rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

ما بعد التفكك: هل انتهت صلاحية الشرق الأوسط ؟

mary_806222_large
انطلقت الدعوة الأولي لتأسيس شرق أوسط جديد في عام 1993من قبل رئيس دولة إسرائيل التاسع (2007 – 2014)، وأحد أحد أهم ساستها قاطبة منذ نشأتها وحتي اليوم، شيمون بيريز، في محاولة لدمج إسرائيل في نسق تعاوني مع بقية الدول العربية في إطار النظام الشرق أوسطي. كانت تلك الدعوة تحاول، استنادا إلي مفاوضات السلام العربية-الإسرائيلية التي انطلقت في مدريد عام 1991، تأسيس نسق تعاوني، بل وتكاملي، يعيد صياغة التفاعلات العربية-الإسرائيلية التي شكلت الجزء الأهم والغالب من النظام الشرق الأوسطي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

راهنت تلك الدعوة علي ما بدا آنذاك خللا كبيرا في توازن القوي بين إسرائيل والعرب، بعد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي بشكل تام، إثر سقوط الاتحاد السوفيتي، وما بدا من تفسخ في النظام الإقليمي العربي، عقب غزو العراق للكويت في أغسطس 1990. إلا أنه منذ ذلك الحين، وحتي اليوم، لم يتطور الشرق الأوسط في اتجاه هذا النسق التعاوني المتصور من قِبل بيريز، وإن فقد نسق التفاعلات العربية-الإسرائيلية الجزء الأغلب من طبيعته الصراعية، باستثناء ما بقي من صراع حول توازن القوي بين الدولة الصهيونية، وما كان يسمي يوما دول الطوق العربي، وهي مصر، وسوريا، ولبنان، وبدرجة أقل نسبيا الأردن.
لم يكن الإخفاق في تأسيس شرق أوسط تعاوني جديد نتيجة رفض عربي لطروحات بيريز، بل إن الدول العربية قدمت في مؤتمر قمتها ببيروت عام 2002 مبادرة تكاد تتماهي ودعوة بيريز، مشترطة فقط إعلان دولة فلسطينية علي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإنما تأسس الإخفاق في بدء بروز مؤشرات تحول، أبعد مدي وأخطر أثرا، أنبأت بحدوث تغييرات أكثر عمقا تشمل الطبيعة الهيكلية للنظام الشرق أوسطي، وليس فقط أنساق التفاعلات السائدة فيه. وأحجمت إسرائيل، التي انطلقت منها بداية الدعوة لتأسيس شرق أوسط جديد، عن الوفاء بأي متطلبات لتحقيق سلام حقيقي بينها وبين الفلسطينيين، أو محيطها العربي الأوسع نطاقا. بل عمدت إلي تكريس سيطرتها علي الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، والرهان علي زيادة الخلل في توازن القوي لمصلحتها في مواجهة الأطراف العربية جميعا.
وبرز، في هذا السياق، محاولة إسرائيل استغلال انخراط الدول العربية في أنساق صراعات أخري، سواء فيما بين بعضها بعضا أو بينها وبين دول جوار أخري، أو داخل هذه الدول العربية ذاتها، حيث سعت إسرائيل إلي إعادة هيكلة تفاعلاتها مع الدول العربية عبر ثلاثة مسارات أساسية:
إما تأسيس أنماط احتواء لبعض الدول العربية، من خلال تعزيز العلاقات الإسرائيلية التعاونية، بل والاستراتيجية، مع بعض دول الجوار العربية المنخرطة، أو المرشحة للانخراط، في تفاعلات صراعية مع بعض الدول العربية، وبرز ذلك بوضوح في حالتي سوريا ومصر، من خلال تطوير علاقات إسرائيل مع تركيا، ودول حوض النيل علي التوالي، أو محاولة اختراق البعض الآخر من الدول العربية التي اهتزت وحدة أراضيها بشكل خطير، مثلما حدث مبكرا مع مناطق
الأكراد في شمال العراق، ومع بعض فصائل المعارضة السورية، عقب تفجر الأزمة السورية في مارس 2011، أو، أخيرا، محاولة فتح قنوات تعاون سرية وعلنية مع البعض الثالث من الدول العربية، إذا ما توافقت رؤية هذا البعض لاتجاهات التهديد الاستراتيجي مع الرؤية الإسرائيلية. وكان بعض شواهد هذا التعاون حاضرا بشكل محدود في بعض جوانب علاقة إسرائيل مع مصر، خاصة فيما يتعلق بالخطر الإرهابي الذي يستهدف شمال سيناء. ولكن تجلت هذه الشواهد بشكل بارز في محاولات تنسيق إسرائيل مع دول الخليج العربية فيما يتعلق بإيران ودوائر نفوذها الإقليمية، سواء في لبنان أو سوريا.
