rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

روسيا في عالم متعدد المراكز: صراع النفوذ والهيمنة

طموح الروس لعالم متعدد المراكز، يحقق أهدافهم في أن يكونوا قُطبًا، واسع النفوذ. وهناك مؤشرات على أن روسيا ماضية إلى هذا الاتجاه، وهو ما عكسته الأحداث في عدد من دول أوروبا الشرقية. وحيثما تفشل أوروبا أو تتأخر في اتخاذ قرارها، فإن روسيا تستغل الفرصة لتملأ الفراغ.

332c42e85b5d49e3bf39bf343faff8f5_18

ملخص: أظهرت الأزمة الأوكرانية أن تغيرات كبرى وشيكة في طريقها إلى أن تطرأ على العلاقات الدولية، وأن روسيا، منذ الآن، باتت تسعى إلى استعادة موقعها على الساحة العالمية، أو على الأقل، أن تكون قوة إقليمية عظيمة يجب أن تؤخذ مصالحها بعين الاعتبار. ويمكن رصد مظاهر تلك “السياسة الروسية العدائية” في المنطقة المسماة، أوروبا الشرقية، والتي تضم بلدان الكتلة الشيوعية السابقة، وعلى الأخص بلدان الاتحاد اليوغسلافي السابق. لكن العالم الذي تسعى روسيا لاستعادة نفوذها فيه بات مختلفًا عن ذلك العالم الذي شهد فقدانها النفوذ فيه.

مقدمة

يمكننا القول اليوم، بكل تأكيد: إن عهد عالم الحروب الباردة أحادي القطب قد ولَّى، وإننا نتجه نحو عالم يحكم علاقاته الدولية نظام متعدد المراكز.

وقد يكون أفضل من عبَّر عن الفكرة الرئيسية التي تقف خلف تشكُّل هذا النظام العالمي الجديد، قبل خمس سنوات، هو ريتشارد هاس، عندما وصف تلك العلاقات بأنها “غير أحادية”. وعلى الرغم من وجود بعض أوجه الشبه مع العالم لمتعدد المراكز الذي كان قائمًا قبل الحرب العالمية الأولى، فإن مراكز القوة في عالم اليوم ليست أقطابًا بالمعنى الكامل للمصطلح، كما كانت عليه أقوى البلدان في تلك الحقبة. فالتحديات التي تواجهها الدول اليوم تأتي من “فوق”، أي من المنظمات العالمية والإقليمية، ومن “تحت” أي من مختلف الجماعات المقاتلة، وكذلك تأتي تلك التحديات من “الأطراف”، أي من مختلف المنظمات غير الحكومية ومن الشركات متعددة الجنسيات(1). هذه الرؤية للعالم لا تزال تُسمَّى حتى يومنا هذا “العالم متعدد المراكز”(2).

ووفقًا لما يراه أوليكسي إسحاق، الباحث في المركز الوطني الأوكراني للدراسات الاستراتيجية (NISS)، فإنه من الصعب إنكار أن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا أقطاب، لكن الحقيقة أيضًا أن هذه البلدان ليس لها نفوذ فعلي مطلق. أمَّا الشركات العابرة للقارات والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الدينية، بل وحتى الدول غير المعترف بها، فتتمتع بنفوذ كبير، وفي حالات غير قليلة، تحاول أن تُصبح أقطابًا جديدة على خارطة النظام العالمي الجديد(3).

 يبدو هذا العالم الجديد مستعصيًا على التنبؤ به؛ لأنه لا يُعرف كيف سيكون مختلفًا، وكيف سيكون ردُّ فعل مختلف اللاعبين المتعددين تجاه كل أزمة محتمَلة الوقوع.

في الماضي كان يمكن التنبؤ بالعالم، وكانت علاقات القوة بين الأقطاب معروفة، وكان يمكن توقع حجم وطبيعة رد الفعل التي تتوافق مع حجم القوة التي تمتلكها القوى العظمى، أما اليوم، فإن ذلك يكاد يكون مستحيلًا، وهو ما يشكِّل تحديًا كبيرًا للأمن العالمي. غير أن هذه القواعد الجديدة للعبة باتت اليوم أمرًا علينا جميعًا التعود عليه. فعلى أساس هذا الواقع الجديد للعلاقات الدولية، تحديدًا، تُبنى السياسة الخارجية الروسية، ليس فقط تجاه أوروبا الشرقية ولكن تُبنى، على أساسه أيضًا، رؤية روسيا الشاملة للعالم. وقد وجدت هذه النظرية في العلاقات الدولية، بل وحتى المصطلحات المصاحبة لها، مكانها في السجلات الرسمية لوزارة الشؤون الخارجية الروسية. وهكذا، فإننا نجد في أحد الملفات المُعنونة “تصور السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية” أن “العلاقات الدولية تمر بمرحلة انتقالية، وهي تتجه نحو التأسيس لنظام دولي متعدد المراكز”(4).

