rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

حرب طويلة تتخللها هدنات قصيرة

561f7a89a5965

ظاهرُ الاتفاق الأمريكي – الروسي بشأن سوريا تفاهمٌ حول إيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب الشرقية ومناطق أخرى محاصرة. باطنه خلاف محتدم حول قضايا ومصالح ومخططات لها إشكالات تنطوي على صدامات حول مصالح وطموحات بين الدولتين العظميين من جهة، ودول إقليمية نافذة من جهة أخرى.
هذه الحال المعقدة لأزمة سوريا المتمادية تجعل الحرب فيها وعليها حرباً طويلة تتخللها بين الفينة والفينة هدنات قصيرة أقرب ما تكون إلى فترات تهدئة لالتقاط الأنفاس وتدوير الزوايا.
يتحصّل من هذا التقويم لحال سوريا أن الحرب فيها وعليها لا تقتصر على الولايات المتحدة وروسيا. ثمة أدوار ومصالح ومطامح ومخططات متداخلة فيها لتركيا وإسرائيل والسعودية وإيران، فضلاً عن فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
نفط بلاد العرب لا يشكّل أولوية لأمريكا، المعروض منه كثير والمخزون أكثر، هذا فضلاً عن احتياط النفط الصخري المتوافر بكثافة لديها. ما يهمها أكثر عائداتُ النفط الضخمة لدى حلفائها الخليجيين وضرورة إيداعها أو تثميرها في مصارف أمريكا وأسواقها ومشروعاتها. لذا تراعي واشنطن حلفاءها الخليجيين، ولا سيما السعودية، كي يكون بإمكانها الاستفادة من عائدات النفط على الوجه المبين آنفاً. وبما أن للسعودية مصالح وحلفاء في اليمن وسوريا، وتشارك في الحرب الدائرة في كلٍ منهما، فقد بات من الضروري أن تضع واشنطن في حسبانها رأي السعودية ومصالحها عند بحث أي اتفاق مع روسيا أو غيرها يتعلق باليمن أو سوريا أو العراق. هذا من شأنه إطالة أمد التفاوض بين الأطراف المعنيين، فضلاً عن العقبات والعراقيل التي تعتور تنفيذ الاتفاقات المحتمل التوصل إليها.
تركيا تشارك بصورة مباشرة في حرب سوريا، لها فيها قوات وحلفاء يتعاونون معها على تنفيذ أغراضها وحماية مصالحها. هدفها الرئيس منع الكرد السوريين من السيطرة على المناطق الممتدة من الحسكة في الشرق إلى عفرين في الغرب على طول الحدود السورية – التركية، وذلك للحؤول دون إقامة دويلة مستقلة بدعمٍ من الكرد الأتراك الذين يقاتلون حكومة أنقرة لتحقيق هدف مماثل. فوق ذلك، تبتغي أنقرة إقامة «منطقة آمنة» أو عازلة في شمال سوريا بدعوى التحوّط من مخاطر المحاولات الرامية إلى إنشاء دولة كردية. وجود تركيا في سوريا ودعمها لجبهة «النصرة» التي تعتبرها واشنطن وموسكو إرهابية يُعرقلان التوصل إلى اتفاق بينهما بشأن سوريا، كما يُعرقلان إجراءات تنفيذه بعد إقراره.
لـِ»اسرائيل» مطامع ومخططات ضد سوريا، وهي تدعم جبهة «النصرة» وحلفاءها في اعتداءاتهم الرامية إلى توسيع سيطرتهم على جيب في منطقة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل. كما تعادي إيران بما هي قوة إقليمية صاعدة وحليفة وداعمة للرئيس بشار الأسد، وتتعاون مع تركيا وحلفاء السعودية لإزاحته أو، في الأقل، للحؤول دون بقائه بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. لذا تُشكلّ اعتداءات «اسرائيل» ودعمها العلني للفصائل الإرهابية في سوريا عرقلة لأي اتفاق لإنهاء الحرب لا يتضمن أحكاماً تحمي مصالحها وتدعم مطامعها، وفي مقدمها تفكيك البلاد إلى جمهوريات موز قائمة على أساس مذهبي أو اثني أو قبلي.
