الحالة السورية: ستة محددات لمخاطر تحول اللاجئين إلى التطرف

الحالة السورية: ستة محددات لمخاطر تحول اللاجئين إلى التطرف

07052016-  larg

هناك مخاوف من اتجاه اللاجئين في بعض الدول إلى تبني العنف والتطرف، والانضمام إلى جماعات إرهابية وتنظيمات مسلحة، مثل “القاعدة” وداعش”. ومع تفاقم أزمة اللاجئين السوريين في ظل تدهور الوضع بالبلاد، باتت هذه المخاوف محل اهتمام عدد من المراكز البحثية، ومنها مؤسسة “راند” الأمريكية.

ففي تقرير صادر بعنوان: “تقليل مخاطر تطرف اللاجئين: دروس لمنطقة الشرق الأوسط من أزمات سابقة”، تطرق عدد من الباحثين في مؤسسة “راند”، وهم “باربرا سوود” Barbara Sude، و”ديفيد ستيبينز” David Stebbins، و”سارة وايلانت” Sarah Weilant، إلى توضيح الدوافع التي قد تؤدي إلى زيادة مخاطر تطرف اللاجئين، وكيفية تجنبها، مع استعراض بعض التجارب التاريخية في هذا الصدد، والاستفادة منها في التعامل مع الحالة السورية.

محددات مخاطر تطرف اللاجئين

يبدأ خطر التطرف في الظهور عندما تبحث الجماعات المسلحة عن ملجأ وسط اللاجئين، وفي هذه الحالة لن تكون المساعدات الإنسانية وحدها كافية لمواجهة هذا الخطر. ويشير التقرير إلى ستة محددات رئيسية يتوقف عليها توجه اللاجئين نحو التطرف والعنف، وتتمثل في الآتي:

1- السياسات الإدارية والقانونية للدول المُستقبِلة: قد تفرض بعض حكومات الدول المُستقبِلة للاجئين، مجموعة من العقبات القانونية التي قد تحد أو تمنع اللاجئين من الحصول على حقوقهم كاملة. وفي بعض الأحيان يتم تحديد إقامتهم في حدود المعسكرات المخصصة لهم، مما يترتب عليه حرمانهم من حقوقهم في التعليم والعمل. وهناك دول تتبنى إجراءات أكثر شدة، مثل عدم الاعتراف باللاجئين أو تسجيلهم، بل وقد تذهب إلى الاعتداء على بعض الجماعات الإثنية من اللاجئين.

ويذكر التقرير أمثلة في هذا السياق، منها تعامل كل من إيران وباكستان مع اللاجئين الأفغان في التسعينيات من القرن الماضي عندما تزايدت أعدادهم بشكل كبير، حيث لجأت إيران إلى تقليل المزايا الممنوحة لهم، بينما اتجهت باكستان إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في التعامل معهم.

2- التنظيمات السياسية والجهادية: قد تتورط الدول المُستضيفة للاجئين في زيادة أعمال التطرف، وذلك من خلال سماحها لبعض المجموعات والتنظيمات السياسية أو العسكرية بالمشاركة في عمليات الإغاثة، أو بمساندة فصيل معين أو بالقيام بعمليات عسكرية في الدولة التي تشهد نزاعات وصراعات.

ويدلل التقرير على ذلك بما حدث في حالة كينيا عندما تمكنت بعض العشائر و”جماعة الاتحاد الإسلامي” من التمركز وسط اللاجئين في التسعينيات، أو عندما سمحت باكستان للجماعات الإسلامية المتطرفة بتعليم اللاجئين الأفغان. وقد تصبح الدولة المستضيفة جزءاً من النزاع، فمثلاً عندما أصبحت رواندا مُمزقة نتيجة للصراع الإثني بين الهوتو والتوتسي، فإن الدول المجاورة لها انقسمت في مساندة أحد الطرفين، وسمحت باستقبال اللاجئين فقط على أساس عرقي.