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن هذا بالنسبة لروسيا ليس تعبيرًا عن قبولها بالوضع القائم فعلًا فقط، بل إن سياستها تفعل كل ما بوسعها لجعل العلاقات الدولية على هذا النحو. فقد صرَّح وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، قبل فترة وجيزة بما يلي: “من الحقائق المسلَّم بها أن الأزمة في أوكرانيا ما هي إلا تمظهر لألم المخاض الذي سيُولَد على إثره بالفعل عالم متعدد المراكز”(5). ووفقا لهذا المنطق الروسي، فإن هذه الدولة ومن خلال تحركاتها، مثل تلك التي في أوكرانيا، توجِد عالَمًا متعدد المراكز، في حين يسعى الغرب إلى الحيلولة دون تنفيذ هذه الرؤية للعالم حتى “يعطِّل، بشكل مُفتعل قيام ذلك العالم متعدد الأقطاب والمراكز، والذي هو نتيجة موضوعية لتوجهات تطور العالم”(6).

إن هوس الروس بفكرة عالم متعدد المراكز، ينطلق من مقدمات تفترض أنه سيكون أيسر لهم، في مثل هذا العالم اللامركزي، تحقيق طموحهم في أن يكونوا قطبًا، وبالتالي، فسيكون من الأسهل عليهم توسعة نفوذهم ونشر قواتهم(7). أما على المستوى العملي، فإن الطريقة التي تفهم من خلالها روسيا هذا العالم الذي تتعامل معه اليوم، نجدها مُعبَّرًا عنها بشكل واضح جدًّا في حديث قائد القوات العسكرية الروسية الذي أدلى به مع بداية عام 2013؛ حيث قال: “في أساليب المقاومة التي تُستخدم اليوم، بات التركيز ينصبُّ على زيادة توظيف التدابير غير العسكرية؛ مثل السياسة والاقتصاد والإعلام والأعمال الإنسانية التي يتم تنفيذها، جنبًا إلى جنب، مع احتجاجات يقوم بها عدد هائل من المواطنين، ثم يكتمل تنفيذ كل هذا عبر استعمال أساليب عسكرية سرية، بما في ذلك توظيف تدابير حرب المعلومات وعمليات تنفذها وحدات خاصة. وهكذا يكون الاستخدام المفتوح للقوة مختفيًا خلف بعثات حفظ السلام وإدارة الأزمات التي يتم استخدامها فقط في مراحل معينة من أجل ضمان النجاح التام في بعض الصراعات”(8).

بالتأكيد، تؤمن روسيا بأن الغرب يستخدم هذه الأساليب منذ فترة طويلة، وكثيرًا ما تقدِّم مثالًا على ذلك ما حدث خلال ما يُسمَّى بالربيع العربي. والروس اليوم، وفقًا لمواقف عديدة صادرة عن مسؤولين رسميين، قبلوا بقواعد تلك اللعبة. وقد باتت روسيا اليوم تتعامل مع العالم من خلال توظيف مصائب الشعوب، والثورات الملونة وتمويل وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وغيرها من جماعات المصالح التي توجِّه الرأي العام في البلدان المُستهدفة. ويمكن إدراك هذا التوجه الروسي، بشكل أكثر وضوحًا، في محيطها الجغرافي القريب، أي في بلدان الاتحاد السوفيتي سابقًا، وكذلك في أوروبا الشرقية.

تجربة أوكرانيا

كل ما حدث في أوكرانيا على إثر السخط الشعبي العفوي -بدءًا من الاستفتاء المُفتعل ومرورًا بظهور تشكيلات شبه عسكرية برزت على الساحة من العدم ثم وصولًا إلى ضم شبه الجزيرة القرم- يتطابق ويدخل ضمن “منهج العمل” الجديد للسياسة الخارجية الروسية. والسؤال الآن هو: هل ستقف روسيا عند أوكرانيا، أم أنها ستعمل الآن على نقل قدراتها المتطورة بالفعل في مجال “الشكل الجديد لخوض الحروب” إلى بلدان أخرى تراها واقعة في منطقة نفوذها؟ يبدو أن هناك العديد من المؤشرات على أنها ستمضي إلى الأمام وأنه علينا، منذ الآن، التعود على تقبل فكرة “عالم روسيا” متعدد المراكز. ولا يجب أن ننسى أنه، قبل أوكرانيا والقرم، كنا شهدنا مثل هذا السيناريو في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وما كانت حرب عام 2008 ضد غروزيا (جورجيا) سوى اختبار لاستكشاف إلى أي مدى سيسمح الغرب لروسيا بالتقدم. ولم يكن ذلك سوى طريقة لاختبار طبيعة رد فعل الغرب.

أما في أوكرانيا، فقد ذهبت روسيا إلى مدى أبعد بكثير، فقد غيَّرت حدود الممكن والمسموح به، ولم تنته تلك الأزمة بعد، كما أنه يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه نتائجها. وقد بدأ حلف الناتو يخشى بالفعل توجيه بوتين سياسته العدوانية صوب دول بحر البلطيق، لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، وهي بلدان تضم أعدادًا لا يُستهان بها من المواطنين الروس، وقد سبق لموسكو أن تذرَّعت بحمايتهم، خلال الأزمات السابقة في مختلف بؤر التوتر التي تدخلت فيها، لتبرير تدخلها ووظَّفتهم كعامل توتر.

وفقًا للسياسي البريطاني مايكل فالون، فإن “الهدف المقبل لعدوان بوتين سيتمثَّل في الدول الأعضاء في الكتلة السوفيتية السابقة على غرار لاتفيا وليتوانيا وإستونيا؛ حيث بإمكانه إشراك وحدات شبه عسكرية، وشنُّ هجمات إلكترونية والعمل على تصعيد التوتر داخل الأقليات الروسية المستوطنة في تلك البلدان”(9). أما نائب وزير الدفاع الأميركي، روبرت وورك، فقد أكَّد في حديث أدلى به نهاية شهر إبريل/نيسان عام 2016، إلى مجلة وول ستريت جورنال، على حدوث زيادة أعداد الجنود الروس الذين يُزمع نشرهم على الحدود الروسية. مفسِّرًا السبب وراء نشر أربعة آلاف جندي روسي إضافي، بأن روسيا تقوم بمناورات عسكرية متعددة الأهداف في منطقة بحر البلطيق. وعلَّق على ذلك بالقول: “تنفذ روسيا عددًا كبيرًا من المناورات العسكرية على حدودها، ومن وجهة نظرنا، يمكننا اعتبار ذلك عملًا استفزازيًّا غير مألوف”(10).

ومع أنه تم الحديث عن استعداد ألمانيا لنشر وحدات من قواتها العسكرية في لاتفيا، فإن برلين لا تزال إلى الآن تُعِد لعمليات الانتشار تلك، وقد أكَّدت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في تعليقها على هذا الموضوع أن هنالك بحثًا حاليًّا في إمكانية مواصلة تعزيز الالتزام نحو حلفائنا في الجهة الشرقية. وجاء حديث ميركل هذا على إثر نشر مضمون استطلاع للرأي أعرب خلاله 31% من الألمان المُستطلَعة آراؤهم عن دعمهم لفكرة إرسال جنود ألمان للدفاع عن بولندا وبلدان بحر البلطيق. أما بريطانيا، فلم تُفصِح عن موقفها بعد، وما إذا كان جنودها سيشاركون في هذا المشروع أم لا، إلا أنه، وفقًا لما جاء على موقع شبكة روسيا اليوم، ونسبته إلى مصادر في حلف الناتو، فإنه من المحتمل أن تتشكَّل قوة عسكرية متعددة الجنسيات يُرجَّح أنها ستعمل تحت قيادة مشتركة من الدول الأعضاء في حلف الناتو.

بطبيعة الحال، لم تُخْفِ روسيا قلقها من هذه التصريحات، حيث جاء الرد عليها على لسان وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، الذي قال: “إن قوات حلف الناتو، بمعداتها العسكرية، باتت أكثر قُربًا من حدود روسيا. لكن عندما تشرع روسيا في اتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها أن تسمح لها بتعزيز أمنها، فإنهم يقولون حينها: إن روسيا تنفِّذ مناورات خطرة بالقرب من حدود حلف الناتو. وفي واقع الأمر، فإن حدود الناتو هي التي تزحف نحو روسيا، وليس العكس”(11).

