rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

مسار الصين الاقتصادي: الرضا الذاتي والقلق العالمي

c661c08fcef64f509e5519911ea1714b_18

مقدمة

يومًا ما كانت كل الطرق تؤدي إلى روما، أمَّا اليوم فإن كل الطرق تؤدي إلى ييوو (Yiwu) أو على الأقل الحديدية منها. تُعدُّ ييوو مدينة صغيرة، وفق المعايير الصينية؛ حيث يبلغ عدد سكانها 1.3 مليون نسمة، وتقع في قلب الجزء الشرقي من مقاطعة جيجيانغ (Zhejiang) الصينية، وتُعد المحطة الشرقية لخطوط الشحن الحديدية التي تصل غربًا حتى طهران(1) ومدريد(2). وتُصدِّر إلى ألمانيا ووجهات أوروبية أخرى من خلال وجهات وسيطة مثل تشونغتشينغ (Chongqing) ووهان (Wuhan)(3). وليست وحدها خطوط السكة الحديدية التي تؤدي إلى ييوو، فهي مدينة تُعد واحدة من النقاط المركزية والرئيسية في سلسلة توريد البضائع الاستهلاكية على مستوى العالم.

كيف انتهى المطاف بهذه المدنية الصينية المغمورة إلى أن تتصدر الاقتصاد العالمي؟ فييوو تُعد موطن السلع الصينية والتي يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها سوق الجملة الأكبر على مستوى العالم(4)؛ حيث يلتقي كل من المشترين والبائعين. ومع ذلك، فالقليل جدًا من السلع يتم تصنيعه في ييوو هذه الأيام -اشتهرت المدينة في ثمانينات القرن الماضي بوصفها عاصمة العالم في تصنيع الجوارب- ولكن كل شيء يباع فيها اليوم، وغالبًا ما يُبدي الصحفيون الغربيون ولعهم برسم ملامح المدينة بوصفها سوقًا هائلة لسلع عيد الميلاد(5).

كما يقع إلى الجنوب مباشرة من مدينة ييوو منطقة صناعية تشكِّل مركزًا لصناعة زينة عيد الميلاد، حتى إنه يُطلَق عليها اسم “قرية عيد الميلاد” وتنتج ما يقرب من 60% من هذا النوع من الزينة على مستوى العالم(6). وعلى الرغم من هذا النجاح التصنيعي المتميز والحيوي على مستوى العالم، فإن العاملين في قرية عيد الميلاد يحصلون على أقل من دولار ونصف في الساعة لقاء عملهم المرهق في مصانع خطرة ومرتفعة الحرارة(7) ، وهذا ما يمثِّله الاقتصاد الصيني على نحو مختصر؛ فهو فعَّال على نحو جامح وعلى مستوى عالمي، غير أنه غير قادر على تلبية الحاجات المتزايدة لسكان الصين، الذين يمثِّلون نسبة 20% من سكان العالم، كما أن العمال الصينيين بالكاد يتدبرون أمورهم.

لكن، هل من الممكن أن يجلب المستقبل للشعب الصيني أجورًا أعلى وظروف عمل أفضل؟ هذا يعتمد على أمر واحد دون غيره، وهو: نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي يمثِّل المجموع الكلي للسلع والخدمات التي ينتجها اقتصاد ما؛ ففي سنة 2015 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 11 تريليون دولار، بينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 7990 دولار(8). وباستخدام معيار تكافؤ القوة الشرائية كمعادل لانخفاض مستوى المعيشة في الصين، فإن الناتج المحلي الإجمالي للفرد يبلغ ما يكافيء 14107 دولارات حسب المقاييس الدولية(9). وعلى الرغم من كون ذلك تحسنًا كبيرًا يُحسَب للصين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، غير أنه ما زال بعيدًا عن المستويات السائدة اليوم في الدول المتقدمة، وعلى الصين أن تضاعف من ناتجها المحلي الإجمالي لتدرك الناتج اليوناني، وأن تضاعفه ثلاث مرات لتدرك الناتج الإسباني، أما فيما يخص الولايات المتحدة الأميركية فيتوجب على الصين أن تضاعف ناتجها سبع مرات(10). نعم، من المؤكد أن الصين قد حققت كثيرًا من الإنجازات في السنوات الماضية، ولكن هل يعود ذلك إلى التحدي في إدارتها للاقتصاد والمتمثِّل في تأمين نمو سريع ودائم لناتجها المحلي الإجمالي؟