3- مدى توفير الأمن: يزداد خطر التطرف كلما كانت الدول المُستضيفة للاجئين غير قادرة أو ليس لديها الرغبة في توفير الحماية الأمنية لمخيمات اللاجئين والمناطق المحيطة بهم. ويصبح الوضع أسوأ إذا تمكنت الجماعات المسلحة من السيطرة على هذه المخيمات، ومع قدرتها على النفاذ إلى دولة النزاع للقيام ببعض الهجمات العسكرية.

وحسب التقرير، عندما فشلت لبنان في فرض سياسات أمنية على معسكرات اللاجئين الفلسطينيين خلال الحرب التي شهدتها البلاد في الفترة من 1975 إلى 1985، وانخرط الفلسطينيين في الحرب، ظهرت جماعات متطرفة تابعة للقاعدة والتنظيمات الجهادية، مثل “عصبة الأنصار”.

4- الأماكن المخصص للاجئين: إذا تم تسكين اللاجئين في مخيمات تعج بأعداد كبيرة، وتفتقر إلى الطعام وأساسيات الحياة والرعاية الصحية، في هذه الحالة يزداد خطر التطرف، خاصةً إذا كانت المخيمات مُقامة في أماكن ريفية نائية.

كما يؤكد التقرير أنه كلما طال تواجد اللاجئين في المخيمات، وقلت فرص حل النزاع، زادت احتمالية التطرف مع تراجع الجهات المانحة عن توفير الدعم لهؤلاء اللاجئين. وفي هذه الحالة، تنجح الجماعات المسلحة في ملء الفراغ، كما حدث في الكونغو الديمقراطية.

5- الاستياء الداخلي لمواطني الدول المُستضيفة: عندما يتم توفير مواد وخدمات إغاثة للاجئين، فإن السكان المحليين في المناطق المحيطة قد يشعرون بالضيق، نظراً لأن حكوماتهم لا توفر لهم سلعاً وخدمات مُماثلة، مما قد يدفعهم إلى استخدام العنف ضد اللاجئين. ومن ناحية أخرى، فإن اللاجئين قد ينافسون مواطني الدول المُستضيفة على بعض الوظائف. ونتيجة لذلك، قد تضطر حكومات الدول إلى فرض مجموعة من القيود على اللاجئين.

وبالتالي، يرى التقرير أن درجة عداء المواطنين تجاه اللاجئين في بعض الدول المُستقبِلة لهم، قد تكون عاملاً مؤثراً في تحديد سياسات الحكومة نحو اللاجئين. ومثال على ذلك، حالة مسلمي الروهينجا التي سعت حكومة بنجلاديش إلى إعادتهم إلي بورما أكثر من مرة، حيث إنهم كانوا ينافسون المواطنين على فرص العمل.

6- الظروف المحيطة باللاجئين الشباب: تسعى الجماعات المسلحة إلى تجنيد الشباب المُحبط من اللاجئين، واللذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً. ويزداد الخطر إذا عانى هؤلاء الشباب التمييز والتهميش، وكان من الصعب عليهم الحصول على التعليم أو فرص عمل متكافئة. وفي هذه الحالة، تستغل التنظيمات المتطرفة الفرصة لملء الفراغ، كما حدث وقامت مجموعات إسلامية متطرفة بتعليم اللاجئين الأفغان في باكستان.

التطبيق على الأزمة السورية

يؤكد التقرير على أهمية الدروس المستفادة من أزمات اللاجئين في الماضي، وذلك عند التعامل مع معضلة اللاجئين السوريين التي يبدو أنها ستستمر لفترة طويلة، في ظل تعقد الصراع في البلاد. ويُطبق التقرير المحددات الست السابق ذكرها على الحالة السورية، كالتالي:

1- السياسات الإدارية والقانونية للدول المُستقبِلة: إن نجاح خطة المنظمات الدولية في مساعدة اللاجئين السوريين يعتمد بشكل كبير على تعاون حكومات الدول المُستقبِلة، لأن مثل هذه الخطط وحدها لم تثني بعض الدول عن وضع شروط مُجحفة تمنع اللاجئين السوريين من الحصول على تأشيرات دخول إليها، أو إغلاق حدودها أمامهم.