وفقًا لاتفاقية التفاهم والتعاون المشترك المُبرمة بين حلف الناتو وروسيا عام 1997، فقد اتُّفق على منع التواجد المستمر لوحدات عسكرية كبيرة تابعة لحلف الناتو بالقرب من الحدود الروسية. إلا أن قيادة الناتو في بروكسل تؤكد أنه بالنظر إلى أن تلك الوحدات العسكرية تخضع لعملية تناوُبٍ مستمر، فإن تواجدها بذلك الشكل لا يمكن اعتباره ذا طبيعة دائمة(12).

ومما يزيد من مستوى القلق المتصاعد في ذلك الجزء من أوروبا، هو تكرار حوادث “الاحتكاك الوشيك” بين طائرات حلف الناتو والطائرات المقاتلة الروسية. وقد شهد شهر إبريل/نيسان عام 2016 مثل هذه الحوادث بين الطائرات الروسية والأميركية فوق أجواء بحر البلطيق، عندما اعترضت طائرة روسية طائرة استطلاع أميركية، وهو الحادث الذي وصفه البنتاغون، في بيان رسمي أعلنه المتحدث باسمه، بتاريخ 29 إبريل/نيسان 2016، بأنه “مناورة خطرة وغير مهنية”، مضيفًا: إن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية أكدوا أن الطائرة الروسية نفذت عملية التفاف حول الطائرة الأميركية وبدت كما لو أنها ستدمرها. وهذا هو الحادث الثاني في سماء بحر البلطيق، الذي حمل الأميركيين على اتهام الروس بتنفيذهم عمليات طيران عدوانية وأن الطيارين الروس تصرفوا كما لو أنهم سينفذون هجومًا وشيكًا على الطائرات الأميركية.

أما آخر حادث تم تسجيله، فوقع في 13 إبريل/نيسان عام 2016 عندما حلقت طائرات مقاتلة روسية، لعشرات المرات، على بعد أمتار قليلة من حاملة الطائرات الأميركية، دونالد كوك، وهو ما استدعى ردًّا جاء على لسان دانيال هرنانديز، المتحدث باسم البنتاغون، في تعليقه قائلًا: “الأمر هنا يتعلق بانتهاك خطير لمبدأ السلامة، ونحن قلقون بشأن هذا النوع من التصرف من قِبل الطرف الروسي”، مضيفًا: إن حاملة الطائرات كانت موجودة في المياه الدولية ولم تدخل، في أي وقت من الأوقات، إلى المياه الإقليمية الروسية. ثم استطرد قائلًا: “أما الأمر الأكثر أهمية، فإن مثل هذه التصرفات غير المهنية تمثِّل خرقًا للأمن وترفع من حدَّة التوتر بين بلدينا”(13).

من جانبه، صرَّح وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف -فيما نقلته عنه شبكة بي بي سي- بأن الطائرات الروسية لم تفعل سوى التأكد من أن الأميركيين يتواجدون على مدى آمن وبعيد عن مياه روسيا الإقليمية(14). أما الأمين العام السابق لحلف الناتو، أندرس فوغ راسموسن، فقال معلِّقًا على ذلك: “يوجد “احتمال كبير” بأن بوتين سيواجه تفعيل الحلف للمادة الخامسة -المتعلقة بالدفاع المشترك-“(15).

الأهداف الجديدة

لا تحاول روسيا، من خلال أساليبها الجديدة المُعتمَدة في التحرك، زعزعة استقرار البلدان التي تقع على حدودها، بل تعمل أيضًا على زعزعة استقرار دول البلقان، بل أكثر من ذلك، فإن روسيا تحاول هدم العلاقات القائمة بين دول أوروبا، وهو ما أكَّده الرئيس الأميركي باراك أوباما بكل وضوح(16)، وذلك بهدف تعزيز مكانتها، وقبل ذلك كله، فإن موسكو تسعى إلى إضعاف حلف الناتو.