(*) مؤشر يبين الانهيار السريع في نمو الصادرات السنوي في الصين (على مدى ثلاث سنوات)، من أكثر من 15% إلى أقل من 10%. يمكن العودة إليه في الجزيرة نت

الحالة الراهنة للاقتصاد الصيني

يتطلب فهم النمو وفق نموذج ملحمي مشابه للنموذج الصيني تغييرًا في طريقة التفكير؛ فالاقتصاديون في العادة يُعرِّفون النمو وفق معدلات سنوية؛ حيث ينمو الاقتصاد في السنة الجيدة بينما يركد أو يتراجع في السنة السيئة. بيد أن النمو في الصين منذ العام 1978 لم يكن نتاجًا لإدارة اقتصادية جيدة ومتماسكة تدفع بالتقدم الاقتصادي إلى الأمام وتُجنِّبه الفقاعات الاقتصادية والركود، فالتنمية السريعة في الصين تمثِّل قصة إعادة دمج وتكيف لمرحلة ما بعد الشيوعية، ولا تمثل في الحقيقة نموًّا سنويًّا مركبًا. وعلى الرغم من نجاحها الاستثنائي، فإن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين ما زال أقل بنسبة 44% مقارنةً بنظيره في روسيا وفق معيار تكافؤ القوة الشرائية (11). وإذا ما أرادت الصين أن توفر مقياسًا لائقًا من المعيشة لشعبها، فينبغي للوضع الراهن للاقتصاد الصيني أن يكون في حالة تقدم مستمر بدلًا من أن يكون في نهايته.

ورغم أن أحدًا لا يشير إلى روسيا بوصفها نموذجًا للانتقال الناجح في مرحلة ما بعد الشيوعية، لكن الحقيقة تبقى أن الاقتصاد الروسي، من ناحية إحصائية، يقدِّم لشعبه قدرًا أكبر بكثير من الرفاهية مقارنةً بما يقدمه الاقتصاد الصيني. وهو ما يشير إلى أن الاقتصاد الصيني، وبصرف النظر عن المسار الذي يسلكه، ما زال دون مستوى فعالية أو جودة إدارة الاقتصاد الروسي. وبكلمات أخرى، ما زال أمام الاقتصاد الصيني شوط طويل ليسلكه. وطالما أن الاقتصاد الصيني كان يحقِّق نسبة نمو زادت عن 10% في كل سنة، فإن أحدًا لم يُبدِ قلقه بشأن مستقبل الصين الاقتصادي حيث بدا واضحًا أن الصين في مسار تصاعدي، وكان الأمر، في رأي معظم المراقبين، لا يتعدى مسألة وقت قبل أن تتجاوز الصين الإنجازات الاقتصادية لكلٍّ من روسيا والمكسيك والبرازيل وعدد كبير غيرها من الدول ذات الدخل المتوسط. أمَّا اليوم حيث يحقق اقتصاد الصين نموًّا يقل عن 6% سنويًّا(12)، فإن مستقبلها بات أقل وضوحًا.

غير أن السؤال الحقيقي الذي يلخِّص أداء الاقتصاد الصيني لا يتعلق بما هو عليه الناتج المحلي الإجمالي الصيني اليوم، وإنما يتعلق بمستوى توازن الناتج المحلي الإجمالي. فكلنا يعلم أن الاقتصاد الصيني يمر في مرحلة انتقالية، غير أن أحدًا لا يعلم على وجه اليقين ما الذي سيؤول إليه في نهاية هذه المرحلة. فإذا كان الجواب اقتصادًا متقدمًا على شاكلة الاقتصاد الياباني، فينبغي علينا أن نتوقع من الصين أن تستمر في مسارها التصاعدي السريع حتى سنة 2040 على الأقل. أمَّا إن كانت الصين تنتقل لتكون في مصاف الاقتصادات الرئيسية في شرق أوروبا وأميركا اللاتينية، فيمكننا أن نعتبر أن انتقالها أصبح ناجزًا.

