rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

قبرص بين أحلام تركيا ومخاوف أوروبا

shutterstock_306689396

عندما أغلق المجد أبوابه أمام العديد من الإمبراطوريات التاريخية بقيت بعض المسائل عالقة، وكأنها تبقى شاهداً على تلك الحقبة التاريخية الغابرة، من هذه المسائل الشائكة قضية قبرص، وهي إحدى المشاكل التي خلفتها الإمبراطورية العثمانية في أوروبا، فقد وقعت هذه الجزيرة تحت سيطرة تلك الإمبراطورية سنة 1571، وكانت قبل ذلك تحت سيطرة الفرنجة البنادقة «نسبة إلى البندقية الإيطالية»، الذين كانوا يمارسون القرصنة في البحر الأبيض المتوسط. وتشكلت بالجزيرة جاليات تركية مسلمة حتى بلغ عددهم بالجزيرة ثلث السكان خلال قرن واحد.
ومع تدهور أحوال الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وطمعت الدول الاستعمارية الأوروبية في أراضيها، فقد عقدت الإمبراطورية المنهارة، سنة 1878، اتفاقية مع بريطانيا، حصلت هذه الأخيرة على حق إدارة قبرص مع الاحتفاظ بسيادة الدولة العثمانية عليها، مقابل مبلغ مالي تدفعه بريطانيا. وكان أول ما فعلته السلطات البريطانية، تكوين مجلس محلي يعين فيه 6 موظفين بريطانيين، وينتخب القبارصة فيه 9 من القبارصة اليونانيين، و3 من القبارصة الأتراك حسب النسب بين الجماعتين في ذاك الوقت. وبعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 إلى جانب ألمانيا، أعلنت بريطانيا ضم الجزيرة إليها. وبموجب معاهدة لوزان سنة 1923 تخلت الدولة العثمانية عن قبرص لبريطانيا. وفي سنة 1925 أعلنتها بريطانيا إحدى مستعمراتها.
وفي سنة 1963 تقدم الرئيس القبرصي الأسقف مكاريوس بتعديلات دستورية إلى البرلمان، ذكر فيها أن دستور سنة 1960 قد أعطى للقبارصة الأتراك ما يفوق حقوقهم. ورفض القبارصة الأتراك تلك التعديلات وأيدتهم في ذلك تركيا. ونتيجة لذلك اندلعت أعمال عنف في الجزيرة بين القبارصة اليونانيين والأتراك، مما دفع الأمم المتحدة إلى إرسال قوات حفظ السلام الدولية إلى الجزيرة سنة 1964، وتمكنت القوات من إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد، ولكنه كان سلاماً هشاً، إذ ما لبثت أن اندلعت أعمال العنف سنة 1967، واستمرت حتى سنة 1974، ففي تلك السنة قامت القوات التركية بمهاجمة السواحل الشمالية الغربية لقبرص، ونجحت في تحقيق تقدم عسكري ملموس والسيطرة على ما يقرب من 39% من أراضي الجزيرة، وأجبرت 170000 قبرصي يوناني على النزوح إلى جنوب البلاد، ونتيجة للسيطرة التركية على شمالي قبرص قام حوالي 50000 قبرصي تركي بالنزوح إلى شمال البلاد. وفي سنة 1983 أعلن القبارصة الأتراك المناطق الشمالية من قبرص دولة مستقلة، أطلقوا عليها «جمهورية شمالي قبرص التركية». وأصبح رؤوق دنكتاش رئيسها. واعترفت بها تركيا فقط. وفي 1 مايو 2004 أعلن الاتحاد الأوروبي انضمام قبرص اليونانية إلى الاتحاد، وظلت قبرص التركية خارج الاتحاد الأوروبي. وفي ظل التقارب الكبير الذي حدث بين تركيا والاتحاد الأوروبي على خلفية أزمة اللاجئين السوريين التي حدثت أواخر عام 2015، ظهرت بوادر لحل الأزمة القبرصية.
وشهد عام 2015 زيارة عدد كبير من الوفود الدولية إلى قبرص، بهدف تشجيع العملية التفاوضية. ففي نوفمبر الثاني وديسمبر من العام نفسه شهدت الجزيرة زيارات لمسؤولين بارزين، بينهم وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا والصين.وقد تواصلت المفاوضات بين الزعيمين القبرصيين، التركي مصطفى أكينجي، واليوناني نيكوس أناستاسياديس، ارتكازاً على الإعلان الثنائي، الذي اعتمده الجانبان في فبراير 2014، وبناء على الأعمال المضطلع بها منذ بداية المفاوضات الشاملة في سبتمبر 2008. ومن السمات البارزة للمفاوضات القبرصية الاتفاق على تمكين الاتحاد الأوروبي من القيام بدور معزز لجهود التسوية. وقام الزعيمان القبرصيان، خلال اجتماعهما، في 20 ديسمبر الماضي، بتسجيل رسالة فيديو مشتركة، لم يسبق لها مثيل، بمناسبة رأس السنة الميلادية، أعربا فيها عن رغبتهما في رؤية قبرص موحدة خلال عام 2016. وتحدث كل منهما باللغتين اليونانية والتركية. وكانت الحكومة التركية قد استثمرت أزمة اللاجئين السوريين لمصلحتها، ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى عقد اتفاقية معها في 19 مارس 2016 تهدف إلى وقف تدفق الهجرة غير القانونية إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، في مقابل منح تركيا 6 مليارات يورو للمساهمة في إيقاف تدفق اللاجئين، وتتضمن الاتفاقية أيضاً السماح للأتراك بالهجرة إلى أوروبا من غير تأشيرة، لكن يبدو أن هذه الاتفاقية لن تستمر، لأن هناك إدراكاً أوروبياً واسعاً أن الحكومة التركية هي التي تقف خلف أزمة اللاجئين، وأنها ستستمر في ابتزاز أوروبا بهذه القضية. ومن هذا المنطلق، يسعى عدد من قادة دول أوروبا إلى تحويل ال6 مليارات دولار المخصصة لتركيا، لإيواء اللاجئين على أراضيها، إلى اليونان، وإذا تحقق ذلك، فإن جزر اليونان ستصبح نقطة تجمع للاجئين، وستجرى في هذه الجزر عملية النظر في طلبات تقديم حق اللجوء إلى أوروبا، ومن هذه الجزر أيضاً ستتم إعادة اللاجئين إلى بلدانهم.
وإذا كانت المصالح الاستراتيجية تحتم على أوروبا التعاون مع تركيا في هذه الأيام، فإن الوضع في المستقبل قد يتغير، وخاصة مع تغير الواقع السياسي الدولي، وسعي تركيا لتثبيت نفسها كقوة إقليمية على حساب جيرانها في الشرق الأوسط وأوروبا. وسيعيد مساعي السلام في قبرص إلى نقطة الصفر.

محمد خليفة

صحيفة الخليج

Print Friendly