وإجمالا، فإنه يمكن القول إن هذا التحول في إدراك معني الشرق الأوسط الجديد وآفاقه المحتملة، من حيث انطلقت دعوته الأولي، يكشف عن أن إسرائيل وغيرها من دول جوار النظام العربي باتت تراهن، ومنذ وقت مبكر نسبيا، علي تحلل الطبيعة النظمية للحضور العربي في النظام الشرق أوسطي. وكشفت تطورات العقدين الماضيين، منذ ذلك الحين وحتي اليوم، عن أن عوامل التحلل لم تطل فقط ما كان متبقيا من فاعلية الحد الأدني للنظام العربي، ومن إدراكه كنظام إقليمي، بل إنها طالت مفهوم الدولة العربية ووجودها، حيث تصاعدت حدة الأزمة البنيوية التي تواجهها هذه الدولة وشرعيتها، حتي بات بعضها يواجه خطر الانهيار والتفكك الفعلي، بينما يجاهد البعض الآخر لاحتواء تنامي عوامل الصراع والتفكك الداخليين.
في ظل هذا الواقع العربي المأزوم، تعددت في الفترة الأخيرة الرؤي والسيناريوهات التي تحاول استشراف آفاق إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أو الدفع في سبيلها، مثلما تجلي في طروحات تقسيم العراق وسوريا، التي روجت لها بعض الدوائر الرسمية في الإدارة الأمريكية. وبات عنوان إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط أحد العناوين الرئيسية في الكثير من التقارير والمقالات الصحفية، والأبحاث العلمية، التي تنشرها كبريات الدوريات، ومراكز الأبحاث المعنية بشئون العلاقات الدولية، ومستقبل السياسة العالمية.
ورغم قدرات الصمود في مواجهة سرطان التفكك الطائفي والإثني، التي برزت في كل من مصر ودول الخليج العربية، مع اختلاف معطيات هذا الصمود في كلتا الحالتين، فقد ظل سيناريو التفكك الطائفي غالبا في السيناريوهات التي يتم طرحها للتعاطي مع مستقبل المنطقة، فيما بدا تجسيدا لنجاح استراتيجية الفوضي الخلاقة التي سعت الولايات المتحدة لإطلاقها في المنطقة، وكشفت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس، عام 2005، بعدما تبين ارتفاع تكلفة أوهام إعادة الهندسة الأمريكية المباشرة للمنطقة ودولها وقواها، عقب غزو العراق عام 2005. وقد بلغ خطر التفكك الذي كان يمكن أن يهدد المنطقة مداه مع إعلان الرئيس السوري، بشار الأسد، في 26يوليو 2015، أن قواته ستتراجع إلي أراض يمكن الدفاع عنها، وأنه يواجه نقصا في عدد قواته، وأنه بات يعول بشكل رئيسي علي الدعمين الروسي والإيراني.