إن إعادة اندماج الصين في الاقتصاد العالمي الواسع منذ بدايات فترة الانفتاح والإصلاح في سنة 1978، شكَّل حدثًا مفاجئًا؛ ففي أوائل الثمانينات من القرن الماضي لم تكن التجارة الدولية الصينية موجودة بالفعل؛ حيث كانت تمثِّل أقل من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها ازدادت لتصل في سنة 2006 إلى 65%(13). ولكن عند التدبر في الأحداث الماضية فإن ذلك يُعدُّ ذروة التجارة الدولية الصينية؛ حيث بدأت هذه التجارة في التراجع منذ ذلك الوقت لتصل اليوم إلى حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي(14)، كما أنها تراجعت من حيث الأرقام المطلقة حسب مستويات التجارة الدولية الصينية لسنة 2015(15). وفي السياق ذاته، تكشف الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين عن قصة مشابهة، فبعد وصولها إلى ذروة بلغت حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2006، فإنها تراجعت اليوم إلى أقل من 3%(16)، وهي استثمارات تمثِّل في معظمها أمولًا صينية تنقلت ذهابًا وإيابًا من خلال حسابات خارجية. ومن هنا، ثمة أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الصين قد أتمت الآن إعادة اندماجها في الاقتصاد العالمي.

ظهرت دلائل منذ خمس سنوات على أن الصين تتجه نحو مستويات من الناتج المحلي الإجمالي للفرد هي أقرب إلى اقتصاد متوسط الدخل منها إلى اقتصاد عالي الدخل، من أبرزها: تدهور أوضاع العاملين، والفساد المستوطن، والمستويات الكارثية من التدهور البيئي، والمستوى المتواضع من الحوكمة الاقتصادية بشكل عام(17)، وهي دلائل تبدو اليوم أكثر وضوحًا. ورغم أن الصين قد سجَّلت بشكل رسمي في سنة 2015 معدل نمو بلغ 6.9%(18)، إلا أن معظم النمو في الناتج المحلي الإجمالي للصين في الوقت الراهن يعود بشكل مباشر إلى خفض الإنفاق الحكومي(19). فالأموال تتدفق خارج البلاد بمعدل متسارع(20)، لتدعم انتعاش سوق العقارات في مدن متباينة مثل لندن وسيدني وفانكوفر(21). وبصرف النظر عن القصة التي تحاول الصين روايتها للعالم بشأن الوضع الراهن لاقتصادها، فإن أولئك الذين يعرفون بواطن الأمور لا يبدو أنهم مقتنعون بهذه الرواية، فالصين تشهد تباطؤًا في النمو، كما أن أثرياء الصين الجدد، على شاكلة أثرياء روسيا الجدد قبل عقد مضى، يندفعون نحو الأبواب للخروج.

خطة الصين الخمسية الثالثة عشرة

تمتلك الصين خطة لتنشيط اقتصادها وضبط نموها الاقتصادي المتناقص، وهي الخطة الخمسية الثالثة عشرة(22)، ونجاح هذه الخطة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي تغطي السنوات 2016-2020 أمر بالغ الأهمية للصين إذا ما أرادت تجنُّب الركود الذي يحول دون تحولها إلى دولة من ذوات “الدخول فوق المتوسطة”. وبما أنه من الواجب أن ننسب الفضل لأهله فإنها خطة عظيمة، فالصين تخطط لتُضاعِف معدل الدخول فيها عن ذلك المسجَّل في سنة 2010، وزيادة متوسط العمر المتوقع سنة واحدة، وزيادة معدلات تغطية التأمين الصحي بنسبة 100%، وبناء خمسين مطارًا جديدًا، وتوسيع خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة، وخفض تلوث الهواء 25%، والقضاء على الفقر في الأرياف، وربط 98% من القرى بشبكة الإنترنت فائقة السرعة، وخلق 50 مليون وظيفة جديدة في المدن(23). وثمة اهتمام كبير بالتوظيف في الصين؛ إذ ألقى كل من الرئيس شي جين بينغ(24)، ورئيس الوزراء لي كه تشيانغ(25)، خطابات رئيسية تركز على الحاجة إلى مستويات أعلى من التوظيف، وخاصة في أوساط الخريجين الجدد من الجامعات.

