rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

هل تنتهي وظيفة داعش في العراق

_146945974215

في الحروب والأزمات الكبرى تتحد الأوطان ويتسامى الحكام عن الصغائر والضغائن والدوافع الحزبية والطائفية الضيقة كالانتقام والثأر والكراهية من أجل قضية كبيرة ومقدسة هي التحرير من المحتلين مهما كانت هوياتهم، ويبحث الحكام عن كل الوسائل التي تربط نسيج اللحمة بين الناس والسلطة، ويرتفع صوت عسكري واحد يعبر عن وقائع المعارك وحيثياتها هو صوت الجيش الوطني وليس عصائب ميليشياوية مذهبية وطائفية، ويُستدعى الخبراء والعلماء والمثقفون من الخارج للعمل داخل الوطن لرفد التعبئة الوطنية العامة، وتوضع كل التسهيلات أمامهم لهذا الهدف، وتضطر الدول والحكومات في الظروف الاستثنائية لفتح مساحات لفضاءات جديدة للحوار والمصالحات التاريخية مع المعارضين من أبناء البلد فيتم إطلاق سراح السجناء والمعتقلين، وترتفع على الجبهات راية واحدة هي راية الوطن التي تلف بها جثامين الشهداء وتختفي الرايات الحزبية والطائفية، هي الراية ذاتها التي تلتف حول أكتاف اللاعبين في ساحات كرة القدم حينما ينتصرون لمحبيهم والمعجبين بهم.

هذا ما حصل في التاريخ ويحصل في الحاضر عند الشعوب والأمم التي تحترم نفسها، وتتولى مسؤوليات الحكم فيها قوى نابعة من إرادة الناس بشكل حقيقي.

لكن في عراق اليوم المعادلة مختلفة، ورأس الهرم مقلوب، لسبب جوهري يتعلق بطبيعة النظام السياسي وليد الاحتلال وصناعته، ولهذا تتراجع إرادة تحرير البلد وفق المعايير الوطنية لعدم وجود أرضية لها في عقول سياسيي الأحزاب والكتل السياسية التي تسلمت الحكم من المحتل واشتغلت تحت إدارته لثماني سنوات، فكيف يمكن تصور أن هؤلاء السياسيين لديهم قدرة النضال من أجل التحرير من داعش، وهم الذين لم يحرروا بلدهم من الاحتلال الأميركي، بل قايضوا هذه القيمة العظيمة بهدف إسقاط نظام صدام حسين، ثم استلموا الحكم هدية تلك المقايضة الرخيصة، وبذلك بدأ شوط من التزوير والتحريف.

فالمقاوم للاحتلال الأجنبي من غير تلك الأحزاب يتحول إلى إرهابي، والرافض للطائفية المقيتة يصبح داعشيا، وهذا التصالح المريب ما بين الاحتلال الأميركي وتلك الأحزاب أدى إلى جميع الكوارث اللاحقة، ومن أبرزها تسهيل دخول داعش واجتياحه لثلث أرض العراق وعلى رأسها الموصل، ومن شذ عن هذه القاعدة من بين رجال الدين الشيعة السياسيين الذين ظهروا على الساحة العراقية بعد عام 2003 هو مقتدى الصدر الذي انتظم في المقاومة العراقية المسلحة رغم أنه لم ينسق مع باقي الفصائل الأخرى بسبب تأثيرات اللعبة الطائفية التي أخذت في النمو السريع بعد قيام سلطة الاحتلال عام 2003، وقد وصفت تلك الفصائل “بالمقاومة السنية”. لقد سجل مقتدى الصدر موقفا شريفا ووطنيا يحسب له أمام التاريخ، ولذلك لا يحبه الآخرون من شركائه في نظام الحكم الحالي.

هذه الأرضية الفكرية والسياسية لأحزاب الحكم الجديد هي التي قادت إلى الارتهان للأميركي المحتل، فكيف لها أن تتعاطى وفق مقاييس الحرب الوطنية مع المحتل الداعشي الجديد وهو مجموعة من المتطرفين المستغلين للشعار الإسلامي الطائفي المقابل للشعار الإسلامي الشيعي المتطرف. ولقد اضطر أحد منظري المجلس الإسلامي للحكيم إلى وصف تنظيم داعش بأنه “أمة” وليس تنظيما يمكن مكافحته بالوسائل العسكرية التقليدية، وهو وصف طائفي.

اجتاح الداعشيون أرض العراق بتسهيلات جيوسياسية ولوجستية أدواتها جهات محلية ليست بعيدة عن السلطة، ولهذا لم يتم الكشف عن التقرير التحقيقي البرلماني حول أسرار ذلك الاجتياح الدراماتيكي في المـوصل وما بعده الـذي أهين فيه عنـوان الجيش العراقي الجديـد بعد إهانته بحله من قبل بول بريمر في أبريل 2003.

لقد اختار الداعشيون، بتدبير الكبار، المناطق العربية من هذا البلد التي أخذت العنوان الجديد وهو “المحافظات السنية” لكي ينفتح الطريق أمام لعبة تشظي المجتمع العراقي وتفكيكه طائفيا وتصعيد الصدام والاحتراب بين أبنائه، ومواصلة مشروع الاستهداف الطائفي المسلح للعرب السنة بعد اتهامهم بالتواطؤ مع داعش، ولكي تستخدم معركة طرد داعش من العراق لأغراض سياسية تعزز مكانة الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران عبر تضخيم وتقديس “الحشد الشعبي” والانتقال إلى صفحة “ما بعد داعش” بعد أن يتم تنظيف الطريق أمام تلك الميليشيات للوصول إلى السلطة في بغداد بتأثير إيراني أكبر مما هو عليه اليوم، لأن إيران تخشى من المفاجآت السياسية داخل منظومة الحكم القائم.

