً سياسياً يمارسه الكاتب، بقدر ما هو عائد إلى أمرين موضوعيين استراتيجيين. الأول: إن أدوات الاستهداف المتبعة من الجماعات العابرة عناصر محلية، لا تزال غير مقتنعة بخطاب حكوماتها وسياساتها، هذه العناصر التي تنتهج سبل التفجير والتفخيخ ضمن بنى “العدو البعيد”، لن تستقيم معها فقط طرق المكافحة العسكرية في بيئات الإرهاب، ولا سبل السياسات المحلية التي تستهدفها ببرامج إعادة التأهيل والاندماج المحلي والمراجعات والصالونات الأدبية و… إلخ، بل تنطلق جميعها بالتوازي مع نصرة المجتمع، وهو الكفيل الوحيد في تجفيف المستنقع الذي تنمو فيه هذه الجماعات، بدءاً من لفظه، وانتهاءً في التعاون مع الفاعلين الآخرين للقضاء عليه. أما الأمر الثاني، فيفرضه الإرهاب نفسه، إذ إنه أحد النواتج غير المباشرة لسوء التعاطي الإقليمي والدولي في التعامل مع قضايا الربيع العربي، والاستمرار في نهج سياسات التوظيف والتطويع وفق ثنائيات المصلحة والأمن اللحظية، فإنه لن يحجم فعالية المجموعات العابرة، بل سيتيح لها هوامش أخرى، للبحث عن استدامة سبل التمكين المحلي وتعزيزها.
كما أن من شأن ضرورة تنسيق الجهود وتكاملها ما بين الفواعل المحلية والإقليمية ضمان استقرار المنطقة والحفاظ على الشروط الأمنية وبناء علاقات سياسية طبيعية بينية، وتهيؤ البيئة السورية لتكون صادّةً، قدر الإمكان، للجماعات العابرة للحدود من جهة، ومعطلةً استراتيجية طهران للملعب الاستراتيجي العربي.
إلا أنه، ولدى تقييم الأداء والسلوك السياسي والعسكري لدول هذا المحور، نراه يتمايز ما بين الحذر والاندفاع المضبوط، وهذا أمرٌ قد تبرره شروط اللعبة السياسية لإدارة الملف السوري،

كما تقبله الأطر العامة المُعرّفة أداءها وطبيعة الأهداف العامة لهذه الدول في هذا الملف، إلا أنه مقلق وغير موضوعي، بحكم حجم التحديات المفروضة على هذا المحور ووزنها.
وعليه، وانطلاقاً من التحليل أعلاه، سيبقى السلوك الأمثل والمنتظر لهذه الدول هو الولوج في العملية السياسية لسورية، عبر تفعيل مداخل التغيير السياسي الحقيقي، واستغلال كل الاستحقاقات للتضافر مع قوى المعارضة السورية، في سبيل توحيد الاستراتيجية التفاوضية التي ينبغي أن تتكامل فيها المصالح الوطنية مع مصالح الإقليم، خصوصاً دول المحور الثلاثي، وتبني مبادئ عامة للحراك السياسي، مستمدة من الأبعاد الحضارية للثورة السورية، بالإضافة إلى الاستعداد المهني الجدي لملفات المرحلة المقبلة، وفق منطوق الدولة، خصوصاً ملفات الإرهاب، وبرامج نصرة المجتمع السوري، سواء المتعلقة بالاجتماع أو الاقتصاد، أو حتى على صعيد العدالة الانتقالية.
وفي حال عدم التصدي لهذه التحديات، وبغض النظر عن النتائج وشكلها النهائي، فإنه سيثبت من المؤشرات الدالة على فرضيتين، لا ثالث لهما. الأولى، عدم نضج مناخات التنسيق والتلاقي بين دول هذا المحور، وقد يكون عائداً حتماً لتضارب الغايات السياسية مع الأمنية داخل الوحدة السياسية الواحدة، أو الثانية هي قبول دوائر صنع القرار السياسي في دول هذا المحور للمسلمات الدولية المذكورة أعلاه. وبالتالي، اختصار غاياتهم على تغيير شكلي، يثبت المعادلة الأمنية على المدى المنظور فقط. وفي كلتا الحالتين، سنكون أمام مشهدٍ لن تتغيّر ملامحه، مهما مورس عليه من ضغط وضبط سياسي، لأن نسق الإرهاب والاستبداد وأنظمتهما لن تقاوم كثيراً إدارة التغيير التي أضحت المعادل الموضوعي لسني التشظي والقهر والظلم الاجتماعي.

قولٌ فصل ينتظر المغالطة
تشهد أروقة السياسة والدبلوماسية الدولية تعزيزاً وتكاملاً لجهود الدفع باتجاه بلورة حل سياسي يتجاوز القضية المجتمعية السورية، ويحصرها بتغييرات شكلية، ترافقها آليات دمج مستعجلة بين أدوات الأطراف المتصارعة لمحاربة “الإرهاب”، وذلك كله ضمن إطار إعادة تأهيل وظائف النظام الحاكم، وهو أمر يأتي نتاجاً لتضافر ثلاثة أسباب: رغبة دولية وفق المؤشرات، عدم تناسق أدوات الفاعلية الإقليمية مع حجم التحديات، وفشل المعارضة لأسباب ذاتية وموضوعية في التعامل مع ملفاتها واستحقاقاتها بمنطق دولتي يتسق مع الهوية السورية وتطلعاتها الحضارية.

معن طلاع

صحيفة العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email