كيف تحولت تركيا إلى ميدان معركة لحروب الشرق الأوسط؟

كيف تحولت تركيا إلى ميدان معركة لحروب الشرق الأوسط؟

تفجير-مطار-تركيا

كان حلماً رائعاً بالنسبة لشاب يافع من جزء يعاني الكبت الاقتصادي في جنوب غرب إيران: العيش في اسطنبول الحضرية، والعمل كدليل للسياح من مطار أتاتورك الذي يعج بالنشاط إلى فنادقهم. وقبل الساعة العاشرة من مساء يوم الثلاثاء، كان رادمهر سيبانتان يقف خارج قاعة الوصول في انتظار الوصول الروتيني لدفعة أخرى من المسافرين القادمين من طهران. كان ذلك عندما انفجرت أول قنبلة.
وقال رادمهر سيبانتان، البالغ من العمر 31 عاماً من مدينة عبدان الإيرانية: “انفجرت خارج باب المغادرة.. فذهبت إلى الموقع لأنني شاهدت بعض الناس وقد غطتهم الدماء وأردت تقديم المساعدة”.
وكان ذلك إلهاماً ربما أنقذ حياته خلال الهجوم الذي ضم ثلاثة مفجرين انتحاريين وأغرق ثالث أنشط مطار أوروبي في ليلة من الموت والفوضى والرعب.
وبينما كان يتم غسل الدماء وإزالة الزجاج المكسور والحطام عن الأرض في ساعات الصباح، ارتفع عدد الخسائر البشرية إلى 41 قتيلاً و239 جريحاً على الأقل.
بالنسبة لتركيا، أشر الهجوم على نقطة تحول للعنف في عام شهد تحول بلد عرف ذات مرة باقتصاده المنتعش إلى مركز لوجستي وميدان معركة لحروب الشرق الأوسط -المدفوعة بالسياسة والمنغمسة بالعداوات الطائفية والإثنية- وإلى مغناطس للإرهاب. وقد قتل نحو 671 شخصاً وجرح 1719 آخرون على الأقل جراء هجمات نفذها الانفصاليون الأكراد والمتطرفون الإسلامويون، وفقا لاحصاءات جمعتها مؤسسة فيريسك مابلكروفت لإدارة المخاطر.
لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم على المطار بعد. لكن المسؤولين والخبراء الأمنيين الأتراك يقولون إن الهجوم يحمل بصمات “داعش” الذي يقاتل تحالفاً بقيادة الولايات المتحدة ويضم تركيا، من أجل التمسك بخلافته المعلنة ذاتياً والممتدة في شمالي سورية والعراق. ويضع الهجوم بالغ الشدة تركيا تحت ضغط متزايد في حين تكافح مع تهديدات متعددة أخرى، كما أنه عكس ما يعتبره العديد من المسؤولين والخبراء الأمنيين استمراراً لقدرة “داعش”، حتى وهو يخسر الناشطين والأراضي لصالح التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
يقول منديريس سينار، عالم السياسة في جامعة باسكنت في اسطنبول: “ربما يكون صحيحاً أن داعش نفذ الهجوم. لكننا نلاحظ تحولاً. في السابق كانوا يستهدفون الأكراد. والآن منذ انقلبت الحكومة أخيراً ضدهم، أصبحوا يستهدفون الدولة التركية والأتراك”.
وكان ستيبانتان والحشد الضخم من الزملاء من أدلة السياحة ووكلاء السفر والسائقين الذين يكسبون عيشهم من المسافرين في قاعة الوصول في مطار أتاتورك، قد هرعوا لمساعدة الذين جرحوا جراء التفجير الذي وقع في محطة القادمين. وقال: “كنا نجر الأجساد الواحد تلو الآخر، الجرحى والموتى”. حدث ذلك عندما انفجرت القنبلة الثانية، داخل المحطة هذه المرة: “كان شيئاً مرعباً جداً”.
وفي مكان آخر من القاعة، كان مفجر انتحاري ثالث قد تمكن من الدخول بطريقة ما، وأخذ يطلق النار من بندقية هجومية على المسافرين قبل أن يرديه قتيلاً واحد أو أكثر من ضباط الأمن، وفق ما أظهره شريط فيديو بُث على الإنترنت. وأظهره الفيلم وهو ممدد على الأرض وقد سقط سلاحه من بين يديه، واقترب منه رجل أمن وأطلق النار عليه عدة مرات وابتعد بسرعة قبل أن ينسف المهاجِم نفسه. ويقول مسؤولون أتراك أن رجل الأمن التركي البطولي نجا من الهجوم.
كان الصحفي العراقي ستيف نبيل وزوجته يمران بقاعة الترانزيت لقضاء شهر العسل عندما وقع الهجوم. وكتب ستيف نبيل على حسابه في تويتر: “كانت زوجتي جالسة في مقهى نيرو بينما اتجهت أنا إلى الطابق الثالث لشراء طعام من سبارو.  سمعت صوت طلقات نارية. فعدت راكضاً وهبطت الأدراج لأرى القاعة خالية والإرهابي يطلق النار في اتجاهنا”.
واستطاع العروسان الدخول إلى صالون للشعر حيث وجدا ملجأ في داخل خزانة. وكتب نبيل: “صرخات الضحايا والدم في كل مكان جعلتنا لا ننام. حدق طفل في الدم مرعوبا مصدوماً. إنها أطول 45 دقيقة في حياتي على الإطلاق”.
وثمة مسافرون آخرون، بمن فيهم دبلوماسي غربي كان قد وصل إلى المدينة قادماً من العاصمة أنقرة، والذي وصف حالة الرعب التي سادت عندما تم إخراجهم من أحد أقسام المطار الكبير إلى قسم آخر حسب تعليمات مسؤولي الأمن الأتراك المرتبكين.

