rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

تواطؤ أوروبي مشين تجاه سورية

holand

هناك ارتباط حقيقي بين مستقبل أوروبا وجوارها العربي، والأحداث الدموية في سورية تبرهن على ذلك دائماً. وجاءت تطورات تركيا البالغة الحساسية كي تزيد هذا الارتباط عمقاً، إذ تعرِّض نسيج العلاقات بين دول القارة الأوروبية واقتصاداتها لأخطار تعتبر سابقة منذ الحرب العالمية الثانية. فالمأساة المستمرة في سورية لا تجري في فراغ ولو لم تكن دولة حدودية لأوروبا، فالقتل فيها يجري على بوابات أوروبا التي لم تعد متينة.

وما يزيد قتامة المشهد أن تركيا الآن لم تعد ما كانت عليه بإرثها الأتاتوركي قبل المحاولة الانقلابية، ومن الصعب التنبؤ بماذا ستصيره خلال عامٍ أو إثنين. ولأنها بوابة أوروبا فالفوضى العارمة في سورية سيكون لها تأثيرها الخطير في القارة الأوروبية بسرعة تفوق ما كان متوقعاً. وغياب، بل فشل الولايات المتحدة وروسيا في ضمان تسوية قابلة للحياة، يعرض أوروبا لخطر حقيقي.
فأوروبا المنهمكة بمراقبة نتائج استفتاء «بريكزيت» على تماسكها الفيديرالي، لم تُبدِ اهتماماً كافياً بأزمة سورية الطاحنة تاركةً رعايتها لواشنطن وموسكو وجهودهما الواهنة. سورية مازالت تلتهب عند بوابة أوروبا، فلماذا لا تتحرك وتبادر إلى السعي في صياغة حل. فقد آن الأوان للقيام بمبادرة ما، لاسيما أن الإدارة الأميركية خارج دائرة التأثير، ويبدو أنها قد تبقى كذلك حتى بعد أن يدخل رئيس جديد البيت الأبيض مطلع 2017.
هذا هو السؤال الملح الذي على الأوروبيين مواجهته. فتجاهل الأزمة الدموية في سورية لا يلغيها، وعليهم التفكير ملياً بالعـــــواقب الكارثية عليهم. فالهجمات الجوية الكثـــيـــفة للطيران الروسي وقوات الحكومة السورية، بما فيها استخدام البراميل المتـــفجرة، تتسع وتتكرر من دون هوادة حـــول حلب وريفها ومدن الشمال وقراه، تدمر مستشفيات وتقتل أطفالاً ومدنيين بالمئات. صـــور الدمار والقتل على شبكات الإنترنت وقنوات التواصل الاجتماعي تؤكد ذلك. لكن تبدو مشاعر وضمائر أصحاب القرار في أوروبا مخدرة وهم يشاهدون ذلك، ويبدو أن وسائل الإعلام الأوروبية في مجملها تقريباً باتت شريكة في هذا التواطؤ المشين.
تجاهل سورية له ثمــــنه وإن لم يطالب أحد به الآن. فأجيال المستقبل ستفعل ذلك في يوم مــــا وتسائل الأوروبيين لمَ لم يسعوا إلى وقـــــف بطش ديكتاتور دمشق وحلفائه في موسكو وطهران؟ مصير أوروبا متشابك مع ما يجـــري من أحداث في جوارها العربي، على عكس الولايات المتحدة البعيدة. وأمام كــــل لاجئ نجح في الوصول إلى أحضان أوروبـــا المرحِّبة، هناك الآلاف غيره في مناطق الحرب عاجزون عن العبور ويوجهون اللوم إلى الغرب لحرمانهم أبسط شروط الحياة.
الأوروبيون قلقون، وهم على حق، إزاء الإرهاب المنتشر في بلادهم ومنشغلون بحصص اللاجئين، لكنهم يتجاهلون أسباب الأزمة. فهي لا توجد في الرقة «عاصمة الخلافة»، بل في القصر الجمهوري في دمشق. ومعظم الأوروبيين، وكذلك الولايات المتحدة، يتعاملون مع مأساة سورية كمجرد مشكلة ضد الإرهاب حيث يكتفون بشن غارات جوية على مواقع الإرهاب بدل تحدي الواقع المريع في مواجهة كارثة بالغة التعقيد هي الأسوأ في العصر الحديث. لا شك في أن تنظيم «داعش» يتضرر كثيراً من هذه الغارات والضربات الجوية ويخسر مواقع له في سورية والعراق، إلا أن هذا جزء صغير من مشهد المأساة الأكبر.