2- التنظيمات السياسية والجهادية: يسعى المجتمع الدولي إلى منع المتطرفين في سوريا من استغلال المساعدات الإنسانية في العمليات العسكرية، إلا أن ذلك لم يمنع الخطر تماماً. فمثلاً في تقرير صادر عن لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، تم رصد محاولات من قِبل الجماعات المتطرفة السورية، مثل الجيش السوري الحر وأحرار الشام، لتجنيد شباب تقل أعمارهم عن 18 عاماً.

3- مدى توفير الأمن: لم يتعرض اللاجئون السوريون لأعمال عنف مثلما حدث مع لاجئين آخرين في تجارب ماضية، حيث استطاعت الأجهزة الأمنية في معظم الدول التي تستقبل السوريين توفير الحماية الأمنية لهم.

4- المخيمات المخصصة للاجئين: أكبر معضلة هي تسكين اللاجئين، وضمان وصول الخدمات إليهم. وتكمن المشكلة في الحالة السورية في أن معظم اللاجئين أنفقوا ما لديهم من مال، واضطروا إلى القبول بأعمال غير أدمية أو إرسال أطفالهم للتسول، كما هو الوضع في لبنان.

5- الاستياء الداخلي لمواطني الدول المستضيفة: تهدف الخطط الدولية إلى تخفيف عبء اللاجئين السوريين على الدول المُستضيفة لهم، وتفادي تذمر مواطني هذه الدول، ويكون ذلك من خلال تقديم مساعدات لتطوير بعض الهيئات والبنى التحتية في الدول المُستقبِلة للاجئين السوريين، كما حدث في الأردن ولبنان على سبيل المثال.

6- الظروف المحيطة باللاجئين الشباب: تلتزم معظم الدول المُستضيفة للاجئين السوريين بإتاحة فرص التعليم والعمل لهم. فعلى سبيل المثال، يتمتع السوريون في العراق بحق التعليم في المدارس المحلية. وفي الأردن، تمكن بعض الأطفال السوريين من الخضوع إلى برنامج تأهيل نفسي، بيد أن ما يقلق هو محاولة بعض الأطفال الهروب، كما حدث في مخيم الزعتري بالأردن، وذلك لسوء الأحوال المعيشية.

ختاماً، يشير التقرير إلى أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي لمنع خطر تطرف اللاجئين، بل يجب أن يكون ثمة استراتيجية متعددة المحاور تُعطي للاجئين حق اختيار مستقبلهم، وتحميهم من استغلال التنظيمات الإرهابية لهم.

كما يؤكد التقرير على أن مشكلة نقص التمويل تظل العقبة الرئيسية في تفادي العوامل التي قد تزيد من احتمالات تطرف اللاجئين. ويُوصي التقرير بزيادة سقف الالتزامات المالية من قِبل المانحين لمساعدة اللاجئين السوريين، كما يطالب الولايات المتحدة وغيرها من الفاعلين الدوليين بأن تقنع الدول المُستضيفة لهؤلاء اللاجئين بعدم تهميشهم.

مؤسسة راند الأمريكية

عداد: ناهد شعلان

* عرض مُوجز لتقرير بعنوان: “تقليل مخاطر تطرف اللاجئين: دروس لمنطقة الشرق الأوسط من أزمات سابقة”، والصادر عن مؤسسة راند الأمريكية في عام 2015.

المصدر:

Barbara Sude, David Stebbins and Sarah Weilant, Lessening the Risk of Refugee Radicalization: Lessons for the Middle East from Past Crises, (USA: RAND Corporation, 2015).

مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة