rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

انتخابات إيران 2016: تغيير أم استمرارية؟.. صورة بانورامية للمشهد السياسي الإيراني

Iranian Seyed Mohsen Moussavi (L) registers his candidacy for the Assembly of Experts elections at the interior ministry in Tehran on December 17, 2015. The 86-member Assembly's role is to monitor the work of the supreme leader, currently Ayatollah Ali Khamenei, 76. The poll will coincide with parliamentary elections, which could see more moderates and reformists chosen on the back of Iran's recent nuclear deal with world powers.   AFP PHOTO / ATTA KENARE / AFP / ATTA KENARE        (Photo credit should read ATTA KENARE/AFP/Getty Images)

حقق التحالف الإيراني المعتدل مكاسب كبيرة في الانتخابات الأخيرة للبرلمان ومجلس الخبراء. وتشير هذه المجموعة -المكونة من التيارات السياسية الوسطية والإصلاحية في البلاد- إلى نفسها على أنها معتدلة في السياق الإيراني، حتى تروق للناخبين من خلال عرض خصومها على أنهم متطرفون. ومن المرجح أن يكون البرلمان الجديد أكثر دعماً من سابقه للرئيس روحاني بشأن القضايا الرئيسية، مثل تنفيذ الاتفاق النووي مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (5+1)، وإعادة اندماج إيران في الاقتصاد العالمي. ومن المرجح أن يبذل المجلس التشريعي الجديد جهوداً أقل لمساءلة أعضاء مجلس وزراء الرئيس، بل إنه قد يكون أكثر انفتاحاً على توسيع نطاق الحريات الاجتماعية والسياسية أيضاً.
من المرجح أن مجلس الخبراء، الذي يستطيع من الناحية النظرية اختيار المرشد الأعلى للبلاد والإشراف عليه وإقالته، سيبقى تابعاً لخامنئي في بقية مدة ولايته. ومع ذلك، قد تختار هذه الهيئة المنتخبة حديثاً خليفة للقائد الأعلى البالغ من العمر ستة وسبعين عاماً قبل انتهاء فترة ولايته. وقد زودت الانتخابات الأخيرة المعتدلين بعدد أساسي من المقاعد الكافية لتشكيل ائتلاف محتمل يحول دون تنصيب خليفة متشدد لخامنئي، وهو ما قد يغير كامل المسار السياسي للجمهورية الإسلامية.
تؤكد نتائج الانتخابات الأخيرة وجود أربعة اتجاهات مهمة قابلة للملاحظة في السياسة الإيرانية منذ الانتخابات الرئاسية في العام 2013: الوحدة المستمرة لتحالف المعتدلين؛ والانقسام في التحالف المحافظ بين المتشددين والتقليديين؛ ومشاركة الناخبين بقوة في العملية الانتخابية؛ واستخدام وسائل الإعلام البديل للتغلب على احتكار الدولة لوسائل الإعلام السائد خلال الحملات. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن المتشددين –التيار السياسي القوي الأكثر معارضة لأجندة روحاني وحلفائه المعتدلين- ربما يضطرون إلى تغيير استراتيجيتهم في سبيل الحد من تدهورهم. وربما يعني ذلك إصلاح برامجهم السياسية، وإعادة تشكيل تحالفاتهم من أجل أداء أفضل في الانتخابات؛ أو، في غياب مثل هذه الخطوات، الاعتماد بثقل أكبر على الإكراه ومراكز القوة غير المنتخبة، مثل السلطة القضائية وقوات الأمن.
دور البرلمان ومجلس الخبراء
الجمهورية الإسلامية هي نظام سياسي هجين تهيمن عليه مراكز قوى غير منتخبة، لكنه يسمح أيضاً بمشاركة شعبية محدودة من خلال الهيئات المنتخبة. ومع ذلك، يبقى هذا المُدخل الشعبي مقيّداً ومحدوداً بسلطة مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة دستورية تقوم بالتدقيق في ملفات كافة المرشحين الطامحين إلى انتخابهم لمنصب وطني، وفقاً لمعيار ولائهم لمبادئ الجمهورية الإسلامية. وحتى بعد أن يتم اختيار مجموعة المرشحين المقبولين، فإن هذا المجلس يظل قادراً على تغيير نتائج الانتخابات.
تشمل مسؤوليات البرلمان المؤلف من 290 عضواً تمرير التشريعات، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، والموافقة على الميزانيات، وتأكيد تعيينات مجلس الوزراء والفقهاء الستة في مجلس صيانة الدستور. وقد شملت الأعمال الملحوظة للبرلمان التاسع المنتهية ولايته (2012-2016) الموافقة على مجلس وزراء الرئيس روحاني؛ وإقالة وزيره للعلوم والبحث والتكنولوجيا، رضى فرجي-دانا؛ وعقد مناقشات بالغة السخونة قبل المصادقة على الاتفاق النووي.
مع ذلك، يتمتع مجلس صيانة الدستور بسلطة مراجعة جميع التشريعات لضمان امتثالها للدستور والشريعة الإسلامية. وفي العام 2003، على سبيل المثال، اعترض المجلس في حالة معروفة على مشروع قرار للبرلمان كان سيحد من سلطته. ويمكن أخذ النزاعات التي تنشأ بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يمكنه –وقد فعل في الماضي- أن يحكم لصالح السلطة التشريعية. ويتمتع خامنئي بنفوذ هائل على البرلمان كذلك، ويمكن أن يحد من عملية اتخاذه للقرار من خلال الأوامر التنفيذية. وفي هذا السياق، يكون البرلمان واحداً من مراكز السلطة المنتخبة الأكثر نفوذاً في الجمهورية الإسلامية.
من الناحية النظرية، يستطيع مجلس الخبراء المكون من 88 فقيهاً، والذي يُنتخب كل ثماني سنوات، اختيار المرشد الأعلى، والإشراف عليه، وإقالته. والمرشد الأعلى هو أهم شخصية في النظام السياسي الإيراني. وتشمل سلطات المرشد الأعلى تعيين رؤساء مراكز القوة غير المنتخبة، مثل القضاء وقوات الأمن، وإعلام الدولة الرسمي. وهو يعيّن مباشرة ستة قضاة في مجلس صيانة الدستور المكون من اثني عشر عضواً (ويساعد، بشكل غير مباشر، في تعيين الآخرين). ويمكن أن يتدخل القائد الأعلى في كافة الشؤون الوطنية من خلال الأوامر التنفيذية، وأن يشرف على كيانات اقتصادية مهمة مسؤولة أمامه فقط، والتي تتخذ ظاهرياً شكل مؤسسات خيرية، لكنها تتصرف مثل التكتلات التجارية.
ومع ذلك، لم يمارس مجلس الخبراء صلاحياته بانتظام، ولم يصدر سوى ثلاثة قرارات مهمة منذ تأسيسه فقط، واتخذها كلها في العقد الأول الذي أعقب الثورة الإيرانية: اختيار آية الله حسين علي منتظري نائباً للمرشد الأعلى في العام 1985، ثم عزله من هذا المنصب في العام 1989، وترفيع خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى في نفس العام. وبينما قد يكون المجلس قد تصرف باستقلالية في الحالة الأولى، فإنه كان مجرد خاتم مطاطي للزعيم الأعلى في ذلك الحين، آية الله روح الله الخميني، في الحالة الثانية؛ وفي الحالة الثالثة كان الذي هندس القرار هو الرئيس في ذلك الحين، أكبر هاشمي رفسنجاني. وبالنظر إلى الأمام، ليس من المؤكد ما إذا كان المجلس سيختار خليفة آية الله خامنئي بشكل مستقل من خلال المداولات الداخلية، أم أنه سيخضع لاستغلال مراكز القوى الخارجية، مثل فيلق الحرس الثوري الإيراني.
التيارات السياسية في إيران
على الرغم من افتقار إيران إلى وجود أحزاب سياسية رسمية، فإن لديها سياسة فصائلية للغاية، والتي يمكن فهمها في ضوء تعقب التيارات السياسية السائدة. وتتكون التيارات السياسية الرئيسية الأربعة في إيران من: الوسطيين، والإصلاحيين، والمتشددين، والتقليديين، الذين يندرجون جميعاً في تحالفيَن فَضفاضَين.
يتكون تحالف المعتدلين من الوسطيين والإصلاحيين الذين وحدوا القوى لدعم روحاني في الانتخابات الرئاسية للعام 2013. وقد سيطر الوسطيون، المعروفون بموازنة القوى بين أقطاب السياسة الإيرانية، على الرئاسة في ظل رفسنجاني من العام 1989 وحتى 1997، ثم استعادوها في العام 2013 في ظل روحاني. وهم يعطون الأولوية للنمو الاقتصادي المدفوع بالقطاع الخاص، ويدافعون عن سياسة خارجية أقل مواجهة قياساً بالمتشددين، وهم أقل عناية بفرض الأعراف الإسلامية من تحالف المحافظين. ويقود الوسطيين روحاني ورفسنجاني، وأكثر دوائرهم الانتخابية أهمية هم التكنوقراط ورجال الأعمال.
سيطر الإصلاحيون على الرئاسة في ظل محمد خاتمي من العام 1997 وحتى 2005، وعلى البرلمان في ظل مهدي كروبي من العام 2000 وحتى 2004. ومع ذلك، تم استبعاد العديد من الإصلاحيين من المشاركة في الانتخابات التي بدأت بالانتخابات البرلمانية للعام 2004 –وهي ممارسة تكثفت بعد انتخابات 2009 المتنازع عليها للرئيس في ذلك الحين، محمود أحمدي نجاد، والتي أسفرت عن انتفاضة شعبية عرفت باسم “الحركة الخضراء”. ويقود الإصلاحيين، الذين يؤكدون على الحريات الاجتماعية والسياسية، محمد خاتمي الخاضع حالياً إلى حظر إعلامي والممنوع من مغادرة البلاد، وله قدر كبير من الأتباع بين طبقة البلاد الوسطى الحضرية وقطاع الشباب.
يتألف التحالف المحافظ من المتشددين والتقليديين الموالين بعمق لآية الله خامنئي –ولو أنهم ليسوا تحت قيادته رسمياً- والمعروفين أيضاً باسم “المبدئيين” بسبب التزامهم المعلن بالمبادئ الثورية. ويهيمن المحافظون على جميع مراكز القوى غير المنتخبة، بما في ذلك مجلس صيانة الدستور، والسلطة القضائية، وقوات الأمن. ويدعم المتشددون ما يسمونه اقتصاد المقاومة الذي يؤكد الاعتماد على الذات، كما يؤيدون انتهاج سياسة خارجية متشددة تؤكد على معارضة النفوذ الغربي، ويرفضون السماح بقدر أكبر من الحريات السياسية والاجتماعية. وكان العديد من الأعضاء البارزين لهذا التيار –مثل غلام علي حداد عادل في البرلمان، وآية الله محمد يزدي في مجلس الخبراء- ضحايا لانتخابات العام 2016. ومع ذلك، يستمر المتشددون في الهيمنة على الكوادر العليا في مراكز القوى، مثل الحرس الثوري الإيراني، ولهم دائرة انتخابية كبيرة من المؤيدين المتعاطفين الورعين بين الطبقات الاجتماعية-الاقتصادية الدنيا.
على النقيض من نظرائهم المتشددين، يفضل التقليديون اقتصاداً وفق نموذج السوق، وانتهاج سياسة خارجية أقل صدامية. وبقيادة شخصيات مثل رئيس البرلمان، علي لاريجاني –من بين آخرين- يَعتبرُ هذا التيار رجال الدين المحافظين والطبقة التجارية التقليدية من بين أكثر مؤيديه أهمية. ويشكل أعضاؤه وسطاء القوة الرئيسيين في البرلمان، فيما يعود جزئياً إلى قدرتهم على العمل مع كل من المعتدلين والمتشددين. وفي حين بدا المحافظون موحَّدين ومهيمنين في السياسة الإيرانية فيما بين العامين 2005 و2013، فقد اختلف التقليديون مع المتشددين على سياسات الأخيرين الداخلية والخارجية المثيرة للجدل، ودعمهم للرئيس في ذلك الحين، أحمدي نجاد.
