rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

الحشد الشعبي ومهمته غير القابلة للانتهاء

الحشد الشعبي

تعاني الحكومة العراقية من الدور المتنامي والمتعاظم لقوات الحشد الشعبي– وهي عبارة عن مؤسسة عسكرية داخل الدولة العراقية تعمل تحت إشراف رئاسة الوزراء العراقية – والتي بدأ تتغير تكتيكاتها الإستراتيجية وتتحول تدريجياً من وظيفتها الرئيسة وهي قتال تنظيم الدولة الإسلامية إلى مؤسسة موازية تبحث لها عن أدوار أمنية وسياسية واقتصادية جديدة داخلية داخل جسد الدولة العراقية.

وتبرر قوات الحشد الشعبي توسعاتها بحجة محاربة الإرهاب المتنامي الذي تتعرض له العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى. وهذا صحيح إلى حد ما لاسيما وان فصيل من فصائل الحشد الشعبي (منظمة بدر) أصبحت على حد قول أمين عامها هادي العامري بتاريخ 2/9/2016، أقوى بكثير من الجيش العراقي نفسه.

يتمركز الصراع بشكل كبير داخل الحشد الشعبي بين ثلاثة تيارات رئيسة متمثلة بـ :

التيار الأول (سرايا السلام): وهي الذراع المسلح لجماعة مقتدى الصدر وهو أكثر الفصائل عدة وعدد واقلها دعما من إيران ويحتل المركز الأول بين فصائل الحشد الأخرى. يتخذ هذا التيار مواقف معادية من الولايات المتحدة الأمريكية ومواقف حادة من إيران وكذلك لديه تاريخ طويل مع القوات الأمريكية منذ عام 2004.

التيار الثاني (أنصار ولاية الفقيه في العراق): وهو من أخطر التيارات واعقدها وأكثرها تركيبا بالرغم من أن هذا التيار يقع في المركز الثالث من حيث العدد إلا انه يمثل أكثر التيارات فعالية وتأثير بسبب أن قيادة الحشد موجودة لدى فصائله المدعومة بشكل كبير من إيران. يهدف هذا التيار إلى التغلغل سياسيا وامنيا واقتصادياً بشكل أوسع وأكبر في جسد الدولة العراقية والذي يشمل أنصار ولاية الفقيه في العراق التي تعطى الفقهاء ورجال الدين الحق في المشاركة في الحكم بحسب هذا المبدأ، ويتكون مؤيدوا هذا التيار من منظمة بدر بزعامة هادي العامري وأبو مهدي المهندس، وعصائب أهل الحق تحت قيادة قيس الخزعلي المنشق عن التيار الصدري بدعم إيراني، وسرايا النجباء وفروعها الأخرى المرتبطة بصورة غير مباشرة وواضحة برئيس الوزراء السابق نوري المالكي وعصائب أهل الحق. تجدر الإشارة إلى إن هذا القسم يعمل تحت غطاء وتنسيق مباشر من قاسم سليماني داخل العراق.

التيار الثالث (حشد العتبات الحسينية والعباسية) : وهو الأكثر ضعفا من حيث التأثير والدعم لكنه يحتل المركز الثاني من حيث العدد والمتكون من الفصائل المدعومة بصورة غير مباشرة من المرجع الأعلى السيد علي السيستاني وهي (لواء علي الأكبر وفرقة العباس وفرقة الإمام علي وبعض الفصائل الأخرى).هذا الجزء لا يتلقى دعما كبيرا من إيران بسبب ارتباطه بمرجعية النجف العربية الرافضة بصورة غير رسمية لولاية الفقيه الإيرانية بالتالي يقف بالضد من طموحات تيار ولاية الفقيه من الحشد ويرفضها ، ويتفق من حيث الأهداف مع تيار سرايا السلام بالرغم من الخلافات العميقة حول قضايا أخرى عديدة.

إن احتمالات وقوع صدام داخل مؤسسة الحشد الشعبي بين سرايا السلام وأتباع ولاية الفقيه واردة لأسباب عديدة أهمها تقاطع الأهداف والأيدولوجيا واختلاف الداعم الخارجي كما أن سرايا السلام لديها انتماءات إسلامية عربية أكثر من أتباع ولاية الفقيه المرتبط بإيران ارتباطا كلياً ولديها طموحات لإنشاء ما يسمى بدولة العدالة الإلهية التي تروج إليها ولاية الفقيه والتي تتقاطع مع أفكار وطموحات سرايا السلام وحشد العتبات الحسينية والعباسية.

