الهدنة أقنعت بوتين بأن سورية ليست الشيشان!

الهدنة أقنعت بوتين بأن سورية ليست الشيشان!

10265642-v2_xlarge

يُعتبَر فيلم «من أجل إنقاذ الجندي رايان» من أهم الإنجازات الفنية التي قدمها المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ. وفي مشهد من الفيلم، تركز الكاميرا على عائلة اكتشفها الجنود الأميركيون، وهي عالقة داخل شقة دُمِّرَت كل جدرانها الخارجية. وحيال هذا المأزق الخطر، اضطرَّ الأب لأن يرمي ابنته من علو شاهق على أمل بأن تتلقفها أيدي الجنود الممدودة بغرض الإسعاف والإنقاذ.

هذا المشهد الدرامي الذي اختاره المخرج سبيلبرغ للتدليل على قسوة الحرب ووحشيتها، ظهر في أحداث حلب كصورة فريدة نشرتها الصحف على صدر صفحاتها. ولقد تكرر هذا المشهد المؤثر عقب الغارات الجوية المكثفة التي شنتها طائرات النظام السوري ضد مناطق المعارضة حيث يقيم نحو مئتي ألف مواطن.

وكان من المنطقي أن يُتَّهَم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باتخاذ قرار التصعيد رداً على موقف المعارضة في محادثات جنيف. مثلما كان من الطبيعي أيضاً، أن يبادر الرئيس بشار الأسد الى الاستجابة لقرار يبقيه في الحكم بعد حرب أهلية دخلت عامها السادس وقُتِلَ فيها أكثر من 270 ألف نسمة.

لهذا السبب أحرِقَ العلم الروسي في عواصم عربية عدة، وأطلق المتظاهرون في إسطنبول هتافات مناهضة لروسيا وإيران والولايات المتحدة.

وعلى رغم تظاهر النظام السوري بالموافقة على وقف إطلاق النار، فإن تعطيل الخدمات المدنية في حلب يعطي الانطباع بأن الأسد يستهدف تهريب كل المواطنين الموجودين في الأحياء النائية. كل هذا بهدف السيطرة الكاملة على مواقع الثوار. لأنه في حال تحقيق السيطرة العسكرية على شمال حلب، فإن تجمعات الطائفة العلوية حول اللاذقية وطرطوس تصبح في مأمن، من جهتي الشمال والغرب.

وعلى رغم التعقيدات السياسية التي اكتشفها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، فهو يحرص على ضرورة تطبيق وقف إطلاق النار الذي وُقِّعَ في نهاية شباط (فبراير) الماضي. لذلك ناشد الرئيس بوتين بأن يمارس ضغوطه على الرئيس السوري، لاقتناعه بأن مفتاح الأزمة موجود في جيب الرئيس الروسي.

وفي هذا السياق، يتساءل المبعوث الدولي عن المكاسب التي يجنيها بوتين من وراء محاصرة حلب، وإخضاع المعارضة لشروطه.

الجنرال سيرغي كورالينكو، المسؤول عن المركز الروسي لمراقبة وقف إطلاق النار، يدّعي أن نظام التهدئة في اللاذقية وحول دمشق مطبَّق الى أبعد الحدود. في حين يتعرض هذا النظام للخلل بسبب تفكك صفوف المعارضة، وإصرار ممثليها على إنهاء سيطرة الأسد قبل تشكيل حكومة موقتة. ومثل هذا الشرط يخدم روسيا وإيران، اللتين تستفيدان من المماطلة لاستئناف القتال، وإنما على نار هادئة.

الثابت من مراجعة بيانات التطمين التي حصل عليها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أن توقعات بوتين لم تكن صحيحة. والسبب أنه أراد ممارسة ضغوط عسكرية على القوى المعارضة في سورية لا تقل عن الضغوط التي مارستها موسكو على معارضي الشيشان. وبما أنه نجح مع الرئيس بوريس يلتسن، في تطويع غروزني، وتثبيت حكومة تابعة لمشيئة روسيا، فقد تصور أنه بمقدوره تطويع التنظيمات الجهادية في سورية، بالطريقة ذاتها.