ومن الأفكار المثيرة والمستفزِّة التي تضمنتها الخطة الخمسية الثالثة عشرة، فكرة تسلطية بشكل كبير، تقترح –وببساطة- نقل 10 ملايين شخص من الفقر عن طريق إغلاق قراهم ونقلهم إلى مناطق أكثر حضرية(26)؛ حيث سيتم تحفيز العائلات على ترك قراها من خلال مخصصات الانتقال الحكومية للإسكان الحضري. وعلى المستوى الكلي فإن ذلك يبدو مفهومًا وبدرجة كبيرة حيث لم يعد الكثير من المجتمعات الريفية الصغيرة والبعيدة قابلًا للحياة في القرن الحادي والعشرين، إلا أن فرص الاستقواء والفساد في مشاريع من هذا النوع تبدو متفشية، كما ليس من الواضح ما هو المتوقع من سكان المزارع السابقين هؤلاء أن يفعلوه ليكسبوا رزقهم في بيوتهم الحضرية الجديدة.

في المقابل، يبدو اقتراح ربط كل قرية ريفية متبقية بشبكة النقل النامية أمرًا مشجعًا أكثر، لأن مبادرة من هذا النوع تدعو إلى بناء 500 ألف كلم من الطرق المعبَّدة في المناطق الريفية(27). أمَّا داخل القرى فسيتم تعبيد الشوارع بالأسفلت أو الإسمنت، وهو ما يعني 150 ألف كم إضافي من الطرق المعبدة(28). وإذا ما نجحت الصين حقًّا في ربط كل قرية ريفية بالطرق المعبدة وبشبكة الإنترنت فائق السرعة، فإن ذلك يُعدُّ في الحقيقة إنجازًا هائلًا. ومن المتوقع أن تساعد هذه المشاريع الصين على نحو كبير في رفع الدخول الريفية، وهو ما يعني أن القرى الريفية في الصين لن تبقى “ريفيةً” بالمعنى الاقتصادي، بمعنى أنها قد تبقى ريفية في بعض الجوانب لكنها لن تبقى معزولة. وبذلك فإن سكان الريف المرتبطين بشكل جيد بمحيطهم الخارجي سيتحينون أية فرصة للنجاح الاقتصادي، وإذا لم يحالفهم النجاح فإن عملية ربطهم المستحدثة من شأنها أن تُسهِّل هجرتهم إلى المدن حيث تنتظرهم فرص أكبر.

وبقدر ما تبدو خطة الصين الخمسية الجديدة واعدة على الورق، فإن الصين ستواجه تحديات جادة في تنفيذها على أرض الواقع، وأولها الإنفاق على هذه الخطة حيث يتزايد عجز الموازنة الصينية بشكل متسارع من نسبة معترف بها بلغت 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2015(29)، إلى نسبة قابلة للنقاش تزيد عن 4% في سنة 2016(30). غير أن عجز الصين الحقيقي يمكن أن يكون أعلى من ذلك بكثير، وبالقدر الذي من شأنه أن يُهدد بعدم صرف النفقات المقترحة في الخطة الخمسية(31).

وفي أوائل مايو/أيار 2016، أطلقت صحيفة الشعب اليومية الرسمية بالون اختبار، مقترحةً أنه قد يتوجب على الصين أن تخفض من حجم إنفاقها في نهاية المطاف، وأجرت مقابلة مع “شخص مسؤول” (وهي صفة تشير إلى مسؤول حزبي كبير) لم تفصح عن اسمه أشارَ إلى أن الصين قد تدخل في فترة طويلة من النمو البطيء يستحيل خلالها الاستمرار في نفس المعدلات العالية من عجز الإنفاق(32)، وهو ما يعني أن البلاد قد تراجعت عن توقعاتها بشأن تحقيق وعودها، وذلك بعد عدَّة أشهر فقط من الشروع في خطتها الخمسية الطموحة والمثيرة للإعجاب، والتي سيدخل بها الاقتصاد الصيني القرن الحادي والعشرين.

