سورية: الحرب الصعبة والسلام المستحيل!

سورية: الحرب الصعبة والسلام المستحيل!

استمرت حالة التجاذبات الخاصة بانعقاد مؤتمر جنيف السوري حتى اللحظات الأخيرة من الموعد المحدد، وكانت المشهدية حتى كتابة هذا المقال (ظهر أمس الجمعة) على الشكل التالي:

ظلّ مصير المؤتمر بين الشك واليقين حتى الساعات الأخيرة التي سبقت انعقاده الجمعة. فقد حاول كل طرف فرض شروط معيّنة للمشاركة، حتى جاء تصريح الناطق باسم الخارجية الأميركية، الذي طالب فصائل المعارضة على اختلافها بحضوره «من دون شروط مسبقة»، فيما كان بعض المعارضات السورية يطالب بوقف إطلاق النار، وفك الحصار عن بعض القرى والمناطق، ونقل المواد الغذائية والطبية إليها. لكن، لم يتم التجاوب مع هذه المطالب.

وقد واجه الممثل الدولي ستيفان دي ميستورا، صعوبة كبيرة في سياق التحضير للمؤتمر ولمن يجب دعوته، نظراً الى تعدّد فصائل المعارضة وتعارض انتماءاتها، حيث تؤكد معلومات موثوقة وجود 500 فصيل مسلّح على مختلف الأراضي السورية، لمعظمها علاقات وارتباطات مع بعض القوى الإقليمية.

فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أصرّ على توجيه الدعوة الى أحد الأطراف الكردية، ما أثار جدلاً كبيراً حول «التمثيل الكردي»، وكانت تركيا الأكثر رفضاً لمشاركة أي طرف كردي، ما اضطر دي ميستورا لاستبعاد هذا الأمر وسط ارتفاع في منسوب مطالبة كردية بالحصول على نوع من الاستقلال الذاتي على غرار «كردستان العراق». وقد تم التفاهم في مؤتمر الرياض على من سيشارك، على اختلاف وجهات نظر المشاركين.

ما المطلوب والمرتجى من المؤتمر؟

لقد ورد في صياغة الدعوة الدولية للمشاركة ما حرفيته:

«مطلوب التوصل الى نتائج محددة ينبغي تحقيقها، وأهمها إرساء حكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي، وإطلاق عملية صياغة دستور جديد ضمن مهلة سته أشهر، وإجراء انتخابات حرة وعادلة بعد صياغة الدستور الجديد، على أن يتجدد موعدها ضمن فترة ثمانية عشر شهراً وتكون خاضعة لإدارة الأمم المتحدة وبإشرافها».

وفي نص الدعوة بعض التعابير والمفردات اللافتة، ومنها مثلاً لا حصراً: «إرساء حكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي»، وأن المرحلة الآتية ستكون خاضعة للتدويل، و «إدارة الأمم المتحدة».

ما هي الخطوة الأولى المرتقبة؟

الإجابة عن هذا التساؤل في الفقرة التالية: «فيما تنطلق هذه المفاوضات، علينا تسليط الضوء على أهمية أن تتخذ الأطراف كلها تدابير من شأنها بناء الثقة. ولهذه الغاية، سأتشاور – يقول دي ميستورا – ليس حول أنماط وقف إطلاق النار ومتطلباته (…) بل أيضاً حول تدابير بناء الثقة التي يمكن تطبيقها». ويضيف الوسيط الدولي: «على الممثلين كلهم أن يكونوا على استعداد لخوض وفاق يضم الجميع ويستمر ستة أشهر».

ولن تكون المحادثات مباشرة، بل إن الوسيط الدولي سينتقل بين غرفتين أو ثلاث لنقل الأفكار المختلفة. وتستطيع «الحياة» التأكيد أن التركيز الأول سيكون على ضرورة التوصل الى وقف لإطلاق النار وحل الأزمات الإنسانية بتأمين المساعدات الغذائية منها والطبية، نظراً الى وجود بعض المناطق المطوقة، سواء من قوات النظام، أو من جانب المعارضة، منذ بضعة شهور، ويعاني مدنيوها من عدم الحصول على غذاء ولا دواء.