في البلقان، يمكن رؤية سعي بوتين إلى فرض هيمنته من خلال محاولته التأثير في صربيا وفي جزء من دولة البوسنة والهرسك، وتحديدًا في أحد كيانيها المسمَّى “ريبوبليكا صربسكا”؛ حيث يقود الحكم فيها حزب، ميلوراد دوديك، الموالي لروسيا. كما تعمل روسيا، بشكل معلن، على عرقلة طريق جمهوريات يوغسلافيا السابقة التي لم تنضم بعد إلى عضوية حلف الناتو، وتطلب منها البقاء على الحياد أو حتى تقاربها وتعاونها العسكري والأمني مع قواتها العسكرية.  

ويمكن رؤية أثر التأثير الروسي، بشكل أوضح، في دولة الجبل الأسود حيث لروسيا استثمارات مهمة، خاصة في قطاع السياحة، ولها أيضًا تأثير سياسي كبير فيها تمارسه من خلال الأقلية الصربية والأحزاب التي تمثلها. ففي اللحظة التي بات فيها من المؤكد أن الجبل الأسود في طريقه إلى الحصول على العضوية الكاملة في حلف الناتو، ظهرت “تحركات الشعب”، حيث نظَّمت الأحزاب الموالية لصربيا مظاهرات احتجاجية، تحولت في بعض الأحيان، إلى عنيفة(17). وقد أكَّد عدد من المحللين على أن الأحزاب الموالية لصربيا تتلقى دعمًا من روسيا بهدف الوصول إلى حل البرلمان، الذي يعود إليه إقرار دخول الجبل الأسود في حلف الناتو، وإدخال البلاد في حالة من الفوضى تؤدي إلى فرض حالة الطوارئ(18).

لم تنته الأوضاع في الجبل الأسود إلى فرض حالة الطوارئ، كما أنه من الصعب تحديد إلى أي مدى كان للتدخل الروسي دور في كل ما شهده هذا البلد في تلك المرحلة. لكن موقف روسيا من انضمام الجبل الأسود إلى حلف الناتو كان واضحًا ومُعلَنًا منذ فترة سابقة. ففي ربيع عام 2011، قال سيرغي لافروف: إن “انضمام الجبل الأسود إلى حلف الناتو لن يؤدي إلى تحسين الوضع الأمني في المنطقة ولا في العالم بأسره”. ثم في عام 2014، وصف لافروف احتمال حصول الجبل الأسود على عضوية حلف الناتو بأنه “أمر غير مسؤول ومستفز”. وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أرسل مجلس الدوما الروسي إلى برلمان الجبل الأسود، وبرلمانيي الدول الأعضاء في حلف الناتو وفي منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، رسالة مفتوحة جاء فيها: “إن طموح نظام الرئيس ميلادجو كانوفيتش، الذي يحكم البلاد منذ 25 عامًا، في انضمام بلاده إلى حلف الناتو يتناقض مع رغبة غالبية الشعب في هذا البلد”(19).

مولدافيا: بؤرة توتر جديدة؟

يتزايد احتمال أن تكون مولدافيا من بؤر الأزمات المحورية الجديدة، وتُرشَّح لأن تمثل منطقة جديدة للصراع على النفوذ بين الخصوم السابقين في الحرب الباردة، أي جورجيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأوكرانيا. وفي ضوء ما يجري من أحداث حاليًا، فإنه من وارد الاحتمالات أن تنقل روسيا رؤيتها الجديدة لعالم متعدد المراكز إلى جمهوريتها السابقة، مولدافيا؛ حيث من الصعب وجود دولة أخرى، في منطقة شرق أوروبا المتقلبة وغير المستقرة، في مثل صعوبة الوضع الذي يمر به هذا البلد الأوروبي “الأكثر فقرًا” والذي لا يملك زمام سيادته الوطنية(20). ففي هذه الجمهورية السوفيتية السابقة، التي تشترك في الحدود مع رومانيا من جهة الغرب وأوكرانيا من الشرق، تؤوي فعليًّا، ودون رغبة منها، ما بين 1500 و2500 جندي روسي. وفي نفس الوقت، ثمة عدد كبير من الرومانيين لا يعتبرون مولدافيا سوى إقليم تابع للأراضي الرومانية ولم يقبلوا أبدًا بسيادة مولدافيا على أراضيها.

إن أكثر المناطق التي تشكِّل مصدرًا لعدم الاستقرار هي منطقة “بريدنيا ستروفيا”، والتي تُعرف باسم “جمهورية ترانسنيستريا”، وهو إقليم له حكم ذاتي ولا يعترف بالحكومة المركزية في العاصمة “كيشيناو”. وقد بحث الروس والأوكرانيون، الذين يشكِّلون أغلبية سكان “بريدنيا ستروفيا”، حتى منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، عن الهجرة من مولدافيا بسبب مخاوف من اكتساحها من قِبل الرومانيين.