التداعيات على الشرق الأوسط والعالم

سواء كان متجهًا للأفضل أو للأسوأ، فإن الاقتصاد الصيني لن يبرح مكانه. ومن هنا ستستمر القطارات المحمَّلة بزينة عيد الميلاد بالتدفق من ييوو متجهةً إلى أوروبا، وإلى ما له قيمة أكبر؛ إذ من المرجح أن تظهر زينة عيد النوروز الصينية على الرفوف في إيران في شهر مارس/آذار من كل سنة. ذلك أن الصين تتموضع بقوة في مركز سلسلة توريد المصنوعات العالمية، وستبقى في هذا المكان؛ فالتوقف المفاجيء للنمو لا يعنى بأية حال انهيار الاقتصاد الصيني، إلا أنه مؤشر على مدى الاستقرار الاقتصادي، وهذا الأخير يعد بحد ذاته، من منظور تجربة العقود الأربعة الماضية، أمرًا ضروريًّا لانطلاقة الصين. فالشركات التي كانت تتوقع على الدوام وبجهود سهلة نمو مبيعاتها برقمين في الصين، يتوجب عليها الآن أن تتقبل الحقائق الجديدة. ستبقى الصين في المستقبل سوقًا كبيرة بل وسوقًا ضخمة، غير أنها لن تكون سوقًا متوسعة، بل ربما يتقلَّص السوق الصيني بحلول سنة 2020 مع هذا النمو البطيء للناتج المحلي الإجمالي للفرد إضافة إلى التناقص الوشيك في أعداد السكان.

ومن المتوقع أن يكون مُصدِّرو جميع أنواع السلع أول المتضررين نتيجة تراجع النمو الصيني، وهو ما يتضمن النفط، مع العلم بأن العديد منهم قد تضرَّر بالفعل، ومن المتوقع أن يتضرر جميعهم قريبًا. ويتوقع البنك الدولي أن تزداد واردات البضائع إلى الصين بأقل من 1 بالمئة في سنة 2016 و2017 وعلى امتداد فترة طويلة قادمة لتستقر على معدل نمو سنوي يبلغ 2.5% فقط(33)، وهو ما يُعدُّ مختلفًا كل الاختلاف عن الزيادات السابقة التي بلغت أكثر من 20% سنويًا، وقد تكون توقعات البنك الدولي متفائلة بشكل مُفرِط، ذلك أن سوق البضائع الترفيهية في الصين قد تدهور بالفعل(34). ويعزو الخبراء ذلك إلى الحملة الشرسة ضد الفساد التي يقودها الرئيس تشي جين بينغ، كما أن الطفرة الاقتصادية في الصين قد بلغت نهايتها، ما قلَّص وبشكل كبير من فرص جني أرباح كبيرة هناك.

 وتُعدُّ الدول المجاورة للصين المجموعة الأخرى من المتضررين نتيجة تراجع النمو في البلاد، وتحديدًا تلك التي انخرطت في مبادرة الصين “حزام واحد، طريق واحدة”، فهذه الدول التي تلقت وعودًا صينية بالمساعدة في إطار هذه المبادرة قد تشعر بخيبة أمل كبيرة. فالصين حصلت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين على الكثير من الأموال دون كثير عناء، وبما أن المستهلكين في الصين قد اتجهوا نحو شراء سلع ترفيهية باهظة الثمن، فقد شرعت الدولة الصينية في تمويل مشاريع تنموية باهظة التكلفة عبر الشرق الأوسط، وإفريقيا وغيرهما. والآن وبسبب نفاد الأموال يُتوقَّع أن تحذو الدولة الصينية حذو المستهلكين الصينيين في خفض النفقات، وعندما تضطر الحكومة الصينية إلى الاختيار بين بناء طرق في الريف الباكستاني وبناء طرق في الريف الصيني، فمن الصعب التخيل أن يعتمد هذا البلد -الطموح والحذر في الوقت ذاته- الخيارَ الأول، ومن هنا يُتوقع أن العديد من هذه الوعود لتلك الدول لن يتم تحقيقها.