لجنة الوفد الرسمي سيرأسها السفير بشار الجعفري، سفير سورية في الأمم المتحدة، إضافة الى خبرة آخرين، والمقرر للفترة الأولى أن تستمر عشرة أيام يتم خلالها الاتفاق على الخطوات اللأولية، فيما تتواصل المحادثات في الأشهر الستة المقبلة. ومع تعليق بعض الأوساط الآمال العريضة على انعقاد المؤتمر، فبلوغ مرحلة السلام دونها الكثير من العقبات.

ومع افتتـــاح المؤتمر، يدور نزاع آخر علــى الأراضي السورية بين الوجود الأميركي والنفوذ الروسي سنعرض له لاحقاً. وفـــي هذه الأثناء، سئل وزير الخارجية الأميــركي جون كيري عن تعرّض المعارضة لضغوط، فأجاب: «من الأفضل الإعداد الجيد للمحادثات لتجنيب انهيارها في اليوم الأول. ما نحاول القيام به، التأكد من أنه عند بدء المحادثات يكون لدى الجميع الوضوح حول ما يحدث حتى لا يتم الذهاب الى المحادثات وينتهي الأمر بالفشل».

ورداً على اتهام المعارضين بممارسة كيري ضغوطاً عليهم، أجاب في موقف دفاعي: «موقف الولايات المتحدة لا يزال كما هو لم يتغير، وما زلنا ندعم المعارضة سياسياً ومالياً وعسكرياً… وللسوريين حق تقرير مستقبل بلادهم وتحديد مصير الرئيس بشار الأسد». وهذا أمر خلافي كبير بين الأطراف المعنية، وهو موقف أميركي جديد يحاط بالالتباس، بخاصة إشارته الى ان مصير الأسد يقرره السوريون، فيما ركزت سابقاً المواقف الأميركية على ضرورة رحيله الفوري.

وأثارت تعليقات كيري تعليقات أخرى مثيــــرة للاهتمام لبعض المعارضين، منها رد سفــير «الائتلاف» في باريس منذر ماخوس بالقـــول: «المعارضة لن ترضخ لضغوطات كيري»، مشيراً الى أن اجتماع مختلف الفـــصائل في الرياض حدّد مصير موقف هذه المعارضة من انعقاد مؤتمر جنيف، واعتبــر أنها على قلب رجل واحد! وتعتزم بلورة موقفها من إشكاليات وتحديات عدة. ولوحظ أن كيري ربط استمرار الدعم الأميركي للمعارضة بالذهاب الى جنيف، ما انتقدته المعارضة. واتهم ماخوس تصريحات كيري بأنها «نتاج ضغوط روسية – إيرانية كرستها الأمم المتحدة».

وكشفت الأيام والساعات التي سبقت انعقاد مؤتمر جنيف، العديد من الخلافات بين فصائل المعارضة والولايات المتحدة، ما يشير الى وجود علاقات متوترة بينهما، إضافة الى الخلافات العميقة بين النظام السوري والمعارضات. فالنظام يتحدث عن حكومة وحدة وطنية فيما المعارضة تتحدث عن عملية انتقال سياسي. والتقت تصريحات كيري حول مصير الأسد مع تصريحات أخرى للافروف أكد فيها أن موسكو «لم ولن تطلب من الرئيس بشار الأسد التخلّي عن الحكم»، ما يعني انتصار وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان ولا يزال يطالب بمشاركة الأسد في انتخابات عامة يتقرّر على ضوئها مصيره.

وبعد…

أولاً: يبدو مجدداً ومع استئناف مؤتمر جنيف، أن الوضع هو كالتالي: إنها الحرب الصعبة، في حال استمرارها، والسلام الأصعب، إذا تم التوصل إليه.