تمكن أهداف أتباع حشد ولاية الفقيه في العراق – منظمة بدر والعصائب والنجباء والفصائل المنضوية الأخرى- بالاندفاع في تعزيز هذا التحول اتجاه العملية السياسية من باب أن التضحيات التي يقدمها هذا التيار اقل ما يمكن لها أن تكافئ به هو الحصول على مكاسب سياسية داخل الدولة العراقية. وبشكل أوسع، فليس من المنطق بحسب رؤية هذا الفصيل أن يتم تحقيق النصر العسكري في مختلف المناطق لكي تحصد بعض الكتل السياسية الأخرى هذه المكاسب في الساحة الانتخابية، إلا أن المطلوب الأن هو ابتلاع الشارع العراقي بشكل أكبر وأوسع باسم تضحيات الحشد وتسويق عمليات التحرير التي تجري في مختلف قواطع العمليات لصالح هذا التيار.

يتفق كلا من أنصار سرايا السلام وحشد العتبات الحسينية والعباسية حول الخطورة الجسيمة التي تشكلها طموحات مجاميع أنصار حشد ولاية الفقيه في العراق، إذ تمثل هذه الطموحات انحرافاً واضحاً في وظيفة هذه المؤسسة وتفريغها من مضمونها ومحتواها الذي أنشأت من أجله بفتوى السيد السيستاني. فقد باتت بعض قيادات الحشد اليوم (من أنصار ولاية الفقيه في العراق) يشكلون خطراً استراتيجياً كبيراً على الدولة العراقية.

من ناحية ثانية أدركت واشنطن ومنذ فترة مبكرة انه ليس من السهولة والصحة أن يتم التعامل بإقصاء مع مؤسسة الحشد الشعبي بشكل كامل وإبعادها عن عمليات التحرير بقدر ما أن الدعم المشروط الذي ستقدمه واشنطن للحكومة العراقية وللمؤسسات الرسمية هو الكفيل بتهميش وتقزيم دور هذه المؤسسة تدريجياً من ثم عزلها بشكل كبير عن المعارك التي تخوضها القوات العراقية بدعم دولي وعزل النفوذ الإيراني معه. لذا تنظر واشنطن للأمر بعين المراقب الذي يقدم الدعم المشروط، بيد أن واشنطن إلى الأن لا تزال تتعامل بحذر شديد مع هذه المؤسسة وقياداتها.

ومثالا على ذلك، فبعد أن تم استكمال عملية تحرير الفلوجة بالكامل على يد قوات النخبة والجيش العراقي وعشائر محافظة الأنبار بدعم كبير من سلاح الجو للتحالف الدولي، حدث تهميش واضح لدور قوة الحشد الشعبي في العمل العسكري المباشر للتحرير والاكتفاء بعملية المساندة الخارجية. وبعد نجاح الإستراتيجية الأمريكية بالتعامل الحذر والتدرجي مع الحشد وتحجيمه عبر دعم المؤسسات الحكومية العراقية وتعزيز أدوارها في مختلف المعارك وتقويتها على حساب مؤسسة الحشد، لم يتبقى للعراق من المدن الكبرى المحتلة سوى نينوى، وقد بات واضحاً أن مؤسسة الحشد الشعبي وتحديدا تيار أنصار ولاية الفقيه منه أدرك الإستراتيجية الأمريكية جيداً وبدأ يفكر بلعب أدوار سياسية وأمنية جديدة داخل بغداد وهذا مؤشر واضح على التهيؤ للمرحلة الجديدة لما بعد “داعش”،اذ استوعب فصيل ولاية الفقيه داخل الحشد الإستراتيجية الأمريكية جيدا ،من ثم سعى هذا التيار إلى إيجاد أدوار سياسية وأمنية واقتصادية جديدة في بغداد لإفشال هذه الإستراتيجية أو صدها على اقل تقدير ، وكل ذلك يدخل بكل تأكيد في اطار الصراع الأمريكي الإيراني على كسب النفوذ داخل بغداد.

إن مؤشرات بداية هذا المشروع يمكن التماسها عبر التصريحات المباشرة التي قدمها قيادات أنصار ولاية الفقيه في العراق في الحشد والتي ترنو إلى التدخل المباشر من قبل هذه المؤسسة في الترتيبات الأمنية للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي وهي إشارات واضحة للتحول التكتيكي نحو الداخل بعد اقتراب انتهاء مرحلة الحرب على “داعش” في المدن الكبرى خلال الأشهر القادمة.