يؤشِّر الاقتصاد الصيني، منذ 1978 وعلى امتداد 38 سنة، إلى اتجاه واحد ألا وهو الصعود. فالاقتصاد الصيني حقق نموًّا وصل به إلى مصاف ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، كما نمت الأسواق المتواضعة، مثل تلك في ييوو، ضمن هذا السياق لتصبح مراكز مهمة في الاقتصاد العالمي. وبهذا لم تكن الصين تنمو فقط بل حققت بهذا أيضًا اندماجًا لتجد لها مكانًا في قلب الاقتصاد العالمي، وهو اندماج أكمل مجراه في ضوء التوقف المفاجيء للنمو الصيني. وتُعد الصين الآن أهم دولة ذات دخل متوسط على مستوى العالم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الهند تتموضع جغرافيًّا على نحو سيء فيما يخص الاندماج العالمي، فمن المرجح أن تبقى الصين الدولة ذات الدخل المتوسط الأكثر أهمية في العالم، وذلك لفترة طويلة في المستقبل لا يمكن تحديدها. لكنها ستبقى دولة ذات دخل متوسط، وهو أمر سيُعدُّ مصدر ارتياح لمنافسيها الاستراتيجيين، وبالنسبة للمورِّدين إلى الصين فهو شبه مأساة، أما بالنسبة للشعب الصيني فيعد ذلك وببساطة “جيِّد بما فيه الكفاية”.

_______________________________

 سالفاتور بابونس:مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(*) مصدر مؤشر الانهيار السريع في نمو صادرات الصين: الجزيرة نت، في مقالة جيفري ساكس، الاقتصاد الصيني في مواجهة الضغوط الأميركية، 21 نوفمبر/تشرين الأول 2015. إضغط هنا.

(1) C. Putz (2016) ‘First Direct Train from China Arrives in Iran’, The Diplomat, 16 February, http://thediplomat.com/2016/02/first-direct-train-from-china-arrives-in-iran(accessed 25 May 2016).

(2) A. Dawber (2015) ‘China to Spain Cargo Train: Successful First 16,156-Mile Round Trip on World’s Longest Railway Brings Promise of Increased Trade’, The Independent, 25 February, http://www.independent.co.uk/news/world/europe/china-to-spain-cargo-train-successful-first-16156-mile-round-trip-on-worlds-longest-railway-brings-10067895.html (accessed 25 May 2016).

(3) J. Kemp (2016) ‘China Develops Asia-Europe Rail Corridor, Tripling Freight Service in 4 Years’, Australian Financial Review, 8 April, http://www.afr.com/business/transport/trains/china-develops-asiaeurope-rail-corridor-tripling-freight-service-in-4-years-20160408-go1h9e (accessed 25 May 2016).

(4) X. Chen (2015) ‘China’s Key Cities: From Local Places to Global Players’, World Financial Review, 1 December, http://www.worldfinancialreview.com/?p=4692 (accessed 25 May 2016).

(5) O. Wainwright (2014) ‘Santa’s Real Workshop: The Town in China that Makes the World’s Christmas Decorations’, The Guardian, 19 December, https://www.theguardian.com/artanddesign/architecture-design-blog/2014/dec/19/santas-real-workshop-the-town-in-china-that-makes-the-worlds-christmas-decorations (accessed 25 May 2016).

(6) China Daily (2014) ‘Creating Christmas for the World’, China Daily, 17 December, http://m.chinadaily.com.cn/en/2014-12/17/content_19104654.htm (accessed 25 May 2016).

(7) M. Broomfield (2015) ‘Yiwu Christmas Village: The Chinese City Making the World’s Decorations’, The Independent, 25 December, http://www.independent.co.uk/news/world/yiwu-christmas-village-the-chinese-city-making-the-worlds-decorations-a6773146.html (accessed 25 May 2016).

(8) International Monetary Fund (2016) ‘World Economic Outlook Database’, IMF, 19 January, https://www.imf.org/external/pubs/ft/weo/2015/02/weodata/index.aspx (accessed 25 May 2016).

(9) Ibid.

(10) Ibid.

(11) Ibid.

(12) Ibid.

(13) World Development Indicators (2016) ‘Trade (% of GDP)’, World Bank, http://data.worldbank.org/indicator/NE.TRD.GNFS.ZS (accessed 25 May 2016).

(14) Ibid.

(15) IMF (2016).

(16) World Bank (2016).

