العراق وعجز الدولة المستمر

العراق وعجز الدولة المستمر

-عراقية-1qmq3c5893uivg48e3md4otn8l2wk2uvr2jihezw83ms

نجحت الوساطات التى شهدتها الساحة العراقية، فى وقف تصعيد زعيم التيار الصدرى، مقتدى الصدر، ضد رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، حيث وافق الصدر على إبعاد المظاهرات عن المنطقة الخضراء، وأعلن أنه سيعطى مهلة لرئيس الوزراء لإثبات حسن نواياه فى الإصلاح.

ونجحت الوساطات التى بذلتها أطراف إيرانية وأخرى دينية فى النجف وكربلاء على رأسهم الجنرال فى الحرس الثورى الإيراني، كريم جعفري، الذى قام بعدة جولات بين الفرقاء السياسيين فى التحالف الوطني، وتمكّنت عبرها من سحب فتيل الأزمة وإقناع الصدر بوقف التصعيد داخل التحالف الوطنى الحاكم للبلاد والذى يضم سبع كتل وأحزاب رئيسية، أبرزها حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء السابق نورى المالكي، والتيار الصدرى بزعامة الصدر، والمجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم، وذلك من خلال إبعاد التظاهرات عن المنطقة الخضراء والموافقة على مهلة إضافية لم تحدد، يمنحها الصدر للعبادى لإكمال مشروعه وتقديمه للبرلمان.

بمعنى آخر فإن خيار اقتحام المنطقة الخضراء لم يعد قائماً على الإطلاق لدى الصدر ولكن الوسطاء ما زالوا فى بغداد، وقال العبادى رئيس الوزاء فى بيان صادر عن مكتبه، إنه أرسل وثيقة الإصلاحات الشاملة والتعديل الوزارى الذى يشمل المعايير والآليات للكتل السياسية كافة.

وأوضح العبادى أن الوثيقة تشمل 10 ملفات تتضمن معايير اختيار مجلس وزراء تكنوقراط وتقييم أداء الوزارات ومكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات والبرنامج الحكومى وحزم الإصلاحات فى مختلف القطاعات، لكن هذا لا يعنى أن الأزمة انتهت او بدأت فى الولوج إلى الحل ولكن العجز العراقى بات ينضج على نار متسارعة .

يجب توضيح أن مفهوم ومنطق عجز الدولة مختلف عن مفهوم ومنطق فشل الدولة، إذ إن فشل الدولة يعبر عن انهيار مؤسسى مادى لمؤسسات الدولة كسلطة بالإضافة إلى تحلل التماسك المجتمعى للدولة كوحدة دولية،

ما يواجه العراق هو تصميم دولى بقيادة أمريكا وإيران وتركيا لوضع الدولة العراقية فى وضع العجز المستمر دون الوصول إلى حالة الدولة الفاشلة، وهذه الدول تخلق سياسات لتحويل مصادر القوة العراقية إلى مصادر عجز دائم.

ومع عجز الحكومة العراقية الحالية عن التوصل إلى حلول آنية لها، لا سيما مع زيادة النفقات المالية وخصوصاً العسكرية منها، وتغطية الرواتب، بالتزامن مع انخفاض عائدات النفط، بعد أن شهدت أسعاره تراجعاً منذ العام الماضي، فضلاً عن ارتفاع تكلفة الحرب على تنظيم داعش، الذى استولى على مناطق إستراتيجية فى البلاد، تسببت الأزمة الراهنة فى عجز الحكومة عن تسديد الديون المستحقة للشركات الأجنبية والاستثمارية، والديون الدولية المقدرة بمليارات الدولارات، كما أدّت إلى تأخير تسديد رواتب آلاف من موظفى الدولة الذين بدأوا فى تنظيم مظاهرات يومية، للضغط على حكومة حيدر العبادي، لسداد رواتبهم.

ويرى خبراء اقتصاديون عراقيون، أن الأزمة الاقتصادية فى بلادهم بدأت تتفاقم، مع سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من المحافظات الشمالية والغربية العام الماضي، وبدء القوات الأمنية فى مواجهته، وتسخير الحكومة كل الطاقات الاقتصادية لخدمة تلك المعارك، وزاد على ذلك دعوة المرجع الشيعى على السيستاني، إلى الجهاد ضد التنظيم، وتشكيل الحشد الشعبى (ميليشيات موالية للحكومة) وتخصيص قسم كبير من الموازنة لها.

وترجع جذور الأزمة الاقتصادية والمالية فى البلاد، بدأت منذ عام 2003، لكنها لم تكن ذات تأثير كبير كون عائدات النفط بأسعاره التى تجاوزت سقف الـ 100 دولار للبرميل، كانت تكفى لسداد النفقات المتزايدة، لكنها سرعان ما برزت الأزمة خلال عامى 2014،2015 بعد أن تراجعت أسعار النفط إلى النصف.

الأزمة ليست متعلقة بالنفط، وإنما متعلقة بسوء التخطيط، وانعدام الرؤية الإستراتيجية طيلة السنوات الـ 12 الماضية، لبناء اقتصاد داخلي، وتفعيل المؤسسات الإنتاجية، بدلاً من إبقاء اقتصاد البلد معتمداً على إيراد أحادى الجانب . أن الحركة الصناعية فى العراق شبه معطلة، بسبب انعدام الطاقة الكهربائية، رغم أن قطاع الكهرباء أُنفق عليه مليارات الدولارات، لكنه لا يزال متعثراً، بسبب الفساد وسوء التخطيط. انعكست الأزمة المالية الاتحادية سريعاً على إقليم شمال العراق، الذى قرر بدء تصدير النفط منذ يونيو الماضي، بمعزل عن حكومة بغداد، بعد تعذر الأخيرة من الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه الإقليم، لكن بغداد تسعى لاحتواء الأزمة، وإعادة العمل باتفاق تصدير النفط المبرم مع الإقليم مطلع العام الحالى.

د.جهاد العودة

صحيفة الأهرام المصرية