المزيد من الزعزعة والمواجهات في لبنان

المزيد من الزعزعة والمواجهات في لبنان

تحديات

أعلن رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع في احتفالٍ مشهودٍ من عرينه بقرية معراب الجبلية، تأييد عدوه اللدود (سابقًا طبعًا!) ميشال عون في ترشحه لرئاسة الجمهورية اللبنانية، والمنصب خالٍ منذ ثمانية عشر شهرًا بسبب إضراب نواب عون وحزب الله عن حضور جلسات المجلس النيابي المتوالية (35 اجتماعًا) لانتخاب رئيسٍ جديد.
وقد سبق ذلك، بأسبوع، قرار محكمة التمييز العسكرية بإطلاق سراح الوزير السابق ميشال سماحة، الذي كانت أجهزة الأمن الداخلي اللبناني قد اعتقلته قبل أربع سنوات متلبسًا بنقل متفجرات من سوريا، من مكتب مدير المخابرات علي المملوك، بقصد تفجيرها في شمال لبنان في شهر رمضان، لقتل أكبر عددٍ ممكنٍ من السنة، وإحداث فتنة طائفية.
ليس هناك بالطبع علاقة بين الحدثين. بيد أنّ الحدث الأول يعني زيادة الانقسام السياسي والطائفي. بينما يُثبت الحدثُ الثاني المزيد من استهداف السنة، الذين يوجد مئاتٌ منهم في المعتقلات (من دون محاكمة) بتهمة الإرهاب، في حين لم يكتشَف أو لم يُحاكَمْ أو أُطلق سراح، كلُّ الذين اتُهموا بقتل زعماء أو مسؤولين في 14 آذار، أو من القوى الأمنية والعسكرية؛ بما في ذلك أولئك الذين ثبت تعاملهم مع إسرائيل!
ولنبدأ أولاً بالمحكمة العسكرية. فالمحكمة العسكرية مؤلفة من عسكريين يعينهم قائد الجيش. وقد غيّر اثنين منهم قبل شهور لكي يصدر القرار إجماعيًا. وهناك عشرات السوابق لهذا القرار، لذلك لا بد من تعديل قانون المحكمة الاستثنائية هذه، بحيث لا تتناول صلاحياتها محاكمة المدنيين.
ولنعد إلى مسألة رئاسة الجمهورية. هناك مرارة مسيحية عميقة من تراجع دورهم السياسي في فترة الاستتباع السوري. ولذلك صعدت في صفوف شبانهم ووجهائهم سمعة وشعبية الراديكاليين، وفي طليعتهم عون وجعجع، اللذان تنافسا منذ أواسط الثمانينات على الزعامة المسيحية الأوحدية، ولذا فقد سجن السوريون جعجعًا، وطردوا عونًا من لبنان. ولأنّ عونًا بقي حرًا في ملجئه بفرنسا، فقد استمر في العمل السياسي والتحريض على السوريين، وعلى أتباعهم من اللبنانيين مسلمين ومسيحيين. وبلغ به الأمر حدود الذهاب إلى الولايات المتحدة وإلى الكونغرس هناك في التسعينات لترجيح كفة قانون عزل سوريا. على أنّ السوريين وعندما كانوا يُعدُّون العُدّة لما بعد الرئيس رفيق الحريري، اتصلوا بعون من عدة طرق، ومنها ميشال سماحة عميلهم القديم، وبالفعل جاء إلى لبنان بعد أن غضّت المحاكم اللبنانية النظر عن الاتهامات له بالسرقة والتمرد. وبالطبع ما استمرت علاقته بالمعارضين للسياسة السورية من المسيحيين والمسلمين، بحجة أنّ الاحتلال السوري للبنان انتهى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. انتخابات عام 2005 أظهرت انخفاض شعبية عون، لصالح سمير جعجع الذي صار من قادة 14 آذار. لكنّ عونًا سلك سلوكين متلازمين: التحالف مع حزب الله (2007)، وتشديد الحملات على السنة بشكل طائفي منذ عام 2007 حتى الآن. التفاهم مع حزب الله (ومع بشار الأسد قبل ذلك) أمّن لعون دعمًا ماديًا وسياسيًا، ومشاركة وازنة في كل الحكومات منذ عام 2007 وحتى اليوم، ومن ضمنها الوزارات المنتجة مثل وزارة المالية، ووزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة. ومنذ عام 2012 عندما بدأت الأزمات بين إيران والسعودية بالظهور، دخلت الحملة على السعودية في تصريحات عون والعونيين تقربًا من إيران ومن النظام السوري.
ما اعتبارات جعجع للانضمام إلى عون؟ جعجع هو الراديكالية المسيحية الأُخرى، وعلى ذلك اعتمد في الاحتفاظ بشعبيته رغم دخوله في 14 آذار المعتدلة. وقد أخذ جعجع على تيار المستقبل والمسيحيين المستقلين والكتائب دخولهم في حكومات توافقية مع نصر الله وعون، إحساسًا منه بأنّ ذلك يزيد من نفوذ عون. لكنه عندما يئس من إمكان تخفيض شعبية عون بسبب تقدم المحور الإيراني وطرفه الحزبي بالمنطقة ولبنان، عاد للتأكيد على مسيحيته، كما ظهر قبل سنتين ونصف في اقتراح قانون للانتخابات عُرف باسم القانون الأرثوذكسي، يفصل المسيحيين عن المسلمين في الاقتراع بحجة التمثيل المسيحي الصحيح. وعندما فشل الاقتراح رغم دعم عون له، بسبب اعتراض السنة والشيعة، وجزء وازن من النواب المسيحيين؛ ما تراجع جعجع عن «تمسيح» سياساته بعد أن لم تفده آذاريته في الاقتراب من الرئاسة، ولا ارتفعت شعبيته عند المسيحيين. وتمثّل إقدامه باتجاه عون بعد فشل «الأرثوذكسي»؛ بالسير باتجاه «اتفاقية تفاهم» معه، تجلت آخر محطاتها في أن يرشح عونًا ويتخلّى عن ترشيح نفسه. وفي ظنه (وقد تبين من الاستطلاعات أنه لا يحظى بأكثر من 17 إلى 20 في المائة من الشعبية لدى المسيحيين، بينما يحظى عون بنحو الـ35 في المائة) أنه يستطيع التقاسم مع عون في الانتخابات النيابية والبلدية، ويستطيع الحصول على وظائف في الدولة من حصة المسيحيين، كما يستطيع دخول الحكومات بأكثر من وزير. ويستطيع الاحتجاج على الآذاريين وسعد الحريري إن انزعجوا بأنه لم يتخلَّ عن المبادئ (البنود العشرة)، وأن الحريري خذله بالتفاوض مع عون قبل عامين، وأنه خذله أخيرًا بترشيح سليمان فرنجية الذي سيكون أقسى عليه من عون إن صار رئيسًا! وعلى أي حال – وكما قال جعجع لبعض مفاوضيه – السنة يضعفون وأنصار إيران صاعدون!
ماذا سيحدث بعد التحالف العوني – الجعجعي؟
بالتحالف صار داعمو عون نحو ثلثي النواب المسيحيين. لكنهم لا يستطيعون بعد جمع أكثرية 65 صوتًا من 128 عدد النواب، رغم وقوف حزب الله مع عون، ونواب الحزب القومي والبعث ونواب الأرمن، وأفراد آخرين؛ إذ تبقى في المواجهة حتى الآن كتلة نواب المستقبل (32)، وكتلة وليد جنبلاط، وكتلة الرئيس بري، وكتلة سليمان فرنجية، وكتلة الكتائب، والنواب المسيحيون المستقلون. لكنْ مما يدلُّ على قوة الهزة التي أحدثها تغير موقف جعجع أنّ بعض الصحافيين يشككون في استمرار فرنجية في الترشيح، واستمرار وليد جنبلاط أو بري في معارضة ترشيح عون إذا ضغط عليهم جميعًا حزب الله وبشار الأسد بشدة!
ومتابعة للإجابة عن العواقب السياسية للانقلاب الجعجعي على نفسه، يبدو لأول وهلة أنّ الاتفاق الجديد لن يقرّب من الانتخابات الرئاسية، بدليل أنه حتى حزب الله النصير الأول لعون لا يبدو متشجعًا لدعوة مجلس النواب للانتخاب. وهذا يعني زيادة الاستقطاب، وتحوله من جديد كما في القديم إلى استقطاب مسيحي – إسلامي.
لبنان كثير التقلبات والهزات. وهذه قلبة أو هزة. لكنّ الأيام حبلى بقلباتٍ وهزاتٍ أُخرى. أما انتخابات الرئاسة فلا تبدو أكثر قربًا. وعش رجبًا تَرَ عجبًا.