عندما بدأت عملية انهيار الاتحاد السوفيتي في الثاني من سبتمبر/أيلول عام 1990، فإن هذا الإقليم الواقع على الضفة اليسرى لنهر “دنييسترا” والبالغة مساحته حوالي 15 كيلومترًا، أعلن من جانب واحد عن قيام جمهورية بريدنيا ستروفيا المولدوفية. ونذكر، في هذا السياق، أنه في الفترة ما بين عامي 1991-1992 وهي الفترة التي شهدت انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، حدث اشتباك لم يدم سوى فترة وجيزة بين مولدافيا والقوات المسلحة في “بريدنيا ستروفيا” والتي كانت تتلقى دعمًا من الفيلق 14 السوفيتي الذي كان يتخذ من منطقة “بريدنيا ستروفيا” مقرًّا له. ولم تكن القوات المولدوفية حينها تملك من القوة ما يمكِّنها من كسر شوكة الجماعات المسلحة المتمردة، ومنذ ذلك الحين فقدت حكومة كيشيناو كل سيطرة أو تأثير على تلك المنطقة، التي تبلغ مساحتها الإجمالية 17% من مساحة مولدافيا، ويعيش فيها حوالي 600 ألف نسمة.

لم تعترف أي دولة أو منظمة دولية، ولا حتى روسيا، إلى اليوم، باستقلال بريدنيا ستروفيا. لكن هذا الوضع قد يتغير الآن. فقد تم، بالفعل، تنظيم عدَّة استفتاءات في بريدنيا ستروفيا تطالب بضم المقاطعة لفيدرالية روسيا، لكن إدارة الكرملين أظهرت ترددًا في حسم الأمر تحسبًا لأن يؤدي ذلك إلى التسبب في وقوع باقي أقاليم مولدافيا في أيدي رومانيا، التي تتطلع أصلًا إلى ضمها إليها.

لكن، يجب ألا نتجاهل أيضًا وجود إمكانية انفصال بريدنيا ستروفيا، جغرافيًّا، عن باقي أراضي روسيا. لكن يبدو أن أزمة أوكرانيا قد غيَّرت كل شيء؛ فبريدنيا ستروفيا لا تبعد سوى 50 كيلومترًا فقط عن أوديسا التي تضم ميناءً غاية في الأهمية يقع على البحر الأسود، والذي تسعى القوات الانفصالية الموالية لروسيا في أوكرانيا إلى جعله جزءًا من مشروعها الهادف إلى الانضمام إلى روسيا. وفي حال ضم أوديسا -وهي المدينة التي أسستها القيصرة الروسية، كاترينا الثانية، تحت نفس الاسم- إلى روسيا، بالإضافة إلى ضم شبه جزيرة القرم، فإن ذلك سيفتح الباب أمام ربط بريدنيا ستروفيا، إقليميًّا، بــ”الدولة الأم” روسيا.

أما الورقة الأخرى، التي يمكن لبوتين لعبها من أجل إبعاد مولدافيا عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والحصول على عضوية حلف الناتو، فتتمثَّل في مدينة “كومرات”، وهي المركز الإداري لمقاطعة غاغوزيا التي يسكنها حوالي 23 ألف نسمة، وينحدر جُلُّ سكان هذه المقاطعة من الإثنية الغاغوزية التي تَعُد ما يقرب من 160 ألف نسمة. وتُدير هذه الأقلية الروسية -الأرثوذكسية ذات الأصول التركية- كل شؤون الحكم في هذه المقاطعة بشكل مستقل، باستثناء القضاء والعلاقات الخارجية والسياسة الأمنية، التي تعود إلى السلطات المركزية لدولة مولدافيا. أما روسيا، فتشنُّ، عبر ميخائيل فورموزالا(21) -“باشكان”، أو حاكم غاغوزيا- حملة مناهضة لأوروبا. وقد قاد ميخائيل فورموزالا، وهو ضابط برتبة رائد في الجيش السوفيتي السابق، حملة منذ وقت قريب دعا فيها أتباعه إلى تنظيم استفتاء لإقامة “متاريس من أجل خوض معركة ضد اتفاق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي”، ويعلِّل فورموزالا موقفه بأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه الإضرار بالحكم الذاتي الذي تتمتع به غاغوزيا. وهكذا، لم يكن مفاجئًا أن يصوِّت 98,5% من 70 ألف غاغوزي، شاركوا في الاستفتاء، ضد الشراكة التجارية مع الاتحاد الأوروبي ولصالح الانضمام إلى الاتحاد التجاري الحر الذي أقامه بوتين(22).