ولهذه المعادلة التي لا تزال في عالم الافتراض حيثيات ومبررات، منها أن استمرار المواجهات العسكرية لن يكون عملية سهلة على الفصائل لجهة الحصول على نوعيات معينة من الأسلحة تستطيع مواجهة قوات النظام المدعومة بالطيران الروسي، ثم إن ارتباط بعض الفصائل بـ «داعش» لا يفيد قضية الشعب السوري في شيء. فـ «الدولة الإسلامية» لن يسلم لأي فصيل معارض بالاستيلاء على السلطة في أي من مناطق سورية، وتجربة «المعارضة المعتدلة» التي وعدت الولايات المتحدة بتسليحها وتدريبها فشلت، إذ أصيب البرنامج الأميركي الخاص بهذا الشأن في الصميم بعد اختصار عدد الذين تدربوا على القتال الى ما لا يزيد عن أربعة أو خمسة أشخاص.

ثانياً: كل الطروحات المتداولة راهناً لا تشــي بحيثيات واضحة عن استعادة سورية وحدتها ككيان مستقل، بل تتّجه الأمور نحو التقسيم على رغم ما يواجه هذا المخطط من معارضات واعتراضات. وإذا لم يكن هذا «الحل» هو المطلوب لتدعيم وحدة سورية، فهو الحل «العملي» وسط الانقسامات القائمة بين مجموعات المعارضات والنظام.

ثالثاً: إن الصراع الأميركي – الروسي على امتلاك زمام القرار السوري يشتد ويستعر، وتفيد معلومات في هذا الشأن بأن القوات الروسية تعمل على بناء قواعد عسكرية لإقامة قواتها، إضافة الى قاعدة خاصة للطيران.

ويقابل ذلك، نشاط أميركي لإقامة قاعدة جوية أو بحرية تنوب عن عدم التدخل المباشر في أي منطقة مشتعلة في الشرق الأوسط. لكن الصراع التقليدي بين واشنطن وموسكو يستدعي عدم الاستسلام للضغوط الروسية في سورية.

وسط هذه التطورات، صدرت للمرة الأولى تصريحات أميركية تنطوي على الكثير من التحدّي للقوات الروسية ولغيرها، وتشير الى استعداد أميركا لدعم «حرب برية» في سورية. وهذا الخيار، على صعوبته اللوجيستية، قد يشكل عاملاً حاسماً لمستقبل الحرب. لكن هذا الخيار لا يمكن أن يتم إلا بدعم تركيا ومعرفتها ومساعدتها، واستخدام الحدود المترامية الأطراف بينها وبين سورية، فهل تركيا على استعداد لهذه المغامرة؟

وأخيراً: استمرار المعـــارك فــــي ســـوريــــة نـوع من الحرب العبثية التي لن تفــــضي الى أي فوز عسكري بارز. وإذا كانت الأمم المتحدة تشدد في دعوتها لانعقاد المؤتمر على أن «عامل الثقة» هو الأساسي للحل، فأين يمكن العثور على بناء الثقة بعد كل ما حدث ويحدث وسيحدث في سورية؟

إن بعض التقارير ذات الطبيعة العسكرية، والتي كتب عليها «سري للغاية»، تتحدث عن «منتصرين» في سورية: النظام في جانب، و «داعش» في جانب آخر، حيث تخرج الحرب عن قواعد لعبة الحروب التقليدية. وليس الحديث هو عن رابح وخاسر، بل إن فرادة القتال ستنتهي الى «فرادة» الحل: لا النظام استطاع استرجاع المناطق التي خسرها، ولا المعارضون على تعدّدهم تمكنوا من إسقاط النظام. والحل المتاح، وليس الحل الأمثل، هو تقاسم النفوذ بين النظام والمقاتلين لأي اتجاه انتموا.

في العـــادة، أنواع الحروب كالتي تشهدها سورية لا تنتهي بحلول سحرية ولا أحادية. والنتائـــــج تؤشر الى حقبة تاريخية معينة تكــون فيها سورية «مقسمة»، بانتظار نشوب حرب أخرى أو أكثر لاستعادة وحدتها! لذلك، وضعنا عنواناً لهذا المقال: «سورية: الحرب الصعبة والسلام المستحيل».

ويبقى السؤال: هل سيسفر عضّ الأصابع بين فصائل المعارضة، والنظام، والأمم المتحدة، عن انعقاد مؤتمر جنيف، أم أنه فرصة من الفرص الضائعة بحيث يؤجل المؤتمر الى مؤتمر آخر؟

عادل مالك

صحيفة الحياة اللندنية