rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

أردوغان يقضي على الكمالية

148148877-e1343601110772

هي أزمة هوية عاشتها تركيا وتعيشها. أزمة عصفت بالسلطنة العثمانية ولم تنتهِ مع الكمالية وفرض العلمانية على جماعات إسلامية تعيش في حدود الدولة الحديثة. في تركيا، بحدودها الحالية، سنّة وعلويون وعرب وأكراد وأرمن ومسيحيون وبوسنيون وأذريون. استطاع أتاتورك جمع كل هذه المكونات في دولة واحدة بقوة السلاح. وفرض عليها التوجه غرباً لـ «التخلص من التخلف»، على ما كان يقول. لكن، خلال أكثر من 90 عاماً على تأسيس الدولة، مرت هذه المكونات بتجارب كثيرة ولم يتح لها الاندماج الكلي في مجتمع واحد، خلافاً للظاهر على المستوى السياسي.

في بحث عنوانه «الهوية التركية والسياسة الخارجية: صعود العثمانية الجديدة»، نشرته مجلة «مراصد» في عددها الأول عام 1999، يستشهد الباحث التركي حاقان يافوز بهايدغر الذي يرى أن الهوية ليست معطى كاملاً، بل هي «صيرورة في تشكل دائم». ويستنتج أن هذه الصيرورة، خصوصاً في تركيا التي تحولت من إمبراطورية إلى دولة أمة فيها مختلف الطوائف والأعراق، ما زالت الهوية في طور التكون وهي خاضعة لعوامل داخلية وخارجية كثيرة، فالإسلام المفترض فيه أن يكون جامعاً لكل الشعوب والأعراق لم يحل دون ثورة الأكراد المستمرة منذ الثمانينات، مطالبين بالاستقلال.

واقع الأمر أن الجيش الذي في عقيدته المحافظة على وحدة البلاد وعلمانية الدولة، واتخذ ذلك حجة لثلاثة انقلابات، بدأ، مع تطور المجتمع اقتصادياً وثقافياً، ومع بروز المؤسسات الخاصة، يرخي قبضته ويتراجع عن تشدده. فقد كان في حاجة إلى الإسلاميين لمحاربة الشيوعية، استخدمهم مثل غيره في الشرق الأوسط، لمواجهة المد الماركسي. أيد هؤلاء الإسلاميون انقلابه عام 1980، خصوصاً بعدما شن حملة على اليساريين، وطرد أكثر من ألف أستاذ جامعي يساري، وعين بدلاً منهم أساتذة ذوي ميول إسلامية. وسمح لحكومة بولند أوسلو (1980 – 1983) بتبني الإسلام كأيديولوجيا لتأكيد البعد الديني للهوية. وفرض على الضباط الصغار تلقي دروس دينية.

بعد أوسلو تولى رئاسة الحكومة تورغوت أوزال (1989 – 1993)، وكان متمسكاً بالهوية الإسلامية، وأكثر رؤساء الوزراء نشاطاً في أسلمة الدولة. في عهده بدأ دمج الديني بالسياسي، برضا الجيش الذي أحس بأنه منفصل عن المجتمع، وبعد هذا الانقلاب الشهير، أسس جهاز تخطيط استطاع إعادة التعليم الديني إلى المدارس الحكومية باعتباره عنصراً من عناصر الوحدة القومية، بدلاً من النظرية الكمالية وعودتها إلى الحضارتين الحثية والسومرية (ما علاقة الأتراك بهاتين الحضارتين؟). عام 1997، كان في تركيا 561 مدرسة لتخريج الأئمة وخلال سنوات قليلة سمح بفتح مئتي مدرسة جديدة، وانتقل التعليم الديني إلى الجامعات، بتمويل من القطاع الخاص، وسمح مسعود يلماظ وتحالف نجم الدين أربكان – طانسو تشيلر بتوظيف خريجي هذه المدارس في المؤسسات العامة، ففقدت النخبة العلمانية تميزها.

بعد انتشار التعليم الديني وتعزيزه، بدعم من الجيش الذي توهم أنه يستطيع السيطرة على هذه الظاهرة، بدأت الأحزاب، على مختلف توجهاتها، تتقرب من الإسلاميين للفوز في الانتخابات، فمعظم الشعب التركي مسلم. هكذا، فاز الإسلاميون في كل المعارك الانتخابية.

أردوغان ليس ظاهرة هبطت من السماء، بل هو تتويج لهذه المسيرة الطويلة في البحث عن الهوية. وقد استند إلى المؤسسات التي أرساها السابقون ليطرح مع داود أوغلو مفهوم العثمانية الجديدة. لكنهما، برضا الجيش، كرّسا إسلامية القومية التركية، فالعودة إلى زمن السلاطين غير ممكنة. من هنا، كانت العزلة التي وقعت فيها أنقرة. عزلة في الداخل عن المكونات غير الإسلامية، وفي الخارج، عن باقي القوميات في آسيا الوسطى والقوقاز، على رغم أن الغالبية في هذه الدول إسلامية.

الانقلاب الأخير الذي يقوده أردوغان، على «الدولة الموازية»، وطرده أكثر من خمسين ألف تركي من الجيش والجامعات، وإعلانه حال الطوارئ لاستكمال انقلابه على مؤسسات الدولة والمجتمع سيقضي على ما تبقى من علمانية أتاتورك، حتى لو اتخذ قراراته مظللاً بصورته. لكن لاستكماله هذه المهمة عليه أن يخوض معارك داخلية كثيرة، وربما انقلابات و «ثورات»، فضلاً عن مواجهة الأخطار المحيطة به، من العراق وسورية، وعن الجرح الكردي النازف منذ الثمانينات.

كم كان الخطأ كبيراً عندما راهنت النخب العربية وأوروبا على زواج الديني والعلماني، من دون أن ينتبه أحد إلى أن الهوية «صيرورة» على ما قال هايدغر.

مصطفى الزين

صحيفة الحياة اللندنية

Print Friendly