الحملة الانتخابية للعام 2016
كان السؤال الرئيسي في الفترة التي سبقت انتخابات العام 2016 هو ما إذا كان مجلس صيانة الدستور سيؤهل غير المحافظين من المرشحين الطامحين على نطاق واسع. ولذلك استخدم المعتدلون استراتيجية تسجيل المرشحين المعتدلين بأعداد كبيرة، من أجل ضمان أن يجتاز ما يكفي منهم عملية التدقيق التي يجريها المجلس لخوض الانتخابات بجديّة. وعلى الرغم من أن الانتخابات شهدت عدداً قياسياً من طلبات التسجيل للترشيح، تم في البداية تأهيل 38.9 % فقط من المترشحين الطامحين للبرلمان وحوالي 20 % من المترشحين لمجلس الخبراء. وقد اشتكى سياسي وسطي في كانون الثاني (يناير) 2016 في إحدى المقابلات، فقال: “في المجموع، سجل 3.000 من الإصلاحيين في البلد” للانتخابات البرلمانية. “وتم تأهيل 30 شخصاً منهم فقط. وعلى هذا الأساس، تمت الموافقة على 1 % فقط من المرشحين الإصلاحيين”.
وبعد الاستئناف، أعيد تأهيل بعض المرشحين المحتملين. وربما يرجع ذلك إلى الجهود التي بذلها الرئيس روحاني خلف الكواليس. وجلب ذلك الحصيلة النهائية للمؤهلين للترشيح للبرلمان أقرب إلى نصف مجمل عدد الذين سجلوا. ومع ذلك، ظلت هذه أدنى معدلات التأهيل في تاريخ البرلمان والجمعية. وفي بعض الدوائر الانتخابية، لم يتم تأهيل أي معتدلين ليصبحوا مرشحين على الإطلاق. ولم يقتصر الأفراد البارزون الذين أخفقوا في التأهل على المعتدلين مثل رجل الدين حسن الخميني –الحفيد البالغ من العمر 40 عاماً لمؤسس الثورة الإسلامية، آية الله روح الله الخميني- وإنما ضموا أيضاً متشددين مثل حامد رضائي، عضو البرلمان الذي كان قد عارض الاتفاق النووي.
بالنظر إلى هذه الظروف، حاول المعتدلون منع المتشددين من الفوز عن طريق حشد الناخبين خلف مرشحين أقل تشدداً في كل محافظة انتخابية؛ واعتمدوا لتحقيق ذلك على تدابير مثل الاستخدام الكثيف للإعلام البديل. ولعب الرئيس السابق محمد خاتمي دوراً بارزاً في تلك الجهود من خلال إطلاقه شريط فيديو على الإنترنت، والذي دعا فيه المؤيدين إلى دعم “قائمة الأمل”. وهي استراتجية نجحت بشكل كبير في طهران التي لديها عدد مقاعد أكبر من أي منطقة أخرى في البلاد. وتكونت “قائمة الأمل” من مجموعة معتدلة من المرشحين للبرلمان، والتي ضمت شخصيات غير معروفة إلى حد كبير، وتم حث الناخبين على دعم القائمة كاملة، بما في ذلك العديد من الذين يعرِّفون أنفسهم كمحافظين.
في هذه الأثناء، استمر الانقسام بين المتشددين والتقليديين في التعمق بسبب الخلافات حول السياسات الاقتصادية والخارجية. ورفض لاريجاني والتقليديون الانضمام إلى المتشددين على “قائمة المبدئيين”، وخاض الكثيرون منهم الانتخابات كمستقلين أو على “قائمة الأمل” بدلاً من ذلك. وتسبب الاستقطاب الحاد للانتخابات في أجزاء كثيرة من البلاد بين “قائمة الأمل” المدعومة من المعتدلين والتقليديين من جهة، و”قائمة المبدئيين” المتشددة من جهة أخرى، في إقبال الناخبين على الاقتراع بمعدلات أعلى مما كان ليحدث بغير ذلك، وهو ما عمل لصالح “قائمة الأمل”.
