وانضمت تركيا رسمياً للتحالف الدولي في 24 أغسطس/ آب 2015، ونفذت أول غارة جوية مشتركة مع قوات التحالف في 28 من نفس الشهر. فضلاً عن تدريبها فصائل المعارضة المعتدلة في سوريا لمواجهة داعش في الداخل السوري، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.

غيّر تنظيم داعش أشكال هجماته التي ينفذها من الداخل السوري صوب المدن التركية الحدودية منذ مطلع 2016، ففي سابقة من نوعها، نفذ التنظيم قصفاً صاروخياً استهدف مدينة كليس في 18 يناير/ كانون الثاني، وواصل التنظيم هجماته المماثلة إلى أن تجاوز عدد قذائفه الصاروخية صوب الأهداف التركية الـ 50، ما أسفر عن استشهاد 21 شخصاً.

الأمر الذي دفع تركيا للرد بكل حزم، فاستخدمت أنظمة صواريخ ومدفعية متطورة ورفعت درجة تدابيرها على الحدود، وزادت من استخدامها لطائرات الإستطلاع والمروحيات بدون طيار، مانتج عنه في الفترة من 1 إلى 5 مايو/ أيار 2016، تدمير ألفين و144 موقعًا للتنظيم في سوريا، وقتل 807 إرهابيين منذ مطلع الشهر نفسه.

وفي العراق صعدت القوات التركية من تدابيرها بعد استهداف عناصر داعش لمعسكراتها التدريبة في الموصل 6 مرات، وردت بعمليات مشتركة بالتعاون مع قوات البشمركة ومجموعات محلية متطوعة وفقا لمبدأ “الرد بالمثل”، ونجحت اعتباراً من مطلع مايو/ أيار الجاري في القضاء على أكثر من 365 إرهابياً بالمنطقة.

محاربة المقاتلين الأجانب

تتمثل تدابير تركيا في محاربة المقاتلين الأجانب، في أربع خطوات:

أولًا: تدابير “منع السفر” في البلدان المصدره للمقاتلين.

ثانيًا: ترحيل المشتبه بهم، وإعداد قائمة بأسمائهم، عقب تحديدهم من قبل “وحدات تحليل المخاطر” التركية، وإدراجهم في لائحة الأشخاص الذين يشكلون خطراً، المعدة من قبل تركيا مع ممثلين دوليين، ومنع دخولهم البلاد.

ثالثًا: التركيز على مراقبة الأجانب الذي دخلوا تركيا ومتابعة المشتبه بهم أمنياً.

رابعًا: تعزيز التدابير الأمنية اللازمة على الحدود والقبض على الإرهابيين الذين يحاولون العبور من سوريا إلى تركيا أو العكس.

وفي هذا الإطار، تواجه تركيا مجموعة تحديات ومشاكل بين الفينة والأخرى، بسبب عدم قيام الدول المصدرة للمقاتلين، بالوفاء بالالتزامات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها واتخاذ التدابير اللازمة وعدم التعامل مع المواضيع ذات الصلة بجدية كافية.

ولعلنا نستطيع اعتبار الهجمات التي شهدتها العاصمة البلجيكية بروكسل ( 22 مارس/ آذار الماضي) على أنها مثال على عدم جدّية تلك الدول في التعامل مع التحذيرات التركية، حيث كانت السلطات التركية ألقت القبض على أحد المنفذين ويدعى ” إبراهيم البكرواي” في ولاية غازي عنتاب، جنوبي البلاد، في يونيو/ حزيران 2015، وقامت بترحيله، إلى هولندا. واتهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وقتها السلطات البلجكية، بـ”التقاعس” عن اتخاذ الإجراءات اللازمة حيال البكراوي (يحمل الجنسية البلجيكية) المُرَحَّل، فيما كما اعترف وزير الداخلية البلجيكي، يان جامبون، بارتكاب بلاده خطأً لعدم الأخذ بتحذيرات قدمتها تركيا، حيال “البكرواي”.

وتأتي عمليات الإختطاف، والهجمات المسلحة على مراكز الشرطة، والتحرش بها، وتهريب الأسلحة والذخائر، والأنشطة الاقتصادية غير القانونية الأخرى في مقدمة التهديدات التي يشكلها “داعش” على الحدود التركية.