أعلن رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع في احتفالٍ مشهودٍ من عرينه بقرية معراب الجبلية، تأييد عدوه اللدود (سابقًا طبعًا!) ميشال عون في ترشحه لرئاسة الجمهورية اللبنانية، والمنصب خالٍ منذ ثمانية عشر شهرًا بسبب إضراب نواب عون وحزب الله عن حضور جلسات المجلس النيابي المتوالية (35 اجتماعًا) لانتخاب رئيسٍ جديد.
وقد سبق ذلك، بأسبوع، قرار محكمة التمييز العسكرية بإطلاق سراح الوزير السابق ميشال سماحة، الذي كانت أجهزة الأمن الداخلي اللبناني قد اعتقلته قبل أربع سنوات متلبسًا بنقل متفجرات من سوريا، من مكتب مدير المخابرات علي المملوك، بقصد تفجيرها في شمال لبنان في شهر رمضان، لقتل أكبر عددٍ ممكنٍ من السنة، وإحداث فتنة طائفية.
ليس هناك بالطبع علاقة بين الحدثين. بيد أنّ الحدث الأول يعني زيادة الانقسام السياسي والطائفي. بينما يُثبت الحدثُ الثاني المزيد من استهداف السنة، الذين يوجد مئاتٌ منهم في المعتقلات (من دون محاكمة) بتهمة الإرهاب، في حين لم يكتشَف أو لم يُحاكَمْ أو أُطلق سراح، كلُّ الذين اتُهموا بقتل زعماء أو مسؤولين في 14 آذار، أو من القوى الأمنية والعسكرية؛ بما في ذلك أولئك الذين ثبت تعاملهم مع إسرائيل!
ولنبدأ أولاً بالمحكمة العسكرية. فالمحكمة العسكرية مؤلفة من عسكريين يعينهم قائد الجيش. وقد غيّر اثنين منهم قبل شهور لكي يصدر القرار إجماعيًا. وهناك عشرات السوابق لهذا القرار، لذلك لا بد من تعديل قانون المحكمة الاستثنائية هذه، بحيث لا تتناول صلاحياتها محاكمة المدنيين.
ولنعد إلى مسألة رئاسة الجمهورية. هناك مرارة مسيحية عميقة من تراجع دورهم السياسي في فترة الاستتباع السوري. ولذلك صعدت في صفوف شبانهم ووجهائهم سمعة وشعبية الراديكاليين، وفي طليعتهم عون وجعجع، اللذان تنافسا منذ أواسط الثمانينات على الزعامة المسيحية الأوحدية، ولذا فقد سجن السوريون جعجعًا، وطردوا عونًا من لبنان. ولأنّ عونًا بقي حرًا في ملجئه بفرنسا، فقد استمر في العمل السياسي والتحريض على السوريين، وعلى أتباعهم من اللبنانيين مسلمين ومسيحيين. وبلغ به الأمر حدود الذهاب إلى الولايات المتحدة وإلى الكونغرس هناك في التسعينات لترجيح كفة قانون عزل سوريا. على أنّ السوريين وعندما كانوا يُعدُّون العُدّة لما بعد الرئيس رفيق الحريري، اتصلوا بعون من عدة طرق، ومنها ميشال سماحة عميلهم القديم، وبالفعل جاء إلى لبنان بعد أن غضّت المحاكم اللبنانية النظر عن الاتهامات له بالسرقة والتمرد. وبالطبع ما استمرت علاقته بالمعارضين للسياسة السورية من المسيحيين والمسلمين، بحجة أنّ الاحتلال السوري للبنان انتهى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. انتخابات عام 2005 أظهرت انخفاض شعبية عون، لصالح سمير جعجع الذي صار من قادة 14 آذار. لكنّ عونًا سلك سلوكين متلازمين: التحالف مع حزب الله (2007)، وتشديد الحملات على السنة بشكل طائفي منذ عام 2007 حتى الآن. التفاهم مع حزب الله (ومع بشار الأسد قبل ذلك) أمّن لعون دعمًا ماديًا وسياسيًا، ومشاركة وازنة في كل الحكومات منذ عام 2007 وحتى اليوم، ومن ضمنها الوزارات المنتجة مثل وزارة المالية، ووزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة. ومنذ عام 2012 عندما بدأت الأزمات بين إيران والسعودية بالظهور، دخلت الحملة على السعودية في تصريحات عون والعونيين تقربًا من إيران ومن النظام السوري.