(17) S. Babones (2011) ‘The Middling Kingdom: The Hype and the Reality of China’s Rise’, Foreign Affairs, Vol. 90 (5), pp. 79-88.

(18) National Bureau of Statistics of China (2016) ‘China’s Economy Realized a Moderate but Stable and Sound Growth in 2015,” NBS, 19 January, http://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/201601/t20160119_1306072.html (accessed 25 May 2016).

(19) S. Babones (2016) ‘China’s True Economic Growth Rate,” AlJazeera, 19 February, http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2016/02/china-true-economic-growth-rate-160217134132315.html (accessed 21 May 2016).

(20) N. Smith (2016) ‘Capital Flight Delivers a Verdict on China’, Bloomberg View, 29 February, https://www.bloomberg.com/view/articles/2016-02-29/capital-flight-delivers-a-verdict-on-china-s-economy (accessed 25 May 2016).

(21) Knight Frank Research (2016) ‘Chinese Outward Real Estate Investment: New Waves, New Destinations’, Knight Frank, February, http://www.knightfrank.com.au/research/chinese-outbound-real-estate-investment-feb-2016-3554.aspx (accessed 25 May 2016).

(22) China Daily (2016) ‘Focus on China’s 13th Five-Year Plan’, China Daily, undated, http://www.chinadaily.com.cn/china/13thfiveyearplan (accessed 25 May 2016).

(23) China Daily (2016) ‘How Our Lives Will Change in Five Years’, China Daily, undated, http://www.chinadaily.com.cn/china/2016-03/14/content_23849237.htm (accessed 25 May 2016).

(24) People’s Daily (2016) ‘Xi Calls for People-Centric Reform Measures, Stresses Employment’, Xinhua, 27 April, http://en.people.cn/n3/2016/0427/c90000-9050567.html (accessed 25 May 2016).

(25) People’s Daily (2016) ‘Premier Stresses Employment as China’s Economy Slows’, Xinhua, 7 May, http://en.people.cn/n3/2016/0507/c90785-9054425.html (accessed 25 May 2016).

(26) Shanghai Daily (2016) ‘Xinhua Insight: More Chinese Farmers Move Out of Poverty’, Shanghai Daily, 4 March, http://www.shanghaidaily.com/article/article_xinhua.aspx?id=322169(accessed 25 May 2016).

(27) CCTV (2016) ‘China 13th Five-Year Plan: China’s Transportation Network’, CCTV, 5 May, http://english.cctv.com/2016/05/05/VIDE8F7KZlzdZTnT5UR4h7Up160505.shtml (accessed 25 May 2016).

(28) China Daily (2016) ‘The Infrastructure Projects Planned in the 13th Five-Year Plan’, China Daily, undated, http://www.chinadaily.com.cn/china/2016twosession/2016-03/10/content_23805595.htm (accessed 25 May 2016).

(29) Xinhua Finance (2015) ‘China to Raise Budget Deficit Ratio in 2016’, Xinhua Finance, 29 December, http://en.xinfinance.com/html/Policy/2015/182417.shtml(accessed 25 May 2016).

(30) A. Jourdan (2016) ‘China Could Raise Budget Deficit to Top 4 Percent of GDP – PBOC Researcher’, Reuters, 25 February, http://uk.reuters.com/article/uk-china-cenbank-debt-idUKKCN0VY051 (accessed 25 May 2016).

(31) S. Babones (2016) ‘China’s Five Year Plan Fantasy’, AlJazeera, 5 March, http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2016/03/china-year-plan-fantasy-160302100819192.html (accessed 25 May 2016).

(32) S. Shen, P. Sweeney, and K. Yao (2016) ‘China Debt-Fueled Stimulus May Lead to Recession – People’s Daily’, Reuters, 9 May, http://www.reuters.com/article/us-china-economy-trend-idUSKCN0Y003W (accessed 25 May 2016).

(33) IMF (2016).

(34) D. Hewitt (2016) ‘How China’s Anti-Corruption Campaign Is Putting Pressure on a Slowing Economy’, International Business Times, 22 March, http://www.ibtimes.com/how-chinas-anti-corruption-campaign-putting-pressure-slowing-economy-2308834 (retrieved 25 May 2016).

Print Friendly