كان هذا الإعلان كاشفا عن عدم قدرة النظام السوري وحلفائه الموجودين علي الأرض علي مواصلة الصمود في مواجهة الدعم الذي تلقاه الجماعات المسلحة، المدعومة من تركيا والسعودية بشكل رئيسي، خاصة بعد توافق الدولتين علي توحيد قوات الجماعات الموالية لهما، في إطار ما عرف بـ”جيش الفتح” في أول مارس2015.  مثّل هذا الإعلان إنذارا صريحا باحتمال انهيار النظام السوري، ومعه ما بقي من الدولة السورية حتي علي مستوي وجودها القانوني، لكنه أيضا كان إنذارا بأن قوي السلفية الجهادية باتت قاب قوسين أو أدني من إسقاط أول دولة عربية بشكل كامل، واحتمال تمدد مخاطر التفكك سريعا إلي دول عربية أخري تعاني عوامل هشاشة أمنية واجتماعية حادة. بعبارة أخري، كان هذا الإعلان إنذارا بأن ظاهرة دينامو تفكيكية قد تضرب المنطقة بقوة.
وبقدر ما استحث هذا الإنذار تدخلا عسكريا روسيا مباشرا في الحرب الأهلية السورية، أتاح حدوث انقلاب استراتيجي في سيرورتها، فقد أشار طابعه غير المسبوق كذلك إلي أن عملية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتحديد مستقبل المنطقة لن يكونا فقط نتيجة لأزمة الدولة العربية والمنافسة الإقليمية علي النفوذ في مناطق الهشاشة العربية، وسياسة خفض الانخراط الأمريكية، ولكنهما سيستدعيان تدخل قوي دولية أخري، وأن عصر الانفراد الأمريكي بضبط البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة قد انتهي. وسنحاول فيما يأتي طرح بعض التساؤلات الرئيسية حول محددات التغير في الشرق الأوسط، والتحديات التي يطرحها.
أولا- إعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في السياسة العالمية:
عُرِّف الشرق الأوسط تقليديا بالنظر إلي موقعه من القوي الأوروبية الرئيسية التي شهدت انطلاق الثورة الصناعية في القرن السادس عشر الميلادي، وبالمقارنة مع مناطق الشرق الأقصي في الصين، وجنوب شرق آسيا، وهي المناطق كثيفة السكان، والغنية بالمواد الخام اللازمة لازدهار الصناعة الأوروبية الوليدة. كان الشرق الأوسط بالتالي يقع علي طرق الملاحة والتجارة الدولية الرئيسية في ذلك العصر، مما استحث حركة استعمارية قادتها الدول الأوروبية الكبري للعديد من مناطقه وأقاليمه، مسلحة بقدرة نيرانية متفوقة وغير مسبوقة في تاريخ الصراعات الإنسانية حتي ذلك الحين.
ومع مطلع القرن العشرين، بدأت تبرز أهمية النفط، الذي تمتعت المنطقة، وفي مقدمتها بلدان الخليج العربي، بثروة وافرة منه، بعدّه المصدر الرئيسي للطاقة في العالم المعاصر، وارتفعت بالتالي أهمية الشرق الأوسط علي سلم السياسة الدولية، وباتت الهيمنة علي الشرق الأوسط وضبط تفاعلاته إحدي أهم ركائز القوة الدولية القائدة للنظام الدولي. وشكل التنافس الدولي علي الهيمنة علي الشرق الأوسط الاتجاهات الرئيسية للحرب والسلم في المنطقة طوال القرن العشرين، بقدر ما مثّل نفوذ القائد الدولي في المنطقة الضمانة الرئيسية لاستقرارها الجيوسياسي، خاصة في مواجهة أي محاولات تثوير داخلية أو أطماع من دول جوارها الإقليمي.
