rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الاقتصاد العالمي يصمد في مواجهة «البريكست»

economy-230816-b

بعد التقلبات الحادة مطلع الصيف وخصوصاً فيما يتعلق باستفتاء بريكست التاريخي لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تشهد الأسواق العالمية فترة أكثر استقراراً مع اقتراب نهاية العطلة الصيفية بفعل تراجع مؤشر التقلبات إلى أدنى مستوياته السنوية بعد بلوغه الذروة في 26 يونيو/حزيران الماضي. ويعزى هذا الهبوط بشكل رئيسي إلى حقيقة أن استفتاء بريكست لم يدخل في نهاية المطاف مهب عاصفة التقلبات المتوقعة والمتمثلة في بقاء الجنيه الإسترليني عرضة للتأثيرات المستمرة مقابل عدم تأثر الأسواق العالمية الأخرى بدرجة كبيرة. وفي الواقع، واصلت تكاليف الاقتراض العالمية تراجعها، بينما حافظت أسواق الأسهم على أدائها القوي خلال الصيف.
وعلى الرغم من التحذيرات المروعة السابقة، إلا أن الأسواق المعنية بالاستفتاء اطمأنت إلى حدٍ ما بأن بريكست قد لا يقود بالضرورة إلى التفكك الاقتصادي الذي كانت تخشاه، وقد أفضى ذلك عموماً إلى ركود البيانات الاقتصادية في المملكة المتحدة في أعقاب التصويت والاستقرار السياسي المنتظر بعد تعيين حكومة المحافظين بقيادة تيريزا ماي.
وعلى الرغم من أن مؤشرات الثقة في المملكة المتحدة كشفت عن ردة فعل سلبية مباشرة تجاه نتيجة الاستفتاء غير المتوقعة جراء دخول مؤشر مديري المشتريات الصناعي في المملكة المتحدة نطاق الانكماش الاقتصادي، فإن البيانات الأخرى «الأكثر تشدداً» – والتي تم الكشف عنها منذ ذلك الحين – كانت مريحة نسبياً، حيث أظهرت ارتفاع قيمة مبيعات التجزئة بقوة في يوليو، واستقرار الأسعار، وانخفاض عدد المتقدمين للحصول على إعانات البطالة، واستقرار سوق الإسكان. ولكن لم تصب الاقتصادات المجاورة بعدوى هذه الموجة مع ارتفاع مؤشر مديري المشتريات في منطقة اليورو بشكل طفيف في يوليو وثباته أكثر في أغسطس، وذلك بالرغم من تفوق اليورو مقابل الجنيه الإسترليني. ويبدو أن قوة الين الياباني لا تؤثر سلباً على الاقتصاد الياباني مع تحسن مؤشر مديري المشتريات الصناعي في البلاد للشهر الثالث على التوالي في أغسطس. من ناحية أخرى، حافظ الاقتصاد الأمريكي على استقراره مع إضافة فرص عمل جديدة وثبات مؤشرات الأداء الأخرى لدرجة أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي كان مطمئناً لجهة قدرته على الحد من المخاطر المحدقة بالاقتصاد الأمريكي.

ومع أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته بشأن النمو العالمي في أعقاب قرار استفتاء بريكست، غير أن الأسواق تفاجأت بأن هذه التوقعات التي لم تكن بهذا السوء في ضوء التحذيرات التي وجهها قبيل الاستفتاء. وقد أشار الصندوق إلى أنه لو لم يكن الأمر متعلقاً باستفتاء بريكست، لكان قدم توقعات أفضل بشأن النمو العالمي للمرة الأولى منذ سنوات. ولو جاءت توقعات النمو العالمي لهذا العام والعام المقبل أدنى فقط بنسبة 0.1% لتصل إلى 3.1% و3.4% على التوالي، وتراجعت مستويات النمو المتوقع في المملكة المتحدة إلى 1.7% و1.3% خلال الفترة ذاتها؛ فلن يكون الأمر بالسوء الذي توقعه صندوق النقد الدولي، بل ولا يزال أفضل من عدة اقتصادات أخرى رائدة عالمياً بما فيها منطقة اليورو.
وبينما لا تبدو الحكومة البريطانية الجديدة على عجلة من أمرها للشروع في تطبيق المادة 50 من دستور الاتحاد الأوروبي لبدء محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك يبشر بفترة مفاوضات أطول مما توقع الكثيرون؛ مما يسهم في تجاوز تداعيات الاستفتاء بحلول عام 2019. وتعطي الآراء المتباينة في البلدان الأوروبية حول نوع استفتاء بريكست الذي يصرون عليه دفعة من التفاؤل أيضاً بأن المملكة المتحدة قد لا تزال تعمل على تفادي عواقب شديدة القسوة. ومع انتقال بنك إنجلترا المركزي مؤخراً وبشكل استباقي لخفض أسعار الفائدة إلى 0.25% وهبوط الجنيه الاسترليني بنسبة تقارب 15%، قد تبدأ الأسواق حتى بالتفكير في أن التوقعات قصيرة الأجل بشأن الاقتصاد البريطاني قد تكون بالفعل مواتية للغاية. وارتفعت سجلات طلبات التصدير إلى أعلى مستوياتها خلال عامين في أغسطس/آب الماضي بحسب «اتحاد الصناعات البريطاني» مع تفوق إجمالي سجلات طلبات التصدير بفارق كبير على المتوسط طويل الأمد.
من جهة ثانية، من المهم ألا ننجرف وراء الهدوء النسبي الذي ساد الشهر الماضي أو أكثر بقليل. ورغم أنه من الواجب ألا نبالغ في ردة الفعل إزاء الهبوط الحاد في مستويات الثقة التي شهدناها في يوليو/تموز الماضي – أو بالأصح التحذيرات الكارثية التي سبقت استفتاء بريكست – غير أن التحسن الملحوظ في البيانات «المتشددة» منذ إجراء التصويت قد يسهم أيضاً في مضاعفة مرونة مستويات النمو المستقبلية. ولا يزال هناك احتمال بأن يشهد الاقتصاد البريطاني طفرة نمو قصيرة الأجل، وأن يستغرق بعض الوقت ليلمس كامل تأثير استفتاء البريكست سواء على هذا الاقتصاد أو حتى شركائه التجاريين العالميين وجيرانه الإقليميين. ومن هنا، يتعين على صناع السياسات أن يبقوا حذرين من هذه المخاطر حتى لو بدت الغيوم المرتبطة بهذه المسألة قد انقشعت.
تيم فوكس *

* رئيس قسم الأبحاث وكبير الاقتصاديين في مجموعة بنك الإمارات دبي الوطني
نقلا عن الخليج الاقتصادي

Print Friendly