rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

هل توجّه تركيا أنظارها نحو الصين؟

turkeychinaflagserdoganxirtx2ny4l-639x405

يعود التوتر في العلاقات الأمريكية – التركية إلى ما قبل محاولة الانقلاب التي وقعت في تموز/يوليو ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، وما انفكت تزداد سوءاً منذ ذلك الحين. فالمسؤولون الأتراك رأوا في تسليم فتح الله غولن، الذي يترأس حركة “خدمة” العالمية من منزله في بنسلفانيا، اختباراً للالتزام الأمريكي تجاه تركيا، فيما أوحوا في الوقت نفسه بإمكانية ضلوع الحكومة الأمريكية نفسها في الانقلاب. من جهتها، أعربت الولايات المتحدة عن قلقها المتزايد بشأن [قمع] الحريات المدنية في تركيا وعن إمكانية [نجاح] أنقرة في دورها كحليف للولايات المتحدة في أعقاب الانقلاب. وقد تضررت كذلك العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي – التي كانت متوترة بالفعل بسبب رفض أوروبا الفعلي طلب تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومؤخراً بسبب أزمة اللاجئين السوريين.

ومما لا يثير الاستغراب أن تمدّ أنقرة يدها إلى قوى أخرى مع تدهور علاقاتها مع الغرب. فالعلاقات بين تركيا وإيران – التي أبدى وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، دعماً ملحوظاً لأردوغان مع انكشاف محاولة الانقلاب [وتطوراتها] – أخذت تتوطد خلال الأشهر الأخيرة. كما أن تركيا وروسيا، اللتان تدهورت علاقاتهما في أواخر عام 2015 بعد أن أسقطت القوات التركية طائرة مقاتلة روسية، عادتا لإرساء علاقات طبيعية نسبياً بينهما في أعقاب الزيارات المتبادلة التي قام بها الرئيسان أردوغان وبوتين إلى سانت بطرسبرغ واسطنبول على التوالي، بعد محاولة الانقلاب.

إلا أن كلا هاتين العلاقتين تقتصران على اعتبارات تاريخية وجغرافية. فموسكو تفتقر إلى الأمن وتتصف بطابعٍ انتقامي، وقد استكملت للتو عملية ضم أراض مطلة على البحر الأسود، ولذلك فهي تُعتبر حليف غير مطمئن لأنقرة. أما إيران التي تشكل شريكاً مهماً في التجارة، فغالباً ما تتعارض مع أنقرة أكثر مما تتفق معها حول القضايا الإقليمية، بدءاً من سوريا ومروراً بالعراق ووصولاً إلى دور الولايات المتحدة.

غير أن التحالف مع بكين سيعود بالفائدة على أردوغان أكثر من أي تحالف مع موسكو أو طهران. وبينما يُعدّ الطرفان شريكين مقرّبين في الأعمال التجارية، ثمة إمكانية في ترسيخ العلاقات بينهما بينما تعمل أنقرة على تلافي اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة، ومع تطلّع بكين إلى تعزيز انخراطها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري في منطقةٍ تزداد أهميةً لمصالحها.

معلومات تاريخية

لم تزدهر العلاقة بين تركيا والصين الحديثة حتى سبعينات القرن العشرين نتيجةً للتقارب الذي حصل بين واشنطن (حليفة أنقرة المقرّبة في حلف شمال الأطلسي) وبكين. ثم تعمقت العلاقة في تسعينات القرن نفسه حين عمدت الولايات المتحدة وأوروبا إلى تقييد مبيعات الأسلحة إلى تركيا بسبب القضية الكردية، مما دفع بأنقرة إلى البحث عن جهات بديلة لتزويدها بالسلاح.

واستمرت العلاقات في النمو منذ ذلك الحين. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2010، قام رئيس الوزراء الصيني السابق ون جيا باو بزيارة إلى تركيا ثم تبعه الرئيس شي جين بينغ بزيارة أخرى في عام 2012، بينما ردّ أردوغان الزيارة إلى الصين في العام التالي. وفي عام 2012 أصبحت تركيا أيضاً “شريكاً في الحوار” مع “منظمة شنغهاي للتعاون”، وهي مجموعة متعددة الأطراف تهيمن عليها روسيا والصين ويعتبرها الغرب أحياناً طامحة إلى منافسة المؤسسات التي ترأسها الولايات المتحدة أو الحلول محلها. وفي الوقت نفسه، أجرت القوات الجوية للدولتين مناورات مشتركة متعدّدة من بينها مناورة عسكرية أجريت في عام 2009 وقامت خلالها المقاتلات الصينية بالهبوط في إيران للتزوّد بالوقود في طريقها إلى تركيا.