أخذت معادلة النفوذ الدولي/الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط تشهد تحولات مهمة منذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولعل التحول الأهم كان المتعلق بتراجع أهمية نفط المنطقة علي سلم أولويات القائد الدولي، ممثلا في الولايات المتحدة، وارتفاع تكلفة ممارسة عمليات الضبط والسيطرة الأمريكية فيها بشكل مباشر، خاصة مع بروز محدودية موارد القيادة الأمريكية عالميا. وقد ارتبط تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة بعاملين أساسين:
أولهما: زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، خاصة منذ عام 2011، مما جعل الولايات المتحدة بحلول عام 2014مصدرا صافيا لمنتجات النفط المكررة. ومع زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط بنحو 3.5مليون برميل يوميا من 5.184 مليون برميل يوميا عام 2005، إلي 8.703 مليون برميل يوميا عام 2014، فقد خفضت الولايات المتحدة وارداتها من النفط بنحو 4.5 مليون برميل يوميا، وكان أكثر من نصف هذا الخفض من نصيب دول أوبك التي تهيمن علي إنتاجها دول الخليج العربية، حيث تراجعت واردات الولايات المتحدة منها، خلال الفترة نفسها، بنحو 2.3 مليون برميل يوميا، لتنخفض هذه الواردات من 5.587مليون برميل يوميا عام 2005، إلي نحو 3.327 مليون برميل يوميا عام 2014.
أما ثاني هذين العاملين، فهو المتعلق بتطور فنون الإنتاج (التكنولوجيا)، سواء الخاصة بإنتاج مصادر بديلة للطاقة، أو برفع كفاءة المعدات والآلات في استهلاك الطاقة. وكان من نتيجة ذلك أنه رغم ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة من 13.093 تريليون دولار عام 2005، إلي 17.348 تريليون دولار عام 2014، فقد صاحب ذلك انخفاض في إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من النفط، خلال الفترة نفسها، بنحو 1.6مليون برميل يوميا. ويرجح أن يتواصل هذا الاتجاه، بل وأن يتسارع، في الولايات المتحدة وخارجها، بما يعني تراجع أهمية النفط بشكل عام ضمن هيكل مصادر الطاقة في الولايات المتحدة، وعبر العالم.
ويعني ذلك أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يراهن علي استمرار أهميته كمصدر رئيسي للطاقة بالنسبة للاقتصاد العالمي في الأمدين المتوسط والبعيد، وبالتالي سيكون من الصعب الرهان علي ثروة المنطقة النفطية كمصدر لضمان أي التزام دولي بأمن الشرق الأوسط علي المدي البعيد.
برز إثر هذا التراجع في أهمية منطقة الشرق الأوسط، ما شهدته السياسة الأمريكية من تصاعد نفوذ الاتجاه الداعي إلي خفض الانخراط الأمريكي في تلك المنطقة، منذ عام 2005، خاصة مع ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق. وتأكد هذا الاتجاه مع وصول إدارة الرئيس باراك أوباما الأولي إلي البيت الأبيض عام 2009، حيث قدرت تلك الإدارة أن مصالح الولايات المتحدة الرئيسية، خلال القرن الحادي والعشرين، تتركز في جنوب وجنوب شرق آسيا، مما دفعها لتطوير استراتيجيتها المسماة “الاستدارة شرقا” وإن ظلت المعضلة الأساسية، منذ برز التوجه لخفض الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، هي ماهية النظام الذي يمكنه ضمان ألا تتحول المنطقة إلي بؤرة إرهاب عالمية، خاصة مع ما بدا من عوامل تآكل في قواعد الشرعية التي تعتمدها أنظمة الحكم عبر المنطقة بأسرها. ويمكن، في هذا السياق، تبين ملامح ثلاث استراتيجيات أمريكية متوالية:
– الفوضي الخلاقة التي استهدفت رفع الدعم عن أنظمة الحكم القائمة في بعض دول المنطقة، ومنح فرصة لما تصورته السياسة الأمريكية تيارا إسلاميا معتدلا ليكون بديلا للأنظمة القائمة، وللتطرف الإسلامي في آن واحد. وقد كشفت أحداث السنوات الخمس الأخيرة عن تهافت هذا التصور، بسبب عدم وجود فوارق حقيقية بين التيارات المختلفة التي تتبني دعاوي السياسة المقدسة، سواء أكانت معتدلة أم متطرفة، حيث تتعاضد وبعضها بعضا، مثلما كشفت خبرة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وليبيا، وتونس، وتنتهج جميعها نمط سياسات يغذي الإقصاء، والتطرف، والإرهاب، وكذلك بسبب رفض شعوب المنطقة لهذا الخيار.