حاصل انتخابي معقد
في الانتخابات البرلمانية التي عُقدت يوم 26 شباط (فبراير) 2016، وأجريت جولة الإعادة فيها يوم 29 نيسان (أبريل)، كان أداء أعضاء “قائمة الأمل” هو الأفضل، حيث كسبوا 125 مقعداً من أصل 290 مقعداً (43.1 بالمائة). تلاهم مرشحو “قائمة المبدئيين” الذين كسبوا 82 مقعداً (28.2 في المائة)، ثم المستقلون الذين جمعوا 79 مقعداً (27.2 في المائة)، والأقليات الدينية التي ضمنت خمسة مقاعد (1.7 في المائة). وفي المجموع، كسبت 18 امرأة الانتخابات –كلهن تقريباً من “قائمة الأمل”، مقارنة بستة عشر عضواً فقط من رجال الدين –في ارتفاع وانخفاض تاريخيين، على التوالي، لكل مجموعة. ومع ذلك، وفي خطوة غير مسبوقة، قام مجلس صيانة الدستور بنزع الأهلية عن الفائزة من “قائمة الأمل”، مينو خالقي، بعد أن كانت مؤهلة في السابق وكسبت مقعداً.
فازت قائمة الأمل بعدد وافر من المقاعد، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن المعتدلين سينالون أغلبية في نهاية المطاف، بسبب عدم اليقين الذي يكتنف كيفية تحديد المستقلين اصطفافاتهم فيما بعد. وعلاوة على ذلك، فإن “قائمة الأمل” تبقى جبهة انتخابية غير متجانسة، والتي تضم وسطيين، وإصلاحيين، وحتى تقليديين مثل علي مطهَّري، المحافظ الاجتماعي الذي انحاز إلى روحاني في موضوع الاتفاق النووي، والذي يؤيد رفع الإقامة الجبرية عن قائدَي “الحركة الخضراء”، مير حسين موسوي ومهدي كروبي. ولذلك، وفي حين أن المعتدلين من “قائمة الأمل” ربما يشكلون أكبر فصيل برلماني ولديهم أغلبية في القضايا التي يتفقون حولها مع التقليديين، فإن من غير المرجح أن تكون لديهم الأعداد الكافية في القضايا التي يقف حولها المتشددون والتقليديون معاً.
كنتيجة للانتخابات، سوف يكون البرلمان الجديد أكثر تقبلاً لأجندة روحاني من المجلس التشريعي السابق –بما في ذلك الاستمرار في تطبيق الاتفاق النووي، والالتزام باندماج إيران في الاقتصاد العالمي -وبقدر أقل، بتوسيع الحريات السياسية والاجتماعية في البلد. كما أنه سيكون أقل حرصاً أيضاً على مساءلة وزراء حكومته. وعندما يأتي الأمر إلى الاقتصاد، يرجح أن تكون للمجلس التشريعي المقبل الإرادة اللازمة لإحداث تغييرات كبيرة، على سبيل المثال عبر تمرير القوانين التي تزيد من التسهيلات الممنوحة للاستثمار الأجنبي. لكن قراراته ربما تتعطل عند المرشد الأعلى، أو مجلس صيانة الدستور، أو الحرس الثوري. وربما تخلص هذه المراكز الأخيرة للقوى إلى رؤية مثل هذه التغييرات على أنها تشكل تهديدا لاستقلال إيران والمصالح الضيقة الخاصة لهذه المراكز نفسها، وربما تسعى إلى تأسيس اقتصاد مقاومة يؤكد الاعتماد على الذات بدلاً من ذلك.
في انتخابات مجلس الخبراء التي عقدت يوم 26 شباط (فبراير)، كان أداء “جمعية رجال الدين المقاتلين” المحافظة هو الأفضل، تلاها “مجمع مُدرسي الحوزة العلمية في قم” الأكثر تشدداً، ثم “قائمة الأمل” المعتدلة، وأخيراً المستقلون. ومع ذلك، تظل الخطوط الحزبية ضبابية وأقل وضوحاً في المجلس -المكون من حصرياً من الفقهاء الإسلاميين- مما هي في البرلمان: ظهر 42 في المائة من أعضاء المجلس المنتخبين على كافة القوائم الثلاث الرئيسية، لأن المرشحين كانوا يستطيعون التسجيل في عدة قوائم، بل ويمكن وضعهم على واحدة منها من دون الحصول على موافقتهم مسبقاً. وعلى الرغم من المكاسب التي حققها المعتدلون، ما تزال هناك أغلبية محافظة في مجلس الخبراء، حتى أن “قائمة الأمل” نفسها هي أكثر محافظة هناك مما هي في البرلمان. وتضم قائمة المعتدلين للمجلس شخصيات مثيرة للجدل مثل وزراء المخابرات السابقين محمد محمدي-نِك (المعروف أيضاً باسم “ريشهري”)، وغربان علي دُري-نجف أبادي، الذين رُبط بانتهاكات لحقوق الإنسان؛ ومحافظين مثل آية الله علي مُوحِّدي-كرماني، الذي اعترض فعلياً على وضعه في القائمة.