يجدر بالذكر أن التجارة هي العنصر الأقوى في هذه العلاقة. ففي عام 2000، وصل إجمالي حجم التجارة الثنائية بينهما إلى نحو 1,4 مليار دولار بينما بلغ 27,3 مليار دولار في عام 2015. وخلال تلك الفترة، تمكّنت الصين من التفوق على ألمانيا لتصبح المصدر الرئيسي للواردات التركية.

عقبات في طريق الحرير

على الرغم من هذه العلاقات المتقاربة، لم تتوسع العلاقات الصينية – التركية بسلاسة، فالصين تعتبر الإسلام السياسي بمثابة تهديد في حين أن تركيا هي إحدى أبرز الدول الراعية له – وقد تسبب هذا الأمر، من جملة صعوبات أخرى، بخلاف كبير بين أنقرة ومصر، دولة شرق أوسطية أخرى تحاول الصين التقرب منها. ولذلك، ليس بالمفاجئ فعلاً أن تنتظر بكين تبلور نتيجة محاولة الانقلاب قبل أن تصدر تصريحاً ملطّفاً من قبل مسؤول من المستويات الدنيا في وزارة الخارجية تدعم فيه المساعي التركية لحماية “أمنها واستقرارها الوطني”. وبعد عدة أسابيع من ذلك، أرسلت الصين نائب وزير الخارجية تشانغ مينغ لزيارة أنقرة.

وعلاوةً على ذلك، وقع خلافٌ بين الحكومتين بشأن أقلية الأويغور الصينية التي تربطها علاقات تاريخية وعرقية مع تركيا. فبكين تتهم الأويغور، ومعظمهم من المسلمين، بالرغبة في الانفصال عنها وبضلوعهم في أعمال إرهابية أيضاً – سواء داخل الصين، أم في مناطق أخرى من جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، أم في الشرق الأوسط كمقاتلين أجانب. ومن جانبها، تحافظ تركيا على سياسة الترحيب تجاه المهاجرين الأويغور وتنتقد معاملة الصين لهم. وقد بلغ الخلاف ذروته في عام 2009 بعد أعمال الشغب التي وقعت في مقاطعة شينجيانغ الصينية، مما أدى إلى رد فعل قاس من أردوغان والذي تراجع عنه لاحقاً وزير خارجيته في ذلك الوقت، أحمد داوود أوغلو. وقد هدأت هذه التوترات، وتعهّد الرئيسان شي وأردوغان بتعميق التعاون بينهما في مكافحة الإرهاب، بيد ستبقى قضية الأويغور نقطة شائكة على الأرجح.

وقد ظهرت عقبات على الصعيد العسكري أيضاً. ففي عام 2013، بدت العلاقات الاستراتيجية بين الصين وتركيا مؤهلة للمضي قدماً عندما أعلنت تركيا عن خطط لشراء نظام دفاع صاروخي من الصين – ومن شركة خاضعة لعقوبات أمريكية. وفي حين كانت هذه خطوة جريئة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، إلا أنها لم تفضِ في النهاية إلى شيء؛ ففي عام 2015، أُلغيت صفقة البيع بسبب الاحتجاجات الغربية والمشاكل التعاقدية. وقد ألقت هذه الصفقة الضوء في النهاية على العقبات التي تعيق تعزيز التعاون العسكري بين الصين وتركيا فضلاً عن إمكانية النمو.

وحتى التوسّع التجاري لم يخلُ من الجدل – ففي حين تضاعف إجمالي حجم التجارة بين البلدين عشرين مرة عن معدلاته السابقة، إلا أنه ازداد اختلالاً مع تجاوز نمو الواردات التركية من الصين على نمو صادراتها إلى حد كبير. وفي العام الماضي، اقتصرت الصادرات التركية إلى الصين على 2,4 مليار دولار من أصل 27,3 مليار دولار من قيمة التجارة الإجمالية.

نظرة إلى المستقبل

إذا وضعنا هذه المشاكل جانباً، قد يكون الوقت مناسباً لنمو العلاقات الصينية – التركية. فتركيا غير راضية عن تحالفاتها الراهنة كما سبق أن أُشير أعلاه، ومن غير المرجح أن تخف حدة التوتر مع الغرب إذا سار أردوغان بتركيا في اتجاه أكثر استبداداً. وحتى إذا كان من الممكن التغلب على هذه الخلافات، تبقى تركيا قلقة من استمرار التزام واشنطن تجاه الشرق الأوسط – شأنها شأن حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة – لا سيما في ضوء التردد الأمريكي بشأن الحرب السورية والتدخل الروسي فيها.