– سياسات التوازن الطائفي، من خلال خلق توازن قوي طائفي، سني-شيعي، بين إيران والدول العربية ذات الأغلبية السنية. وفي الواقع، فقد أدي الدفع باتجاه خلق مثل هذا التوازن إلي إثارة نعرات الصراع الطائفي ومفاقمتها، خاصة مع الصراع بين إيران والسعودية علي مناطق النفوذ في المنطقة. ولم تكن النتيجة الإقليمية سوي تعزيز قوي الإرهاب وتنظيماته إقليميا، ونشر قيم التطرف، ومشاعر الكراهية الطائفية بين فئات مهمة من المسلمين التي عانت اغترابا ثقافيا أو تهميشا عبر العالم.
– مع بروز مخاطر كلتا الاستراتيجيتين السابقتين، بدا وجود قبول أمريكي، منذ منتصف عام 2015؟ لمحاولة تأسيس نظام أمني متعدد الأطراف ومتوازن في المنطقة، بحيث تلعب بعض التحالفات الإقليمية، إضافة إلي حضور مباشر من قبل قوي دولية ذات مصالح في المنطقة، أدوارا أمنية محدودة ومتنافسة، تحت رعاية أمريكية. برز ذلك في القبول الأمريكي بدور عسكري روسي مباشر في سوريا، وإنشاء قاعدة بريطانية في البحرين، في أول عودة لوجود بريطاني عسكري مباشر في المنطقة منذ غادرتها عام 1971، فضلا عن السماح بدور فرنسي في بعض المرتكزات التي تقدر السياسة الفرنسية أنها مهمة لأمنها أو لمصالحها الاقتصادية.
تتمثل معضلة هذه الاستراتيجية الأخيرة في أن تنافس الأدوار والأجندات الأمنية بين القوي الإقليمية يهدد بتفجر مستمر للصراعات فيما بينها، أو بينها وبين القوي الدولية الآخذة في تأسيس مراكز أمنية جديدة لها في المنطقة. فضلا عن ذلك، فإنه لا يبدو أن أي قوي دولية أخري راغبة في تحمل أي أعباء أمنية تتجاوز ضمان مصالحها المباشرة والمحددة في المنطقة، مثل الوجود الروسي في شرق المتوسط، أو مساعي الصين لتأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي لتأمين طرق الملاحة البحرية مع شرق إفريقيا وعبر البحر الأحمر. ويعزز احتمال محدودية انخراط قوي دولية، بخلاف الولايات المتحدة في صياغة أي معادلات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، البروز المتزايد لمنطقة القطب الشمالي كمركز لثروات وافرة من النفط والغاز وغيرهما من الموارد الطبيعية، فضلا عن التنامي التدريجي في أهميتها كممر ملاحي، حتي لو كان موسميا، لكنه أقصر وأكثر أمنا مما عداه من طرق ملاحية تقليدية، خاصة تلك التي تمر عبر الشرق الأوسط.
ينبئ ما تقدم بأن إعادة تعريف أهمية الشرق الأوسط في السياسة العالمية تشهد مرحلة من عدم الوضوح، التي لن يجلوها سوي خيارات شعوب المنطقة، إما بتبني عمليات تحول سياسي، واقتصادي، وثقافي، تتيح لها الانتقال باقتصاداتها من نمط الاقتصاد الريعي إلي اقتصادات صناعية متقدمة، لتصبح مساهما حقيقيا في حركة النمو العالمي والتطور الإنساني في مجمله، أو لن تكون سوي بؤرة تهديدات لا يعني بها العالم إلا من منطلق تطوير استراتيجيات احتواء مخاطرها.
