rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الفلوجة.. من حرب إلى أخرى

11__2014_05_19_h10m46s19__SR

تقع الفلوجة على الفرات، في خاصرة بغداد، ومن يهيمن عليها يشرئب إلى العاصمة. مرت عليها حوادث جسام، عبر الزَّمان. شهدت معارك الخوارج مع الأمويين أثناء إمارة الحجاج الثقفي (ت 95هـ) على العراق (اليعقوبي، التاريخ). ودارت فيها (132هـ) المعركة الحاسمة بين الأمويين والعباسيين. غلب فيها العباسيون، وأسسوا دولتهم واتخذوها عاصمة. وكانت أرضها مسرحاً لمعارك عباسية علوية أيضاً، أتاها (250هـ) حفيد زيد بن علي فنزل «قرية تعرف بالعمد، ومنها تحرك إلى الكوفة فغلب عليها وفتح سجنها (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). كذلك كان للقرامطة نشاطهم بالفلوجة، ففي (293هـ)» أنفذ زكرويه بن مهرويه بعدما قتل ابنه صاحب الشَّامة رجلاً كان يعلم الصِّبيان بقرية تدعى الزابوقة من عمل الفلوجة» (نفسه).

ظلت الفلوجة طوال العهود العثمانية والإيرانية محل كر وفر بينهما، لأنها تقع على قارعة طريق العثمانيين إلى بغداد، ولا يأمن القابع ببغداد على سلطانه إلا إذا أخضع الفلوجة. يروي تاريخها ملاحم، لكنها ظلت آمنة، أغمضت عينها عن الطريق المارة بها، أو حافة النهر المزدحمة بالأعداء الغرباء، يُهيمن عليها مَنْ تغلب على أعالي الفرات، ومَنْ تغلب على أسافله أيضاً.

كان اسم الفلوجة معروفاً أكدياً وآرامياً ويعني الانشطار أو الانفلاج، فعرفها الأكديون بـ«بلوكاتو» والآراميون بـ«بلوكثا» (لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية). ارتاد شاطئها الإنجليز زمن إليزابيث الأولى و«أبقوا سفنهم فيها وسافروا براً إلى بغداد» (نفسه). أقام العباسيون قريباً منها عاصمتهم، قبل بغداد، حيث خرائب الأنبار القديمة، وقيل حلت محل الأنبار (الشالجي، الفرج بعد الشدة).

عُدت الفلوجة في العهد الساساني من بلدان العراق الثمانية والأربعين على النهرين. وسمع المسلمون بسحر بابل من دهاقنتها. قال ابن الجوزي (ت 597هـ) راوياً عن دهقان الفلوجة: «كان ببابل سبع مدائن في كل مدينة أعجوبة ليست في الأخرى، في المدينة الأولى التي منها ملكها تمثال الأرض جميعاً، فإذا أتوا عليه بعين أهل مملكته بخراجها خرق أنهارها عليهم، فغرقت حيث كانت، فلا يستطيعون لها سداً حتى يؤدوا ما عليهم، فإذا سدت عليهم في تماثيلهم انسدت في بلادها» (المنتظم)، ثم أتى على عجائب المدائن الست واحدةً بعد الأخرى.

كان دهقان الفلوجة، المعاصر لولاية الحجاج، جميل بن بصبهرى، يستعان برأيه، فأتاه مرشح الحَجَّاج لولاية الفلوجة، طالباً النصيحة لأنه لا يأمن الحجاج على نفسه، فمما نصحه به: أن لا يستعمل حاجباً، ويطيل الجلوس لعماله، ولا يفرق في الحكم بين الناس، ويعامل الوضيع كمعاملته للشريف، وأن لا يقبل الهدايا (المسعودي، مروج الذهب).

ووردت أخبار الفلوجة في (12هـ) أي قبل سقوط مدائن كسرى بست سنوات، دهقانها كان من أسرة بصُبهرى المسيحيين، تعامل معه خالد بن الوليد (ت 21هـ) بعد خروجه من الحيرة. قال الطبري: «المسلمون يمخرون السواد والمثنى بالأنبار.. من أرض الفلاليج» (تاريخ الأمم والملوك). لأن الفلوجة فلوجتان: العليا والسفلى، و«فلاليج السواد قراها، وإحداها الفلوجة» (الحموي، معجم البلدان).

حتى الخمسينيات كانت مختلطة السكان، نزلها العربي والكردي والمسيحي واليهودي والمندائي. كان معروف الرصافي (ت 1945) يحبها، وبها صنف كتابه «الشخصية المحمدية» (1933)، وجرت المحاولة، بعد وفاته، لقيام تمثال له على أرضها، وبالتأكيد لو تم ذلك سيكون مصيره مصير تمثال المعري (ت 449هـ) بمعرة النعمان، وقد سمى الرصافي أثير المعري بـ«شاعر البشر».

كانت حرب (1941) بين الجيش العراقي والجيش البريطاني وبالاً على الفلوجة، فاجتيحت من قبل الأخير، وكان ذلك سبباً لنزوح الرصافي عنها، مع نزوح أهلها، فقال خاتماً «يوم الفلوجة»: فثناءً للرافدين وشكراً/ وسلاماً عليك يا فَلُّوجة (الديوان 1959). بعد عام 2003 تعرضت وأهلها لاجتياحين: اجتاح أميركي واجتياح من «القاعدة»، فأُخذت رهينة بينهما، وظلت تُدك بالطيران على مدار الساعة، حتى صارت عند طرف رمز للفداء وعند آخر نموذج للتمرد والعصيان، ولا أظن أهلها يريدون هذا ولا ذاك، وإنما استقطبت مدينتهم المصائب بسبب الموقع، وها هي تعاد عليهم باحتلال من قبل «داعش»، فلا يدرون كيف الخروج، ومن يحارب من، وما هي المقاصد؟

يخشى الفلوجيون من «حشد» تؤلفه ميليشيات ترى قاتل الحسين معتصماً بالفلوجة، فالصور والرايات الطائفية تُنبئ بكارثة، وتصريحات تهدد بجرف المنازل! وإلا فلماذا الإصرار على مشاركة «الحشد» بحرب الفلوجة، و«داعش» حينذاك ستقدم نفسها حامية لها من عدو يتحشد على أسوارها. أما أن «داعش» لا تُهزم إلا بـ«الحشد» وميليشياته الأربع والأربعين، وكلها لم تُطهر مِن النفس الطائفي، فمعنى هذا أن عاصمتي العراق وأميركا على وشك السقوط بيد «داعش»، إذا لم يُحرز النصر قادة «الحشد»، وهنا تحولت المعركة إلى ما بين طوائف لا بين تحالف دولي وإرهاب.

رشيد خيون

صحيفة الاتحاد

Print Friendly