في الحقيقة، فإن كل المولدوفيين، والمطَّلعين على واقع هذا البلد، يؤكدون أن الأوضاع فيه سيئة إلى الحد الذي يجعل من الحديث عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والوعود بحياة أفضل -من دون مساعدة فعلية وملموسة من بروكسل والتزام إدارتها بحل المشاكل السياسية والإثنية والاقتصادية التي يعيشها مواطنوه- ليست كافية بما يكفي لجذب العديد من المولدوفيين الذين يفضِّلون، من أجل سلامتهم، اللجوء إلى التقارب السياسي والاقتصادي مع روسيا. في حين تعتمد الخيارات السياسية الداعية إلى توثيق العلاقات مع روسيا، على الأقل إلى حدِّ الآن، على الدعم السخي المؤمَّل من قِبل بوتين.

  الأمر الوحيد، الذي يظل مؤكدًا، هو أنه حيثما تفشل أوروبا أو تتأخر في اتخاذ قرارها، فإن روسيا تستغل الفرصة لتملأ الفراغ؛ وهو ما نشهد بوادره حاليًّا في مولدافيا، وكذلك يصح قوله بالنسبة لدول أوروبا الشرقية.

خاتمة

كانت روسيا إمبراطورية لقرون طويلة، ثم بعد انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي، أُتيحت الفرصة أمام دول عديدة لبناء نظام عالمي جديد، وإقامة نظام أمني، دولي وأوروبي، جديد. أمَّا بالنسبة لموسكو، فإن كل تلك الاتفاقيات والترتيبات الأمنية والعلاقات الحديثة التي جدَّت خلال خمس عشرة سنة الماضية ليست سوى انحراف (خروج عن المألوف) وأمر يتحتم تغييره.

لا ترى روسيا في كل هذا ظهور واقع جديد عليها القبول به والتعامل معه. وها نحن نشهد اليوم على محاولات روسيا فرض تأثيرها في مناطق نفوذها وممارسة ضغوطها على حلف الناتو داخل حدوده. ولتحقيق ذلك فإن روسيا بَنَتْ رؤيتها لعالم جديد متعدد المراكز، وهي تسعى إلى توظيف كل الوسائل والطرق الجديدة المتاحة أمامها على ساحة العلاقات الدولية في شكلها الجديد.

____________________________

 محمد يوسيتش – باحث من البوسنة والهرسك متخصص في قضايا منطقة البلقان وشرق أوروبا، وهو أيضًا منسق “الشبكة البحثية–الإسلام في جنوب شرق أوروبا”. 

 ترجمه من البوسنية د. كريم الماجري

مراجع

1- Richard N, Haass, “The Age of Nonpolarity” Foreign Affairs, 87/3, 2008.

2- للاطلاع على نشأة هذا المصطلح وتفصيل مضمونه، انظر:                                     

Global Trends 2030: Citizens in an Interconnected and Polycentric World”, European Strategy and Policy Analysis System (ESPAS) i European Union Institute for Security Studies, mart, 2012, studija je dostupna na, (Visited on 7 May 2016):

http://europa.eu/espas/pdf/espas_report_ii_01_en.pdf,

3- Oleksii, Izhak, “The Threats and Challenges of a Multipolar World: A Ukraine Crisis Case Study” Connection: The Quarterly Journal, 15/1, 2016. Str. 32-44.

4- وزارة خارجية روسيا الفيدرالية، “مفهوم السياسة الخارجية لروسيا الفيدرالية” الذي أقرَّه الرئيس فلاديمير بوتين في 12 فبراير/شباط 2013. يمكن الاطلاع على النص الكامل لهذا الملف على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية، (تاريخ الدخول: 7 مايو/أيار 2016):

  http://archive.mid.ru//brp_4.nsf/0/76389fec168189ed44257b2e0039b16d

5- “Lavrov: The Ukraine Crisis is one of the birthing pains in which a polycentric world is born”, Oko planety, 11 April 2014.

6- “US and EU hinder Russian actions in preventing global threats”, FOCUS News Agency, 27 August 2014.