ثانيا- التهديدات النابعة من حالة السيولة في الشرق الأوسط:
تواجه دول الشرق الأوسط وشعوبها عددا متزايدا من التهديدات سواء التي تتعلق بهويتها، في ظل تصاعد مخاطر التيارات الأصولية الإقصائية، كجماعات عنف منظم، أو سياسات دولة تخشي قطاعا من السكان، أو التي تتعلق بأمنها الشامل، الذي لا يقتصر علي خطر القتل المباشر، ولكن أيضا العجز عن الوصول إلي الموارد، أو القدرة علي استغلالها، إما بسبب وجود عوائق تحول دون الوصول إليها، أو بسبب تدهور حالة تلك الموارد ذاتها. وإذ يهدد ذلك باستمرار الصراعات المتنوعة في المنطقة، سواء بين دولها، أو بين المجموعات البشرية فيها، خاصة في الدولة التي تعاني انهيارا في أنظمتها السياسية، فإنه يمكن تحديد مصدرين للمخاطر المشتركة التي يمكن أن تواجه دول المنطقة، وبقية دول العالم جراء الأوضاع في الشرق الأوسط:
1-  أول هذه المخاطر هو بروز وتمدد ما يمكن وصفه بـ”الدويلات الجهادية”، وما تستقطبه من عناصر متطرفة وشديدة العنف من مختلف مناطق العالم ودوله. وتطرح هذه الدويلات تهديدات مباشرة يمكن إجمالها فيما يأتي:
– تصاعد عمليات التطهير العرقي، وإعادة رسم الخريطة الديموجرافية والإثنية للشرق الأوسط، كما حدث خلال سنوات تصاعد العنف الإثني في العراق بين عامي 2006و2007، أو بشكل أكثر جسامة وخطورة فيما تشهده سوريا من عمليات إعادة رسم للخريطة السكانية، أخرجت أكثر من نصف الشعب السوري من ديارهم، كنازحين داخل سوريا، أو لاجئين خارجها. ولا يقتصر خطر ذلك علي ما تولده قضية اللاجئين من ضغوط لدي الدول المستقبلة، ولكن الخطر الأكبر فيما ينتج عن عمليات التطهير تلك، أو عن تأسيس كانتونات طائفية صرف من تنامي واقع الانفصال الطائفي، وتصاعد مشاعر الكراهية والعداء الإثنيين، واللذين ينتشران ليس فقط لدي الفئات الموجودة في مناطق الصراع مباشرة، ولكن لدي جماعات اللاجئين أو المنتمين لأي من الفئات المتصارعة، سواء في الإقليم، أو عبر العالم.
– مخاطر استهداف دول ومناطق أخري تعاني هشاشة إثنية من قبل هذه الدويلات، حال ترسخ وجودها في منطقة ما، ومن ذلك تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش) من مناطقه الحصينة في الشمال السوري إلي داخل العراق. ويتفاقم هذا الخطر مع إمكانية استخدام مثل تلك التنظيمات الإرهابية من قبل بعض القوي الإقليمية أو الدولية كأداة لمد نفوذها، أو تهديد قوي منافسة أخري، علي غرار الدعم الذي يلقاه “داعش” من قبل تركيا في سوريا والعراق بشهادة أطراف دولية عدة.
– احتمال تطور الصراع مع تلك الدويلات وحولها إلي حروب إقليمية صريحة بين دول المنطقة، إما طمعا في السيطرة علي بعض المناطق التي تخضع لسيطرة هذه الدويلات، كما ينبئ بذلك نشر تركيا بعض قواتها في شمال العراق، وسعيها لإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، أو محاولة لتمدد نفوذ هذه الدويلات، أو دول داعمة لها، إلي المجال الحيوي لبعض دول المنطقة، مثلما يتبدي من قلق مصر من تمدد تنظيم “داعش” وأيديولوجيته في ليبيا.