على هذا الأساس، تكمن فكرة قيادة الحشد الشعبي التابعة لأنصار ولاية الفقيه في العراق بالتحول إلى مؤسسة موازية بجملة من النقاط وهي:

باسيج أو حزب الله عراقي جديد: من الواضح انه هناك نوايا وتوجهات إيرانية حثيثة ترغب بان يتحول ذلك الجزء الموالي لها داخل الحشد إلى مؤسسة ثابتة ملتصقة في جسد الدولة العراقية، كما هو حال مؤسسات الباسيج في إيران ومؤسسة حزب الله في لبنان، هذه المساحة ستوفر إمكانية اعلي لإيران بان تتغلغل بشكل أوسع داخل الدولة العراقية.

هيبة الدولة العراقية المفرطة المستفزة :إن استعادة القوة العسكرية العراقية المتمثلة بوزارة الدفاع وتشكيلاتها ووزارة الداخلية ومؤسساتها والدعم الإقليمي والدولي المستحصل لها مكنها من أن تتصدر من جديد واجهة العمليات العسكرية والأمنية على المستوى الداخلي، الأمر الذي همش بشكل كبير وواضح دور الحشد الشعبي، لاسيما وان الحشد كان يتصدر واجهة العمليات منذ نهاية عام 2014 حتى نهاية عام 2015 ، وكان مسيطراً عليه من قبل انصار ولاية الفقيه في العراق رغم قلة عدد هذا الفصيل مقارنة بالفصائل الأخرى داخل الحشد لكن قوة الدعم والتأثير هي التي جعلته يتصدر واجهة هذه المؤسسة ، مع ضرورة الذكر أن تعافي المؤسسة العسكرية العراقية لم تثير استفزاز وحساسية أطراف الحشد الأخرى.

الانكفاء نحو الداخل السياسي: بعد استبعاد مؤسسة الحشد الشعبي عن معركة الفلوجة، ازدادت ريبة فصيل ولاية الفقيه داخل الحشد بشكل أوسع، إذ كلما أوشكت المعارك بين قوات “داعش” والحشد الشعبي على الانتهاء، نمى إصرار أتباع ولاية الفقيه في العراق من الحشد على الدخول في المشهد السياسي الداخلي في العراق بشكل أوسع. وقد بدأت ملامح هذه التحركات بالظهور بعد التهميش الذي حدث للحشد في معركة الفلوجة فضلا عن صعود نجم العبادي ووزير دفاعه المقال خالد العبيدي الذين حررا مدن كبرى سقطت على يد نوري المالكي رئيس الوزراء السابق وأحد المؤثرين بشكل كبير على الجزء التابع لأنصار ولاية الفقيه في العراق، وهو الرجل الذي أعلن قائلا ” أنا من أسس قوات الحشد الشعبي “. مترافقاً مع ما جاءت من تصريحات بتاريخ 4/7/2016 قدمها الأمين العام لفصيل عصائب أهل الحق والقاضية بضرورة إشراك الحشد في إدارة الملف الأمني داخل بغداد والمطالبات التي ظهرت بعد هذا التصريح بتسليم ملف مدينة بلد الأمني للحشد.

ابتلاع الدولة أو الوقوف على رأسها: بالرغم من وجود نوايا عديدة لمأسسة هيئة الحشد الشعبي لمرحلة ما بعد “داعش”، بيد أن طموحات أنصار ولاية الفقيه من الحشد لا تكتفي بان تكون مؤسسة جزء من الحكومة العراقية تعمل شكلياً تحت غطاء رئاسة الوزراء العراقية، بل ترغب بابتلاع أجزاء كبيرة من الدولة أو على اقل تقدير تكون سلطة لا سلطة فوقها ولا أحد يحدد من نفوذها وتدخلاتها.

صراع البيت الشيعي المسلح: تعاني مؤسسة الحشد الشعبي حاليا من هيمنة واضحة لتيار أنصار ولاية الفقيه والذي بدأ يفرض سياساته وتهميشه الواضح لباقي الفصائل التي لا تتفق وطموحاته، فليس كل هيئة الحشد الشعبي لديها نفس الطموحات بالاستيلاء على الدولة العراقية أو ابتلاعها بقدر ما أن هناك جهات داخل هذه المؤسسة تقف بالضد من هذا المشروع والتوجه الذي تنتهجه فصائل أنصار ولاية الفقيه في العراق. بيد أن الكفة والقوة واضحة وتميل بشكل كبير لمحور عصائب أهل الحق ومنظمة بدر والنجباء ومن معهم ومن يقف ورائهم في الداخل (رئيس الوزراء السابق نوري المالكي) وفي الخارج (إيران).