“هذه الهجمات هي فشل للسياسة التركية”
وقال ترايس، رجل الأعمال الكونغولي البالغ من العمر 36 عاماً والذي كان مسافراً مع أخيه إلى اسطنبول: “كان كل شيء على ما يرام. وفجأة وقع انفجار أفزع الجميع، ثم تلاه انفجار آخر أرعب الجميع تماماً. لم نعرف إلى أين نتجه لأننا خشينا وقوع المزيد من الانفجارات”.
في الأعوام الأخيرة، أصبح مطار أتاتورك رمزاً لطموحات تركيا العالمية، مستضيفاً خطوط الطيران العالمية الأسرع نمواً، بروابط تمتد إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا وأميركا الشمالية. ولأنه سمي تيمناً بالمؤسس العلماني لتركيا، مصطفى كمال أتاتورك، الذي فكك الخلافة العثمانية في العام 1924، لا بد أن يكون مطار أتاتورك قد شكل هدفاً مغرياً لتنظيم “داعش”. وكان “داعش” قد أصدر في آب (أغسطس) الماضي شريط فيديو يدعو الأتراك إلى الثورة على الرئيس رجب طيب أردوغان والمساعدة في احتلال اسطنبول.
يقول أنتوني سكينر، المتخصص في الشأن التركي في مؤسسة فيريسك مابلكروفت: “إن داعش في حالة حرب مع الدولة التركية”. ويضيف: “تشكل الحكومة التركية واسطنبول، العاصمة السابقة للإمبراطورية العثمانية، قيمة رمزية كبيرة للمجموعة المسلحة المتشددة”.
يمتاز مطار أتاتورك بأنه واحد من أفضل المطارات حراسة في العالم. وتتم عملية تفتيش المسافرين والزائرين وتمرير حقائبهم على ماكنات أشعة “إكس” قبل دخولهم قاعات الوصول أو قاعات المغادرة. وكما أظهرت الخبرة الأميركية في العراق، فإن إضافة طبقات من حراس الأمن ونقاط التفتيش لا تفعل سوى النزر اليسير لحماية المدنيين من الإرهابيين العازمين على إلحاق الحد الأقصى من الضرر.
وقال سكينر: “كان يمكن أن يكون هجوم مطار أتاتورك في اسطنبول أكثر إماتة بكثير لولا الإجراءات الأمنية الموجودة، ولولا استجابة أمن المطار. لا يستطيع أي جهاز أمني أن يحتوي بفعالية ويحيد التهديد الذي تواجهه تركيا اليوم”.
لكن بعض الخبراء الأمنيين أشاروا إلى مواطن فشل مخابراتية وسياسية أوسع، قد تكون وراء المساهمة في التهديدات الأمنية التي يتعرض لها البلد راهناً. وكانت تركيا قد أعلنت يوم الأربعاء أنها قصفت 15 موقعاً لداعش في سورية في اليوم السابق، لكن تركيا كانت قد غضت الطرف أصلاً عن المقاتلين الأجانب الذين يمرون عبر البلد للانضمام إلى مجموعات الثوار التي تقاتل نظام الأسد في سورية. ولقد انضم بعض هؤلاء المقاتلين إلى ما أصبح يعرف باسم “داعش”.
وقال سينار: “هذه الهجمات هي فشل للسياسة التركية. في البداية ركزوا على قضايا أخرى بدلاً من التركيز على داعش”.