ويشكل طول الحدود التركية مع سوريا، الذي يبلغ طوله 911 كم، أكبر عقبة أمام تأمين الأمن الحدودي.

تجفيف الموارد المالية لداعش

يشكل تجفيف الموارد المالية لداعش، واحداً من أهم الخطوات في عملية مكافحة التنظيم. وبحسب تقرير أعدته الأمانة العامة للأمم المتحدة، فإن داعش يأتي في طليعة أغنى التنظيمات الإرهابية حول العالم. ومن جهة أخرى، يشير تقرير تركي أمريكي مشترك حول تمويل التنظيم، إلى خمس موارد مالية رئيسية له، وهي جميع الأملاك ذات العوائد الإقتصادية في المناطق التي يسيطر عليها، وفي مقدمتها النفط، وعائدات الفدية التي يحصل عليها مقابل إطلاق من يختطفهم، والمساعدات والتبرعات التي يجنيها عبر مؤسسات غير ربحية، إضافة إلى الأموال المكتسبة من استخدام شبكات الإتصال العالمية والأموال التي يجلبها المقاتلون الأجانب.

تطبق تركيا إجراءات مختلفة من أجل الحيلولة دون تغلغل داعش في النظام المصرفي، ومنع تدفق الأموال إلى التنظيم، والحد من عمليات التهريب التي ينفذها أشخاص مرتبطون به. أصدرت تركيا عام 2013 قانوناً لمكافحة تمويل الإرهاب، ينص على إحداث تعديلات تتيح التوافق بين القانون الداخلي والأحكام والقوانين الدولية ذات الصلة، كما منحت الحكومة التركية وزارة المالية صلاحية تجميد الأموال، فضلاً عن إجراءات أخرى لتجميد أموال الأشخاص والمؤسسات الصادر بحقهم قرار من الأمم المتحدة.

وفرضت تركيا عقوبات وغرامات صارمة على التهريب، وزادت من شدة مراقبة الحدود، وتقدر السلطات التركية حجم الخسائر التي تعرض لها التنظيم جراء تلك الإجراءات، ما بين مليون وثلاثة ملايين دولار، أي ما يعادل خسارة عشرة آلاف إلى 30 ألف برميل بترول يومياً.

ومن جهة أخرى ركزت تركيا على تبادل المعلومات الإستخباراتية مع البلدان الأخرى، من أجل منع تدفق الأموال إلى التنظيم، وزادت من التعاون وتبادل المعلومات بين “لجنة التحقيق في الجرائم المالية” التركية ووحدات الاستخبارات المالية في بلدان محددة، بهدف الحيلولة دون نقل المال إلى التنظيمات الإرهابية. كما جمدت السلطات التركية أموال وأرصدة 247 شخصاً و74 مؤسسة لها ارتباطات مع تنظيمي القاعدة وداعش.

وعند إلقاء نظرة شاملة على إستراتيجية تركيا في مكافحة تنظيم داعش منذ عام 2013، يظهر بوضوح التأثير الهام لذلك الدور على تقليل فعالية التنظيم. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى ضرورة اتخاذ وتطبيق سياسات دولية محددة للقضاء على خطر التنظيم ومكافحة العنف والتطرف، بشكل أكثر فعالية.

إن تركيا واحدة من أهم الدول التي تعمل على مكافحة التنظيمات الإرهابية على الصعيدين المحلي والإقليمي، وإلى جانب ذلك، لا بد من قيام جميع اللاعبين الدوليين بالوفاء بالتزاماتهم وتطبيق إستراتيجية شاملة على المديين القريب والمتوسط، للتمكن من مكافحة الإرهاب بشكل فعال وتحقيق نتائج ملموسة، كما لا بد من التأكيد على حتمية زيادة التعاون الإستراتيجي والإستخباري بين البلدان الأوروبية وتركيا، وزيادة التعاون بين تركيا والتحالف الدولي وتنفيذهما غارات مشتركة، وبذلك فقط ستكون مكافحة تنظيم داعش داخل وخارج تركيا مثمرة بشكل تام.

تركيا بوست