على الرغم من أن مجلس الخبراء سيظل متوافقاً مع رغبات المرشد الأعلى الحالي على الأرجح خلال مدة ولايته، فإن الانتخابات الأخيرة يمكن أن تمهد الطريق لمن سيصبح المرشد الأعلى القادم. ولهذا السبب، طلب آية الله خامنئي في خطاب أخير موجه إلى مجلس الخبراء منهم أن “يراعوا الله”، بالنظر إلى أن هناك “احتمال غير قليل” بأن يتم استدعاؤهم لاختيار زعيم جديد في الفترة القادمة من ولايتهم. ويجب أن ينال المرشح لمنصب المرشد الأعلى ثلثي الأصوات في المجلس حتى يفوز. ويعني هذا أنه إذا كانت المداولات الداخلية –وليس القوى الخارجية- هي عامل اتخاذ القرار في اختيار المرشد الأعلى القادم، فإن لدى المعتدلين الآن في مجلس الخبراء عدد أساسي من المقاعد الكافية لاحتمال إقامة تحالف لمنع فوز مرشح متشدد. ومع أن المتشدد آية الله أحمد جنّاتي ضمن أعلى منصب في المجلس، فإن عدم قدرته على كسب ثلثي الأصوات هناك تعني أن هذا الاحتمال يظل قائماً.
في الأثناء، أفضى الأداء الضعيف لقائمة المبدئيين إلى إضعاف نفوذ المتشددين في كل من البرلمان ومجلس الخبراء. وقد أسفرت هزيمتهم شبه الكاملة في طهران عن فقدان شخصيات بارزة، مثل رئيس البرلمان غلام-علي حداد-عادل؛ الرئيس السابق لمجلس الخبراء، وآية الله محمد يزدي؛ والمنظر الأيديولوجي المتشدد محمد تقي مصباح-يزدي. وعلى الرغم من أن جنّاتي المتشدد خلف يزدي كرئيس للمجلس، فإن هذه النتائج ألغت الكثير من المراكز القيادية العليا المنتخبة للمتشددين.
خلاصة
حققت انتخابات العام 2016 مكاسب هامة للمعتدلين في البرلمان وفي مجلس الخبراء، وهو ما أعاد التأكيد على التطورات التي كانت واضحة في السياسة الإيرانية منذ العام 2013. فقد ظل التحالف المعتدل بين الوسطيين والإصلاحيين، والذي دعم روحاني في ذلك العام، قائماً في هذه الانتخابات؛ بينما تعمقت الخلافات داخل معسكر التحالف المحافظ. وكان هذا التحالف الأخير قد عرض إشارات مبكرة على الضعف عندما لم يستطع المتشددون والتقليديون ضم الصفوف خلف مرشح واحد في الانتخابات الرئاسية للعام 2013؛ وفي هذه المرة، خاضوا الانتخابات البرلمانية على قوائم منفصلة إلى حد كبير.
استمر الانخراط الشعبي القوي في السياسات الانتخابية، والذي كان قد ساعد روحاني على الفوز في العام 2013، في أن يشكل عاملاً رئيسياً في انتخابات هذا العام. وقد قررت أغلبية من الناخبين المشاركة في الانتخابات في إطار سعيهم إلى إنجاح البديل الأقل سوءًا. ودعم -حتى قائدي “الحركة الخضراء”، الموسوي وكروبي، اللذين ما يزالان تحت الإقامية الجبرية- هذه المشاركة، وسعيا إلى الإدلاء بصوتيهما أيضاً. وكانت التجربة المؤلمة لحقبة أحمدي نجاد –بفسادها الهائل، وسوء الإدارة، والقمع والعزلة الدولية- هي الحافز الرئيسي وراء هذه المشاركة.