ما اعتبارات جعجع للانضمام إلى عون؟ جعجع هو الراديكالية المسيحية الأُخرى، وعلى ذلك اعتمد في الاحتفاظ بشعبيته رغم دخوله في 14 آذار المعتدلة. وقد أخذ جعجع على تيار المستقبل والمسيحيين المستقلين والكتائب دخولهم في حكومات توافقية مع نصر الله وعون، إحساسًا منه بأنّ ذلك يزيد من نفوذ عون. لكنه عندما يئس من إمكان تخفيض شعبية عون بسبب تقدم المحور الإيراني وطرفه الحزبي بالمنطقة ولبنان، عاد للتأكيد على مسيحيته، كما ظهر قبل سنتين ونصف في اقتراح قانون للانتخابات عُرف باسم القانون الأرثوذكسي، يفصل المسيحيين عن المسلمين في الاقتراع بحجة التمثيل المسيحي الصحيح. وعندما فشل الاقتراح رغم دعم عون له، بسبب اعتراض السنة والشيعة، وجزء وازن من النواب المسيحيين؛ ما تراجع جعجع عن «تمسيح» سياساته بعد أن لم تفده آذاريته في الاقتراب من الرئاسة، ولا ارتفعت شعبيته عند المسيحيين. وتمثّل إقدامه باتجاه عون بعد فشل «الأرثوذكسي»؛ بالسير باتجاه «اتفاقية تفاهم» معه، تجلت آخر محطاتها في أن يرشح عونًا ويتخلّى عن ترشيح نفسه. وفي ظنه (وقد تبين من الاستطلاعات أنه لا يحظى بأكثر من 17 إلى 20 في المائة من الشعبية لدى المسيحيين، بينما يحظى عون بنحو الـ35 في المائة) أنه يستطيع التقاسم مع عون في الانتخابات النيابية والبلدية، ويستطيع الحصول على وظائف في الدولة من حصة المسيحيين، كما يستطيع دخول الحكومات بأكثر من وزير. ويستطيع الاحتجاج على الآذاريين وسعد الحريري إن انزعجوا بأنه لم يتخلَّ عن المبادئ (البنود العشرة)، وأن الحريري خذله بالتفاوض مع عون قبل عامين، وأنه خذله أخيرًا بترشيح سليمان فرنجية الذي سيكون أقسى عليه من عون إن صار رئيسًا! وعلى أي حال – وكما قال جعجع لبعض مفاوضيه – السنة يضعفون وأنصار إيران صاعدون!
ماذا سيحدث بعد التحالف العوني – الجعجعي؟
بالتحالف صار داعمو عون نحو ثلثي النواب المسيحيين. لكنهم لا يستطيعون بعد جمع أكثرية 65 صوتًا من 128 عدد النواب، رغم وقوف حزب الله مع عون، ونواب الحزب القومي والبعث ونواب الأرمن، وأفراد آخرين؛ إذ تبقى في المواجهة حتى الآن كتلة نواب المستقبل (32)، وكتلة وليد جنبلاط، وكتلة الرئيس بري، وكتلة سليمان فرنجية، وكتلة الكتائب، والنواب المسيحيون المستقلون. لكنْ مما يدلُّ على قوة الهزة التي أحدثها تغير موقف جعجع أنّ بعض الصحافيين يشككون في استمرار فرنجية في الترشيح، واستمرار وليد جنبلاط أو بري في معارضة ترشيح عون إذا ضغط عليهم جميعًا حزب الله وبشار الأسد بشدة!
ومتابعة للإجابة عن العواقب السياسية للانقلاب الجعجعي على نفسه، يبدو لأول وهلة أنّ الاتفاق الجديد لن يقرّب من الانتخابات الرئاسية، بدليل أنه حتى حزب الله النصير الأول لعون لا يبدو متشجعًا لدعوة مجلس النواب للانتخاب. وهذا يعني زيادة الاستقطاب، وتحوله من جديد كما في القديم إلى استقطاب مسيحي – إسلامي.
لبنان كثير التقلبات والهزات. وهذه قلبة أو هزة. لكنّ الأيام حبلى بقلباتٍ وهزاتٍ أُخرى. أما انتخابات الرئاسة فلا تبدو أكثر قربًا. وعش رجبًا تَرَ عجبًا.

رضوان السبد

صحيفة الشرق الأوسط