إقصاء وتهميش المشاريع المضادة: فضلا عن عملية التحول هناك عملية الفرز وتصفية وإقصاء تجري داخل الحشد لعزل بعض الفصائل وإقصاء الأخرى ذات الانتماء والولاء للعتبات الحسينية والعباسية في النجف وكربلاء (ذوي انتماءات شيعية عراقية عربية)، مقابل تنامي نفوذ المجاميع التابعة لأنصار ولاية الفقيه في العراق. وقد قام نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس” بقطع الرواتب وقطع تسليح عن بعض الفصائل داخل الحشد من ذات الانتماء العراقي لمرجعية النجف لأسباب مجهولة يرجح البعض أنها تقف بالضد من مشروع أنصار ولاية الفقيه داخل الحشد الشعبي.

إدارة بارعة للشارع وتوظيف الأزمات : يمكن تأشير نمو جانب إعلامي مروج كطرف ولاية الفقيه في العراق داخل الحشد، إذ قام رئيس الوزراء حيدر العبادي بزيارة موقع تفجير الكرادة بعد ساعات من الحادثة وتم على اثر ذلك طرده من قبل المواطنين بشكل سريع، كما زار احد قياديي فرقة العباس (احدى التشكيلات التابعة للعتبات الحسينية والعباسية العراقية) فتم طرده أيضا ، بينما زار كل من هادي العامري وقيس الخزعلي المحسوبان على جناح إيران داخل الحشد وقد تم استقبالهم بحفاوة كبيرة من قبل المواطنين وقد تم تسليط الضوء بشكل كبير على هذه الحادثتين في تلك الفترة في إشارة إلى ارتفاع نفوذ إيران بشكل كبير داخل الحشد مقابل انخفاض شعبية باقي الفصائل.

يذكر أن محنة الدولة العراقية لم تكن وليدة اللحظة الحالية بل هي ذات أصول تاريخية متجذرة منذ تأسيس العراق الحديث عام 1921 والأدوار التي كانت تلعبها العشائر إذ تذكر الشواهد التاريخية وبعض المؤرخين انه في مرحلة من المراحل امتلكت العشائر العراقية أسلحة أكثر من امتلاك الدولة لها، وانتقالا إلى العهد الجمهوري بعد عام 1958 وظهور تشكيلات الحرس القومي لاحقاً ثم الجيش الشعبي وفدائيو صدام وجيش القدس.وبالرغم من الانقسام الداخلي داخل قوات الحشد الشعبي، إلا أنها نموذجا للقوات العسكرية التي تم إعادة تشكيلها لتتولى أدوارا سياسية، واقتصادية، واجتماعية على الساحة العراقية.

بشكل عام يمكن تقسيم احتمالات المواجهة التي يرجح للحشد أن يخوضها إلى اتجاهين، الأول هو نحو الداخل (أي المواجهة بين فصائل الحشد نفسها) أما الثاني (نحو الخارج) وهو وجود طرف خارجي أخر يمكن أن ينتقل إلى خانة العداء كالطرف الكردي (مواجهة البيشمركة– الحشد). ومن ثم، فان أي صراع مستقبلي داخل قوات الحشد الشعبي سيكون مرتبطا بالأساس بالانتماءات السياسية لكل تيار، كما أن هذا الصراع المحتمل سيكون بين فصائل متعارضة ومتقاطعة المصالح والعقيدة داخل التيار.  لذا يرجح العديد من الباحثين أن مستقبل الحشد يكاد يكون أشبه ببرميل البارود الذي قد ينفجر في أي لحظة في ظل الحديث عن إمكانية وقوع صدام داخل الحشد بين فصائله المتعارضة ومتقاطعة المصالح والعقيدة، والتي هي ترتبط ارتباطاً طردياً بالعملية السياسية. وبعبارة أخرى، قد يؤدى تتصاعد المشاكل السياسية داخل الحشد الشعبي إلى بروز العديد من المشاكل الأمنية التي يدعى الحشد القيام بحلها في العراق.

علي اغوان

عن منتدى فكرة

Print Friendly