وقد استخدم بوتين، من أجل تحقيق هذا الهدف، أسلوب العنف الذي استخدمه هنري كيسنجر في فيتنام وكمبوديا عندما كان مساعدوه يتفاوضون على مشاريع السلام. وهذا ما فعله بوتين الذي شدَّد الحصار على حلب، وسمح لطيران النظام السوري بالتعاون مع طيرانه، بقصف المستشفيات والمنشآت الصحية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى الاحتجاج والاستنكار.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في كانون الأول (ديسمبر) 1991، طالبت الشيشان وتتارستان بالاستقلال داخل روسيا الاتحادية. واعتُبِرَت تلك الخطوة بمثابة حرب مفتوحة قادها الرئيس بوريس يلتسن سنة 1993، أي حينما أعلنت الشيشان الاستقلال الكامل عن موسكو في إطار جمهورية الشيشان.

وعقب نزاع عنيف سقط خلاله مئات القتلى من الفريقين، قررت موسكو تجاهل الرأي العام والمنظمات الإنسانية، مستخدمة المدفعية الثقيلة والدبابات والصواريخ والطائرات والأسلحة المحرَّمة كالقنابل الحارقة والأسلحة الكيماوية. واستمرت المعارك سنة كاملة ركزت فيها موسكو اهتمامها على اقتحام غروزني بعد محاصرتها. وجاء في الوصف الذي أطلقته الأمم المتحدة عليها، بأنها المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض، إذ بلغت نسبة الخراب 95 في المئة، تماماً كالخراب الذي أحدثته قنبلة هيروشيما.

ويُستدَل من الغارات الأخيرة أن بوتين يطمح إلى نقل هذا النموذج من غروزني إلى حلب، على أمل بأن تستسلم القوى المعارضة من دون قيد أو شرط.

ولكن المقارنة في هذا المجال ليست صحيحة، لأن الدول الكبرى تخلت عن دعم الشيشان في كفاحها الطويل، الأمر الذي ساعد موسكو على إخضاعها بعد تدميرها بواسطة البراميل المتفجرة التي ابتكرها الجيش الروسي خصيصاً لحرب الاستنزاف. وقد تلقى الجيش السوري النظامي كميات كبيرة منها قام باستخدامها في حماه وحمص وحلب. وسجلت الصحف حصيلة القتلى في الشيشان، بأكثر من ثلاثمئة ألف مواطن، ما يشكل حوالى ربع السكان.

الأمم المتحدة لا ترى في الحرب الأهلية السورية قضية معزولة كالشيشان. وإنما هي قضية متعددة الأبعاد تخص تركيا وإيران والسعودية وقطر والولايات المتحدة. كما تخص لبنان (مليون ونصف المليون لاجىء سوري) وتركيا (2.7 مليون لاجىء سوري) والأردن (مليون ومئتا ألف لاجىء سوري) وألمانيا (أكثر من مليون لاجىء سوري).

يوم الأربعاء الماضي عقد مجلس الجامعة العربية جلسة طارئة لبحث الأوضاع المتدهورة في مدينة حلب، إثر الغارات الجوية التي شنها النظام. وطالب الأمين العام نبيل العربي بضرورة تثبيت الهدنة، ووقف الأعمال العدائية، وإتاحة الفرصة لوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصَرة.

ويرى المراقبون أن ازدياد عمليات القصف الجوي كان بسبب فشل الجولة الثالثة من محادثات جنيف، وإهمال الدعم السياسي الذي تطالب به المعارضة. وربما توقع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف أن تنجح الغارات المتواصلة في إنهاك المقاومة المحلية قبل الاتفاق على توسيع الهدنة لتشمل مدينة حلب وريفها.

ومع أن موسكو وعدت المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بالضغط على بشار الأسد كي يوقف الغارات الجوية، إلا أن هذا الوعد لم يتحقق بسبب اقتناع بوتين بأن النظام يحارب الإرهابيين ويدافع عن الشرعية. وهو يلتقي في هذا التصور مع المرشد الإيراني علي خامنئي الذي أعلن عن استمرار تأييد نظام الأسد، وتعزيز موقف «حزب الله» بحيث يبقى القوة الفاعلة في لبنان.

وبعد انكفاء الرئيس الأميركي باراك أوباما عن ساحة التدخل في الشرق الأوسط، تحوّل وزير الخارجية جون كيري إلى دمية استعراضية غير مؤثرة. لذلك قوبلت دعوته بضرورة تنحّي بشار الأسد عن منصب الرئاسة بكثير من الإهمال والاستخفاف. خصوصاً أن قيادات المعارضة السورية غير مطمئنة إلى دعم واشنطن التي حصرت اهتمامها بمحاربة «داعش» وليس بمحاربة الأسد.