في الأثناء، تجد تركيا نفسها في وضع جغرافي واستراتيجي هش بطريقة فريدة. وهذا الأسبوع، وفي مواجهة تهديدات متعددة، أعلنت تركيا عن التوصل إلى حل للنزاع طويل الأجل مع إسرائيل، وبدت مستعدة لإجراء تعديلات مع روسيا حول موضوع إسقاط الطائرة المقاتلة الروسية فوق سورية في العام الماضي. ووصف مسؤولون أتراك هذه التحركات كجزء من جهد يرمي إلى إظهار أن أنقرة تسعى للتخفيف إلى الحد الأدنى من التوترات مع البلدان الأخرى.
وقال سنان أولغِن، المتخصص في الشؤون التركية في معهد كارنيغي للسلام الدولي: “كان هناك تقييم بأن الحالة الإقليمية ستستمر في أن تكون خطيرة. للمستقبل المنظور سوف تستمر المنطقة في توليد الاضطرابات وانعدام الأمن. ولذلك لا تستطيع تركيا الاستمرار مع هذه العلاقات المتضررة”.
ويقول بعض المحللين أن الهجوم على مطار أتاتورك مرتبط بالتقارب التركي-الإسرائيلي الأخير بعد أعوام من التوتر الذي ساد بسبب مقتل تسعة من النشطاء الأتراك الذين كانوا في مهمة إنسانية في غزة في العام 2010. والأكثر احتمالاً أن الأمر كان على العكس من ذلك: كان الدافع وراء الصفقة مع إسرائيل هو حاجة تركيا إلى أصدقاء خلال الأوقات العصيبة.
بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون “داعش” قد أمضى أسابيع أو أكثر في التخطيط لعملية الهجوم على المطار. فقد تطلبت العملية تخصيص وتدريب ثلاثة مفجرين لإنجاز المهمة، وتأمين منازل آمنة متعددة وداعمين لوجستيين للمفجرين، وشراء أو تصنيع متفجرات وأسلحة أوتوماتيكية لاستخدامها في الهجوم، ونقل المفجرين والمعدات إلى اسطنبول.
وبمجرد وضع القطع في مكانها، سيكون على الخلية أن تقوم بتصنيع القنابل وأجهزة التفجير الانتحاري، حيث يتطلب صنع القنبلة الثابت والفعال مهارات وجهدا كبيرين، بالإضافة إلى مكان آمن يكون منفصلاً عن المفجرين أنفسهم.
من جهة أخرى، أعرب المتابعون عن حيرتهم من رفض “داعش” تبني الهجمات في تركيا بينما يفاخر دائماً بتنفيذ عمليات أخرى في كل أنحاء العالم، ويتبنى على نحو مشكوك فيه عمليات قتل يُرجح أنه لم يكن له فيها أي دور عملياتي. وقال أيمن التميمي، المدون والخبير البارز في شؤون “داعش” إن المجموعة تريد على الأرجح معاقبة أنقرة لدورها في الائتلاف المعادي للتنظيم، وإنما من دون إجبار الحكومة على شن حملة واسعة النطاق ضد الأصول الكبيرة التي ما تزال المجموعة تحتفظ بها داخل تركيا.
وقال التميمي في مقابلة: “إنهم لا يريدون استدراج مزيد من التدخل التركي المباشر بالإعلان عن مسؤوليتهم عن هذه الهجمات واسعة النطاق”. لكن المجموعة تواصل شن عدد من الهجمات بهدف “زرع الشك والخوف في تركيا”.

بورزو داراغاي، وميتش بروثيرو

ترجمة: عبدالرحمن الحسيني

صحيفة الغد