لـِ»السعودية» كما تركيا اغراض في سوريا ابرزها إخراجها من تحالفها مع ايران وفصائل المقاومة العربية في لبنان وفلسطين. إلى ذلك، للسعودية نفوذ وتأثير في بعض تنظيمات «الإسلام الجهادي» الناشطة في سوريا ناجمان عن تمويل بعضها وتعاونها مع تركيا في استخدامها ضد حكومة الأسد. ولا شك في أن للسعودية نفوذاً ايضاً لدى الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أن تبذل جهوداً لديها للحؤول دون إقرار أي اتفاقات مع روسيا يكون من شأنها تقويض مخططها ضد حكومة الاسد. كل ذلك من شأنه تعقيد المفاوضات وعرقلة اتفاقات يمكن أن تتوصل إليها واشنطن وموسكو حيال سوريا.
ايران اصبحت بعد الاتفاق النووي قوة إقليمية وازنة في المنطقة ولها فيها نفوذ ومصالح ومطامح. لعل اهم ما تحرص عليه طهران في هذه المرحلة حماية أمنها القومي بتعزيز التحالف مع اطراف محور المقاومة الذي يضم سوريا وبعض تنظيمات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. في هذا المجال تجد ايران نفسها في صدام سياسي قد يتطور إلى صدام عسكري مع كلٍ من اسرائيل وأمريكا وتركيا وتنظيمات «الإسلام الجهادي» المتحالفة معها، كون الاخيرة تشكّل في سياستها وانشطتها العسكرية تهديداً متفاوت الخطورة لسوريا ولفصائل المقاومة المتحالفة معها. كل هذا من شأنه أن ينعكس أيضاً على المفاوضات كما على تنفيذ أي اتفاقات يمكن التوصل إليها بين أطراف الصراع. ذلك أن طهران قد تجد في المفاوضات أو الاتفاقات أو طرائق تنفيذها ما يسيء لا إلى سوريا وحلفائها فحسب، بل إليها أيضاً الأمر الذي يحملها على التدخل، بشكل أو بآخر، لدعم الحلفاء ما يؤدي بدوره إلى اطالة أمد المفاوضات أو تأخير وتيرة تنفيذ الاتفاقات الناجمة عنها.
فوق ذلك، ثمة عاملان يؤثران سلباً على المفاوضات كما على الاتفاقات ووتيرة تنفيذها:
الاول، هو وجود خلاف داخل الولايات المتحدة نفسها حول ما يقتضي عمله في سوريا. فوزارة الخارجية أكثر مرونة من وزارة الدفاع (البنتاغون) التي تبدو اكثر تشدداً بدليل اعترافها بقصف جوي لموقع قرب مطار دير الزور أدى الى استشهاد عشرات الجنود السوريين. ثم أن الرئيس اوباما يبدو محرجاً قبل نحو ثلاثة اشهر من انتهاء ولايته وبالتالي يؤثر الإحجام عن اتخاذ موقف قد ينعكس سلباً على مرشحة حزبه في الانتخابات الرئاسية. كل ذلك يجعل أمريكا مراوغة ومتلكئة في المفاوضات وفي تنفيذ الاتفاقات الناجمة عنها.
الثاني، هو فهم تنظيمات الإرهاب لمصالحها ومدى انعكاس الاتفاقات وتنفيذها على أغراضها ومصالحها. صحيح أن بعضها طيّع ومطيع للدول التي تموّله وتسلحه، لكن بعضها الآخر يحتفظ بقدْرٍ من الاستقلالية يمكّنه من الاعتراض وربما أيضاً من رفض بعض الاتفاقات والعمل على عرقلة تنفيذها.
كل هذه العوامل والمصالح والاعتبارات سالفة الذكر تُسهم بمقادير متفاوتة في تعقيد المفاوضات بين أطراف الصراع وعرقلة تنفيذ الاتفاقات المعقودة.
هكذا تبقى سوريا، كما سائر أطراف الصراع، في حال حربٍ متمادية تتخللها، احياناً، هدنات قصيرة لالتقاط الأنفاس ومعاودة تدوير الزوايا.

د.عصام نعمان

صحيفة القدس العربي

Print Friendly