الوجه الآخر والأهم هو الحرب الفتاكة التي بدأت عام 2011 وأدت إلى حركة الهجرة الكبرى نحو أوروبا في 2015، وكان أطلق شرارة الحرب أمنُ الرئيس الأسد بقتل متظاهرين خرجوا في جنوب سورية في حركة مطلبية تنادي بالحرية والديموقراطية على غرار ما كان يحصل في تونس. وقام نظام دمشق بإطلاق إسلامييه من سجونه، ثم بدا أمام العالم بوصفه يقاتل الإرهابيين، فيما كان يصعِّد المواجهة مع المعارضين برعاية روسية وإيرانية، ولاحقاً بعون مباشر من ميليشيات «حزب الله».
صحيح أن بعض مجموعات المعارضة المسلحة تحوّلوا إلى التطرف لكن هؤلاء بقوا محصورين بفئات قليلة. ولو كان الأمر غير ذلك لما وافقت «هيئة المفاوضات العليا» التابعة للأمم المتحدة على مشاركة المعارضة في البحث عن سبل وقف الحرب. وعلى رغم مشاركة روسيا في الهيئة فعملياتها العسكرية انطلقت في أيلول (سبتمبر) 2015، وانتهت المفاوضات بالفشل. ولنتذكر كيف صوّت مجلس الأمن في كانون الأول (ديسمبر) الفائت بالإجماع على قرار لإنهاء الحرب وتشكيل حكومة جديدة. وتفاءل بعضهم بهذه الخطوة نحو تحقيق سلام طال انتظاره ووقف عجلة الموت. وكُلِّفت مجموعة الدعم الدولية لسورية (17 دولة) بمهمة التغيير السياسي وإقامة «حكم شامل غير طائفي يتمتع بالصدقية» في ستة أشهر وتنظيم «انتخابات حرة قبل وضع دستور جديد» خلال 18 شهراً.
الآن كل ما يمكن أن تفعله الأمم المتحدة هو الانتظار كي يسمح لها النظام بإيصال بعض المساعدات إلى مناطق تخضع لحصار قواته. وبلدة داريّا المحاصرة في ريف دمشق منذ 2012 شاهد على ذلك، إذ سُمِحَ فقط بمرور شامبو ضد القمل وشبكات ضد البعوض وبعض اللقاحات، وسمحت السلطات لاحقاً بإيصال أنواع محددة من الغذاء. ولكن لا يزال عشرات الآلاف من سكان البلدة محاصرين. صحيح أن الولايات المتحدة لا تقوم بدور فعــال، وأن أي حل لوقف الدم لا يتم من دون تنسيــق مع روسيا، إلا أن مـــوسكو كثّفـــت هجماتــها على رغم إعلانها فـــي آذار (مارس) الفائت نيتها سحب قواتها مستفيدة من الوهن الأميركي. فقد تمكّنت أخيراً من إقامة منطقة عازلة يقتصر الطيران فيها على سلاحها الجوي وقوات الأسد وقصف المدنيين كما يحدث في حلب، وليس ضد مواقع «داعش» في شرق البلاد.
هنا كان يُنتظر أن تقوم أوروبا بدور ما ضد الرئيس فلاديمير بوتين الذي تعاني بلاده من ضائقة اقتصادية منذ بدء تدخلها المباشر في عام 2015 والتفكير الجدي في حصار اقتصادي مرتبط بسورية، وأن تقوم إدارة الرئيس باراك أوباما بالضغط على الرئيس رجب طيب أردوغان وأخذ زمام المبادرة منه منذ 2011. فإذا كان أوباما غير عازمٍ على القيام بدور حاسم قبل نهاية فترة رئاسته، فعلى أوروبا أن تواجه بوتين قبل فوات الأوان.

مصطفى كركوتي
*نقلا عن الحياه

Print Friendly