rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

العرب.. وقانون «جاستا»؟

large-318001517900783737

تستمد القوانين أهميتها في العادة من نصوصها والنتائج التي تترتب على تطبيقها. ولكن الرسالة المتضمنة في القانون المُسمى «العدالة ضد رعاة الإرهاب» ‏JASTA ‬تبدو ‬أكثر ‬أهمية ‬من ‬محتواه ‬وما ‬يمكن ‬أن ‬يؤدي ‬إليه، ‬بعد ‬أن ‬شرع ‬أقارب ‬بعض ‬ضحايا ‬هجمات ‬سبتمبر ‬2001 ‬في ‬رفع ‬دعاوى ‬قضائية ‬بناءً ‬عليه.

يفرض هذا القانون على من يرفعون مثل هذه الدعاوى جمع أدلة لم تجد لجنة تحقيق مستقلة شيئاً منها حين بحثت عنها عقب العمل الإرهابي، وفي وقت كان الوصول إليها أسهل بكثير جداً لو أنها موجودة أصلاً.

وعلى غير الاعتقاد الشائع في كثير من وسائل الإعلام، لا يُقدم «جاستا» جديداً‏‭ ‬لمن ‬يبحثون ‬عن ‬أدلة ‬مزعومة ‬على ‬تورط ‬مسؤولين ‬بالحكومة ‬السعودية ‬أو ‬موظفين ‬لديها ‬في ‬هجمات ‬سبتمبر ‬2001.

فالنص الذي أعاد الكونجرس إصداره هو نفسه الذي سبق أن أصدره بعد تعديل مهم أُدخل على مشروعه الأول، فقد أدخل عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بمبادرة من السيناتور جون كورنين، تعديلات على المشروع الأصلي قبل التصويت عليه. وبموجب هذا التعديل، يأخذ القانون بالنظرية التي تعمل بموجبها المحاكم الأميركية، وهي عدم النظر في ادعاءات التورط غير المباشر أو ما يسمى المسؤولية الثانوية في الأعمال الإرهابية. وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه القانون الأميركي لمكافحة الإرهاب الصادر في 26 أكتوبر 2001، والمعروف باسم قانون «باتريوت» ‏PATRIOT ACT.

وعلى رغم أن «جاستا» يخرق مبدأ الحصانة السيادية الذي يُعدَّ أحد أركان القانون الدولي، فإنه لا يُتيح إصدار أحكام بناء على ادعاءات تتعلق بمسؤولية ثانوية، أي أنه يبقي على الوضع القائم بموجب قانون ‏PATRIOT. ‬ويعني ‬ذلك ‬إلزام ‬المدعي ‬بتقديم ‬أدلة ‬على ‬أن ‬من ‬يوجه ‬ضده ‬اتهاماً فهو ‬مسؤول ‬بشكل ‬أساسي ‬ومباشر. ‬وهذه ‬مهمة ‬صعبة، ‬بل ‬تُعدُّ ‬مستحيلة ‬في ‬حالة ‬هجمات ‬2001 ‬خصوصاً ‬لأن ‬كل ‬المسؤولين ‬المباشرين ‬عنها ‬صاروا ‬معروفين ‬على ‬سبيل ‬الحصر.

غير أنه إذا كان «جاستا» لا يتيح إدانة دولة عربية، فهو يمثل استهانة بالعرب جميعاً، وينطوي على رسالة خطيرة مفادها أن في الإمكان التعامل معهم بالطريقة التي يراها الكونجرس أو غيره، وليس بالأسلوب الذي تـُحدّده قواعد العلاقات الدولية، وهذه رسالة لا تقتصر على الحكومة السعودية.

ولذلك ينبغي أن يكون الرد عليها عربياً، وعبر إجراءات قانونية متعددة لكي يدرك صانعو القرار في الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية أن العرب يملكون قدرة على التأثير حتى في أصعب مرحلة في تاريخهم الحديث.

والمهم أن يكون الرد سريعاً لكي يتلقاه الكونجرس الجديد في بداية انعقاده، بحيث يضطر إلى مراجعة القانون المسيء إلى العرب على نحو يضع حداً لهذه الإساءة، وليعرف أعضاؤه أن خطأ حدث ينبغي تصحيحه وعدم تكراره مرة أخرى.

ويمكن في هذا الإطار عقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري لجامعة الدول العربية للبحث في إمكان تعديل القوانين المعمول بها في هذه الدول بحيث تسمح برفع دعاوى قضائية ضد الحكومات التي تؤدي سياساتها الخارجية والعسكرية إلى دعم الإرهاب بشكل ضمني.

وإلى أن يُعقد هذا الاجتماع، وآخذاً في الاعتبار احتمال عدم انعقاده، يمكن أن تبادر منظمات وشخصيات عربية برفع دعاوى قضائية فورية ضد مسؤولين أميركيين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك، بما فيها الولايات المتحدة نفسها بموجب قانون «جاستا»، بتهمة صنع وتنفيذ سياسات أدت أو تؤدي إلى صب زيت على نار الإرهاب في الشرق الأوسط، وتقود إلى تهديد أمن مواطني دول أخرى خارج هذه المنطقة حين يضرب الإرهاب فيها انتقاماً أو ثأراً. كما يمكن لأميركيين من أصل فلسطيني رفع دعاوى بموجب «جاستا» أيضاً ضد مسؤولين في الإدارة الحالية وإدارات سابقة في واشنطن بتهمة مساعدة إسرائيل عسكرياً على ارتكاب جرائم في الأراضي المحتلة.

ولا يمنع ذلك التحرك في اتجاه قانوني آخر، وهو أن يسعى المحامون الذين سيتصدون للدعاوى المرفوعة من جانب أقارب بعض ضحايا هجمات 2001 إلى الطعن في دستورية «جاستا» لإبطاله.

ومن شأن مثل هذه الإجراءات القانونية أن تغني عن أي تصعيد سياسي يطالب به بعض الغاضبين على الاستخفاف بالعرب، لأن الهدف هو توجيه رسالة مضادة لتلك المتضمنة في ذلك القانون، وخير رد في مثل هذه الحالة هو الذي يكون من جنس الإجراء المردود عليه.

وحيد عبدالمجيد

صحيفة الاتحاد

Print Friendly