ومن جانبها، تزداد الصين انخراطاً في الشرق الأوسط، كما أن المنطقة [ككل]، وخصوصاً تركيا وإيران، تلعب دوراً ريادياً  في خطة شي جين بينغ المسماة “حزام واحد، طريق واحد” التي تتوخى [إقامة] شبكة جديدة من البنى التحتية والنقل تربط الصين بأوروبا وبمناطق واقعة بينهما. ولكن حتى قبل أن يكشف شيء عن خطته، كانت مصالح بكين الاقتصادية في المنطقة آخذة في الازدياد كمصدر للطاقة (التي يزداد تعطّش الصين إليها بحدة) وكوجهةً لرأس المال والعمالة.

وفي أعقاب ذلك الانخراط الاقتصادي، لم يكن من مفرٍّ من الانخراط الدبلوماسي والعسكري أيضاً. فقد كانت الصين مشاركاً نشطاً على نحو غير معهود في المحادثات النووية مع إيران وسعت إلى تعزيز علاقاتها الإقليمية، كما زادت من انخراطها الدبلوماسي في نزاعات المنطقة وأبرزها الصراع السوري دون أن تقتصر عليه. حتى أن الصين وسّعت نشاطها العسكري في المنطقة وأنشأت قاعدتها البحرية الأولى في الخارج في جيبوتي وقدمت مساعدات عسكرية متواضعة لنظام بشار الأسد في سوريا.

وإلى جانب قضية الأويغور، ستحدد ثلاثة عوامل رئيسية على الأرجح مدى تطور العلاقات بين الصين وتركيا. وأول هذه العوامل هو حظوظ الصين نفسها، فإذا استمر الركود في نموها الاقتصادي، فقد تفتقر إلى الموارد اللازمة لتنفيذ خطتها “حزام واحد، طريق واحد” أو تقديم فرص تصدير مغرية من شأنها تصحيح الخلل في تجارتها مع تركيا.

العامل الثاني هو موقف الصين من القضايا الإقليمية. فحتى الآن، لم تفرض تركيا ودول أخرى في المنطقة على بكين ثمناً يُذكر على دعمها لطهران والأسد بشتّى الطرق، كالمماطلة لتأخير العقوبات على إيران وتخفيفها خلال المفاوضات النووية، وانضمامها إلى موسكو لنقض قرارت متعدّدة صادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا. بيد، بينما يصبح دور الصين أكثر أهمية في الشرق الأوسط، فقد ينفذ صبر تلك الدول.

العامل الثالث هو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. من الممكن أن تتحلى تركيا بمنزلة خاصة لدى بكين باعتبارها حليفاً في منظمة “الناتو” كونها عرضة للإغراءات الخارجية. لكن هذا لا يعني أن الصين تسعى إلى أن تحل محل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. وبالفعل، يمكن القول إن الدولتين تتقاسمان مصالح كثيرة في المنطقة، ولذلك فإن القيادة الأمريكية تعود بالمنفعة على الصين بتكلفة قليلة من بكين. ومع ذلك، فبمعنى أوسع، تُعدّ الصين قوةً رجعية إصلاحية تعتبر نفسها منافساً للولايات المتحدة وتسعى إلى تقويض التفوق الأمريكي في العالم.

ومع ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة أن لا ترى في توسع العلاقات الصينية – التركية تهديداً بحد ذاته. وفي الواقع، هناك سبب يدعو واشنطن إلى الترحيب بمثل هذا التوسع إذا كان ذلك يقلل من قدرة تركيا على تأليب المسؤولين الأمريكيين والصينيين على بعضهم البعض والإسهام في الازدهار الاقتصادي لتركيا. حتى أنه قد يتاح للولايات المتحدة والصين المجال للتعاون في هذا الصدد، إلى الحد الذي تستطيع فيه كلا الدولتين إيصال رسائل مشتركة إلى أنقرة، مثل ضرورة تجنّب دعم الجماعات المتطرفة والتصدي لتحركات المقاتلين الأجانب.

وفي الوقت نفسه، لا يجدر بواشنطن أن ترضى بالوضع القائم، لئلا تفهم تركيا والصين أن التزام الولايات المتحدة في المنطقة متأرجح. وبما أن تركيا ضرورية للعديد من الأهداف الأمريكية – كإرساء الاستقرار في سوريا والعراق والتصدي لإيران وهزيمة تنظيمي «الدولة الإسلامية» و «القاعدة» وضمان الأمن في أوروبا وغير ذلك – فلا يمكن للمسؤولين الأمريكيين الاستسلام والتخلي عن أردوغان مهما بلغت درجة استيائهم منه. فالنفوذ الأمريكي في أنقرة – وفي بكين أيضاً إلى الدرجة التي تتأثر بها المصالح الصينية بأحداث الشرق الأوسط – سيبلغ أوجه إذا تحالفت الولايات المتحدة مع تركيا، وإذا ساد الاعتقاد الواضح بأنهما دولتان حليفتان.

 مايكل سينغ

معهد واشنطن

Print Friendly