7- Oleksii, Izhak, “The Threats and Challenges of a Multipolar World: A Ukraine Crisis Case Study”, Connection: The Quarterly Journal, 15/1, 2016. Str. 32-44.

8- Valery Gerasimov, “The value of science is prediction. New threats demand rethinking the ways and means of conducting warfare”, Voenno-promyshlenniy kurier, 27 February 2013.

9- Michael, Fellon, “Russia a Threat to Baltic States after Ukraina Conflict”, The Guardian, 19 February 1015.

10- JULIAN E. BARNES  i ANTON TROIANOVSKI “NATO Allies Preparing to Put Four Battalions at Eastern Border With Russia”, The Wall Street Journal, 29 April 2016.

11- http://www.pressreader.com/india/the-indian-express/20160421/282050506243734

آخر زيارة لهذا الموقع كانت بتاريخ 9 مايو/أيار .2016 

12- من مقال منشور في صحيفة “دنيفنيك” الكرواتية بتاريخ 30 إبريل/نيسان 2016 تحت عنوان: البلطيق يتحول إلى منطقة عسكرية: الناتو ينشر 4000 جندي إضافي على الحدود الروسية. (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2016):                                                                                                   

 (http://dnevnik.hr/vijesti/svijet/baltik-postao-militarizirana-zona-dodatnih-4-000-nato-vih-vojnika-na-granici-s-rusijom—435441.html

13- “Kerry: Shooting down Russia jets ‘would have been justified”, 14 April 2016, (Visited on 9 May 2016):’

http://www.bbc.com/news/world-us-canada-36050689

14- من مقال في مجلة “سلوبودانا بوسنة” بتاريخ 30 إبريل/نيسان 2016: “قعقعة خطيرة للأسلحة: حلف الناتو ينشر 4 آلاف جندي إضافي على حدود روسيا”، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2016):                                                    

http://www.slobodna bosna.ba/vijest/31184/opasno_zveckanje_oruzjem_nato_poslao_jos_4000_vojnika_na_granicu_s_rusijom.html

15- “US accuses Russia over Baltic jet manoeuvre”, 29 April 2016, (Visited on 9 May 2016):

http://www.bbc.com/news/world-us-canada-36175973

16- “أوباما: بوتين يحاول تقويض وحدة الاتحاد الأوروبي”، الجزيرة بلقان، 26 إبريل/نيسان 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2016):

              http://balkans.aljazeera.net/vijesti/obama-putin-pokusava-potkopati-jedinstvo-eu , pristupljeno

17- “Haos u Podgorici: Suzavci i šok bombe”, 25October 2015, (Visited on 9 May 2016):

http://www.b92.net/info/vesti/index.php?yyyy=2015&mm=10&dd=25&nav_id=1055220

18- “دجوكانوفيتش يكشف لماذا تعارض روسيا انضمام جمهورية الجبل الأسود إلى حلف الناتو”، حوار بتاريخ 17 مارس/آذار 2016، (تاريخ الدخول: 9 مايو/أيار 2016):

http://direktno.hr/en/2014/svijet/42336/%C4%90ukanovi%C4%87-objasnio-za%C5%A1to-je-Rusija-protiv-ulaska-Crne-Gore-u-NATO.htm

19- VJA?ESLAV ?ARSKIJ, “Russia Beyond The Headlines”, 16 December 2015, (Visited on 9 May 2016):

http://hr.rbth.com/politics/2015/12/16/zasto-je-rusija-protiv-ulaska-crne-gore-u-nato_551367

20- “Moldova country profile”, BBC, 28 March 2016, (Visited on 6 May 2016):

  http://www.bbc.com/news/world-europe-17601580

21- “Mihail Formuzal câ?tig? alegerile de ba?can în G?g?uzia”,  BBC, 18 December 2006, (Visited on 6 May 2016):

http://www.bbc.co.uk/romanian/news/story/2006/12/061218_gagauzia_formuzal_bascan.shtml

22- S. Chiochin?,M. Maximilian,D. Dragojevi?,

مقال بعنوان: مولدافيا في طريقها إلى الانضمام إلى اتحاد بوتين القيصري.

Radio DW, 19 March 2014:

http://www.dw.com/hr/moldavija-na-putu-u-putinovu-carinsku-uniju/a-17504163

محمد يوسيتش
مركز الجزيرة للدراسات
Print Friendly