– تقاطر المتطرفين من دول ومناطق مختلفة حول العالم إلي مناطق نشأة الدويلات الجهادية، وتلقيهم تدريبات متقنة علي مختلف أشكال القتال والعنف، مما يحولهم إلا ما يشبه القنبلة الإرهابية التي يمكن أن تنفجر وتنتشر عبر العالم، ليس فقط في حال استهداف تلك الدويلات، ولكن حتي قبل ذلك كإحدي أدوات الردع في حال بروز مخاطر حقيقية لاستهدافها. ويبقي الخطر الأكبر في احتمال تطرف الكثير من المتعاطفين مع أيديولوجيا الجماعات المؤسسة لتلك الدويلات، خاصة أن مشروع هذه الدويلات بات يمثل لهؤلاء الغاية النهائية والمثالية لتصوراتهم الأيديولوجية المقدسة.
ويتجاوز التهديد الذي تطرحه ظاهرة الدويلات الجهادية هاجس الارتداد الإرهابي العكسي، إذ يمثل نموذج الدولة الذي تطرحه هذه الظاهرة تحديا لنموذج الدولة القومية الذي يتأسس عليه النظام الدولي، منذ معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر. إذ يعد الانتماء إلي العقيدة أساس المواطنة في الدويلات الجهادية، وليس الانتماء السياسي لإقليم الدولة، بغض النظر عن أي انتماءات أولية أخري. يطرح ذلك خطرا عالميا، حيث إن المتعاطفين مع هذه الدويلات سيعرفون حالة ازدواج في الولاء من جهة، فضلا عن أن المجموعات البشرية غير المسلمة قد تنحو إلي تبني خيارات للتطهير الإثني تجاه المسلمين، مثلما بدأ يبرز في بعض الدعوات داخل أوروبا أو الولايات المتحدة من جهة أخري. ويهدد تصاعد تلك الذهنية الإقصائية، خاصة في حال انتشار ظاهرة الإرهاب الطائفي حول العالم، بنمو أصوليات تستهدف النقاء العرقي، علي نحو يشابه الأيديولوجية النازية.
2- الخطر الثاني المشترك ينتج عما يمكن أن ينتجه تنامي عدد القوي الدولية التي تلعب أدوارا أمنية غير متكاملة في الشرق الأوسط من بروز ظاهرة إزاحة الصراعات بين الشرق الأوسط، وفضاءات أمنية أخري حول العالم. بعبارة أخري، قد تتم محاولة إزاحة صراع دولي بين قوي كبري حول العالم إلي منطقة الشرق الأوسط، مثلما يبدو جزئيا في دعم الصين لروسيا، مما يعزز من قدرتها علي لعب دور أمني يتجاوز الحدود الأمنية المقبولة أمريكيا، فيدفع الولايات المتحدة لمزيد من الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، مما يؤدي إلي الإبطاء من معدل نقل ثقلها العسكري والدبلوماسي إلي جنوب شرق آسيا. وبالمثل، يبدو أن المواجهة الروسية-التركية قد تشهد إزاحة متبادلة لصراعات البلدين بين مناطق الشرق الأوسط، والبلقان، ووسط آسيا.
وفي التحليل الأخير، يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف في لحظة فارقة، يبدو فيها أن أهميته تتحول شرقا في المدي القصير علي الأقل، مما يفقد وصفه هذا الدلالة الرمزية لأهميته الجيوسياسية في العالم. لكن الأخطر أن تعريف أهميته ومكانته تلك في المديين المتوسط والبعيد ستبقي رهنا بخيارات دول المنطقة وشعوبها لدورها في سيرورة الحضارة الإنسانية، إما كمساهم فيها، أو عنصر تحديد لها، يتعين احتواؤه خارجها.
مالك عوني
مجلة السياسة الدولية
Print Friendly