أخيراً، عمل الوصول إلى وسائل الإعلام البديل –خاصة تطبيق “تلغرام” للتراسل- على تقويض احتكار الدولة للمعلومات، ولعب دوراً مهماً في تعبئة الناخبين. وكان قرار محمد فايزي، وزير الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات، مقاومة ضغط المتشددين لإغلاق مؤسسات الإعلام البديل خلال الحملة ويوم الانتخابات، مهماً للغاية في السماح لحملة المعتدلين بالنجاح.
سوف تكون لانتخابات العام 2016 الإيرانية تداعيات مهمة على الصراع بين المعتدلين والمتشددين، والذي سيبلغ ذروته في الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في العام 2017. والآن، يقع روحاني وحلفاؤه تحت الضغط للوفاء بوعود حملتهم الانتخابية، خاصة المطالب بترجمة الاتفاق النووي المبالغ في تقدير تأثيره إلى فوائد اقتصادية للإيرانيين، واتخاذ خطوات ملموسة نحو توسيع الحريات. وقد قلل المتشددون من شأن الفوائد الاقتصادية الإيجابية للاتفاق النووي وشنوا حملة ضد ما وصفوه بأنه تسلل غربي إلى اقتصاد إيران وسياستها ومجتمعها. ويعني ذلك الاحتفاظ بضوابط أمنية صارمة على المجتمع الإيراني، والحد من مدى توسع الحريات السياسية والثقافية، وهو ما يهدف في جزء منه إلى ضمان أن يصبح روحاني أول رئيس إيراني يحكم لدورة واحدة فقط.
في مواجهة التقدم الذي أحرزه المعتدلون، قد يضطر المتشددون إلى الاعتماد أكثر على مراكز القوى غير المنتخبة لممارسة السلطة بطريقتين أساسيتين –خاصة إذا فشلوا في إصلاح برنامجهم السياسي وإعادة تشكيل تحالفاتهم من أجل الأداء بشكل أفضل في الانتخابات. أولاً، ربما يقدمون تنازلات للمعتدلين في مقابل مكاسب في أماكن أخرى –في تناغم مع دعوة روحاني إلى وضع “خطة عمل محلية مشتركة شاملة” من أجل حل الخلافات-؛ وثانياً، ربما يقومون بممارسة حق النقض على التغيير قسراً. ومن المرجح أن يستخدموا مزيجاً من كلا النهجين، حيث يقدمون تنازلات عندما تكون احتمالات كسب الطرفين ممكنة، بينما يرفضون التغيير عندما يتوقعون خسائر كبيرة.
يمكن أن تكون ممارسة النقض رسمية، كما يحدث عندما يتم استخدام مراكز القوى مثل مجلس صيانة الدستور، والسلطة القضائية، وقوات الأمن. كما يمكن تحقيقه أيضاً بتدابير غير رسمية، مثل استخدام العنف المتشدد مع الاحتفاظ بإنكار قابل للتصديق؛ وكان هذا هو ما حدث في الهجوم الذي شُن على السفارة السعودية في طهران في كانون الثاني (يناير) 2016، وهي حادثة ألحقت مزيداً من الضرر بالعلاقات الإيرانية السعودية المتوترة أصلاً. وفي الحالات القصوى، يمكن إقحام القتل السياسي، كما حدث عندما كان المنظر الإصلاحي سعيد حجاريان هدفاً لمحاولة اغتيال فاشلة في أعقاب الانتخابات البرلمانية للعام 2000.
تمر الجمهورية الإسلامية الآن بفترة من التقلبات والتوتر، وهو ما يُرتِّب على روحاني والمعتدلين أن يدرسوا بعناية أين يجب أن يدفعوا بجرأة من أجل التغيير –في محاولة رفع القيود عن خاتمي، على سبيل المثال- وأين يجب أن يسيروا بمنتهى الحذر لتجنب استدراج رد فعل علني، -في موضوع المفاوضات مع وزير الخارجية الأميركية جون كيري من أجل إنهاء الحرب الأهلية السورية، مثلاً. وقد عززت نتائج الانتخابات الأخيرة قدرة روحاني والمعتدلين على الضغط من أجل التغيير، وسوف تكون حاسمة في تحديد الطريقة التي تدار بها التوترات مع المتشددين، وما سيسفر عنه ذلك.

فرزان ثابت

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

صحيفة الغد

Print Friendly