والثابت أن سورية ليست وحدها الجبهة الوحيدة في المنطقة التي تعرقل تدخل الولايات المتحدة. فالأزمة الخطيرة في بغداد تنبىء عن تعزيز الخلاف بين حيدر العبادي وسلفه في رئاسة الوزارة نوري المالكي. خصوصاً بعدما تحدّاهما أنصار مقتدى الصدر داخل المنطقة الخضراء، الأمر الذي شجع إيران على التدخل خوفاً من استغلال العناصر السنيّة لمصلحة «داعش». لذلك قام أمين عام مجلس الأمن الإيراني علي شمخاني باستدعاء مقتدى الصدر إلى طهران، وتأنيبه على التظاهرات التي أضعفت نفوذ النظام الذي تحميه طهران.

يقول المراسلون الأجانب في ريف حلب إن الهدنة المتوخاة يمكن أن تعزل «داعش» وتبعده عن ساحة القتال. ولكنها في الوقت ذاته تمنع روسيا من تحقيق نصر كامل يمهِّد طريق الوحدة الوطنية أمام بشار الأسد. ومثل هذا الإخفاق يمكن أن يفتح صندوق «باندورا» أمام الدول المعنية بمستقبل سورية ومصير النظام. ويرجَّح أن يصر الأسد على الاحتفاظ بدمشق. ويترتب على احتفاظه بالعاصمة نقل عدد كبير من السنّة إلى تركيا. ومعنى هذا أن سورية لن تعود إلى حدود ما قبل الحرب في دولة موحدة. ولمّح الوزير جون كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إلى أن التقسيم قد يكون ضمن الخطة (ب) في حال أخفقت المفاوضات السياسية وأجهضت عمليات وقف إطلاق النار في كل المحافظات. وهذا ما دعا موسكو إلى اعتماد الحل الفيديرالي. وهو حلٌ ناقص يترتب عليه المزيد من عمليات النزوح الداخلي وفق التوزيع المذهبي.

ويتوقع المراقبون حصول التقسيم إذا كانت سورية ستبدل طبيعة نظامها. وهذا ما حصل بعد الحرب بين الكوريتَيْن، الشمالية والجنوبية. كما حدث بين الهند وباكستان، بعدما أدى التقسيم إلى قطيعة سكانية ضخمة وعداوة عميقة بين الشعبين. وبسبب وجود قائد فذ في فيتنام (1954) مثل الجنرال «جياب» فقد عمل على إعادة توحيد شطري البلاد. بعكس قبرص التي تفصل قوات الأمم المتحدة بين شطريها اليوناني والتركي. كذلك أدى تقسيم البوسنة في اتفاق «دايتون» إلى إنهاء حرب عنيفة بين الصرب الأرثوذكس والبوسنيين المسلمين والكروات الكاثوليك.

ولكن رعاية هذه التقسيمات تمت تحت مظلة الاتحاد الأوروبي الذي قوَّض مكانة السيادة الوطنية. بينما الوضع في سورية يفتقر إلى هذه المظلة، لأن روسيا وحدها غير مهيأة للعب هذا الدور، ولو كان ذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة أو الجامعة العربية.

الوزير لافروف يبرّر لرئيسه فكرة التدخل في سورية لإنقاذ حليف قديم في مواجهة قوى المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي. واقتضت هذه الخطوة العسكرية منع التدخل الغربي من إنشاء مناطق حظر جوي أو ملاذات إنسانية آمنة. وكان من الطبيعي أن يؤدي تدخل روسيا إلى رجحان كفة الأسد في جزء كبير من غرب سورية. مثلما أدى الى إضعاف قوى المعارضة المعتدلة وتخفيف أثرها العسكري.

حقيقة الأمر أن بوتين استطاع أن ينهي عزلته الديبلوماسية الناجمة عن أزمة أوكرانيا. كما ملأ في الوقت ذاته الفراغ السياسي التي تركه أوباما في منطقة الشرق الأوسط.

وفي الشهر الماضي، اشترت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية كنائس عدة في لبنان بغرض ترميمها وإعادة استخدامها. ومثل هذا المؤشر البارز يؤكد عودة النفوذ الروسي الذي أهمله الحزب الشيوعي مدة سبعين سنة تقريباً.

سليم نصار
نقلا عن الحياة