كما تخشى من التطورات الجيوسياسية لإقليم كردستان ومصيره المستقبلي القريب بعد الاتفاقية العسكرية الأميركية الكردية أخيرا. وداعش يؤدي وظيفة كبيرة ونمطا جديدا لتصعيد الحروب الطائفية في المنطقة العربية، لتعزيز هيمنة إيران في العراق وسوريا مقابل بقاء الهيمنة الأميركية في إدارة الصراعـات المحلية وسط مناخ الفوضى العالمية، ولهذا أطلق الأميركان على حملتهم ضد داعش صفة “العالمية” مع أنهم هم الذين صنعوا القاعدة (أم داعش) في أفغانستان بالمال العربي.

وهذه ليست فرضية نابعة من عقلية المؤامرة، وقد تمرد تنظيم بن لادن بالقـاعدة على الراعي الأميركي في العراق عام 2004 و2005 ولهذا اضطروا إلى محاربته باللجوء إلى العشائر العربية في الأنبار بواسطة “الصحوات”، كما أن الزرقاوي منظر داعش في العراق ظل طليقا بعلم المخابرات الأميركية إلى حين قرارها بتصفيته مثلما صفت بن لادن، والدور ينتظر أبا بكر البغدادي بعد انتهاء مهمته.

كشف وزير الخارجية الروسي في تصريح أخير له أن “أميركا هي التي ساعدت على ظهور داعش”. كان مطلوبا إشاعة مثل هذه الفوضى رغم خسائرها الجانبية المردودة ضد الأميركان وحلفائهم، والتأثير النفسي الذي خلقته القاعدة في ما سبق وداعش اليوم وغدا ولا نعرف ما هو العنوان القادم، وكناتج عرضي يصبح الموالون لهذا التنظيم الإرهابي يتصرفون بشكل عدواني غريب ضد المجتمعات الآمنة في العالم بعمليات تثير القلق الإنساني لكي تمرر المخططات الكبيرة.

ولعل العراق جزء من هذه اللعبة الكبيرة حيث تم إنجاز الكثير في تفتيت شعبه وهدم بنيانه المدني. وعلى المستوى المرحلي للحالة العراقية فإن معركة الموصل الحالية تختلط فيها دوافع ومعطيات محلية وإقليمية ودولية معقدة قد تفضي إلى حلول لتقاسم مصالح النفوذ بطريقة جديدة، فهناك قوتان إقليميتان لهما مكانة معروفة في التأثير بالشأن العراقي هما تركيا وإيران، وقد أصبحت إيران هي الشريك المختار أميركيا بعد تأهيلها من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما لتحقيق هدف التقاسم، وتم استبعاد تركيا بطريقة دراماتيكية مذهلة تجاوزت زعزعة الأمن الداخلي، إلى افتعال مشاكل دبلوماسية مع روسيا وأخيرا محاولة القيام بانقلاب عسكري ضخم بالبلد.

القسمة المنتظرة لن تتحقق قبل إنجاز هدف تحرير العراق من داعش، ثم الصفحة التالية في سوريا. وحكام بغداد ليسوا صانعين للحدث، فهم جزء من المشروع الكبير، لكنهم يرغبون في استثماره لصالح بقاء السلطة الطائفية بأيديهم، وهناك صراع شيعي – شيعي خفي، والأميركان حين يستدعون أكثر من عشرين دولة كبرى من أصحاب المال تحت عنوان “دعم العراق” ويجمعون قرابة الملياري دولار، فإن ذلك ليس من أجل شعب العراق الذي شردوا أهله وهدموا بنيانه، وإنما لإنجاز المرحلة الصعبة والعقدة الحالية في الموصل والتمهيد لمرحلة ما بعد داعش.

الأميركان لا يكشفون خططهم لما بعد داعش في العراق، هل ينظفونه ويسلمونه مرة أخرى لإيران أم هناك سيناريوهات أخرى للمنطقة والعراق جزء منها؟ وهل تصدق توقعات الجنرال الأميركي المتقاعد جيمس ريس الذي قال أخيرا لمحطة سي أن أن الأميركية حيث توقع حصول “اختراق بعد القتال مع داعش يتمثل بنوع من التفاوض الدبلوماسي بينه وبين التحالف الدولي”، داعيا الدول العربية الكبيرة داخل هذا التحالف، مثل السعودية والعراق والأردن إلى القيام به و”إلى دفع التنظيم الداعشي إلى إعادة النظر بما يقوم به” بعد أن يتم قتل معظم قادته وعلى رأسهم زعيمه أبوبكر البغدادي؟

قد تكون نبوءة هذا المحلل العسكري والخبير الإستراتيجي الأميركي لا تروق للبعض، لكنها تكشف جزءا من صورة المستقبل المحفوف بالكثير من المخاطر خصوصا على شعب العراق المظلوم.

د.نزار السامرائي

صحيفة العرب اللندنية

Print Friendly