نحن نعيش في أوقات تتسم بالمخاطر وعدم اليقين
. فالولايات المتحدة منهمكة في انتخابات رئاسية غريبة وشديدة الاستقطاب. وتخضع علاقاتها مع روسيا (التي تتبنى على نحو متزايد نهجا تحريفيا) لما يمكننا اعتباره “إعادة تشغيل” في الاتجاه المعاكس.

في حين يفرض نهج روسيا التحريفي الضغوط أيضا على أوروبا المبتلاة بالفعل بعدم اليقين في أعقاب تصويت المملكة المتحدة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى، تنهار أركان الشرق الأوسط، في حين تغذي الحرب في سوريا واليمن أزمة لاجئين واسعة النطاق.

ويعيش زعماء العالم حالة من الارتباك الشديد حتى أن كثيرين منهم لا يجدون إلا القليل من الوقت للتركيز على التوترات المتصاعدة عند الطرف الآخر من كتلة اليابسة الأوراسية: شبه الجزيرة الكورية المقسمة. ولكن في حين قد يمثل الصراع الجاري في سوريا الأزمة الأكثر إلحاحا التي يتعين على رئيس الولايات المتحدة المقبل أن يتعامل معها، فقد يتبين أن التطورات في كوريا الشمالية هي الأزمة الأكثر استعصاء على الحل.

منذ أن أجرت كوريا الشمالية أول تجاربها النووية قبل عشر سنوات، كان نشاطها على هذه الجبهة متفاوتا. ولكن النظام هناك اتجه مؤخرا إلى تكثيف جهوده: فأجرى تجربتين نوويتين هذا العام، مع تفجير أكبر سلاح نووي تفجره البلاد على الإطلاق الشهر الماضي. كما تزايدت اختبارات إطلاق الصواريخ البعيدة المدى، وهو ما يشير إلى أن كوريا الشمالية تتقدم ببطء ولكن بثبات نحو إنتاج سلاح نووي يمكن تسليمه إلى مقصده.

وكما جرت العادة، تُركز استجابة المجتمع الدولي على العقوبات. الواقع أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يناقش حاليا قرارا جديدا في الرد على تفجير الشهر الماضي. وأيا كان المحتوى الدقيق للقرار، فمن المرجح أن تكون العقوبات الجديدة موجعة. والسؤال هو هل تكون موجعة بالقدر الكافي.

الواقع أن اقتصاد كوريا الشمالية ليس بالضبط في موقف قوي يسمح لها بتحمل المزيد من الضغوط. في خمسينيات القرن العشرين، كان اقتصاد الشمال أفضل من اقتصاد الجنوب؛ واليوم أصبح أصغر بنحو 40 إلى 80 مرة (اعتمادا على الجهة التي تتولى التقدير).

ورغم أن حكومة كوريا الشمالية خففت قبضتها على الاقتصاد قليلا، الأمر الذي سمح بنمو أنشطة الظل، فإن آفاق البلاد قاتمة. فمن ناحية الثروة البشرية، كان فشل نظام كوريا الشمالية في تلبية احتياجات سكان البلاد الذين يقرب عددهم من 25 مليون نسمة مأساويا ومذهلا.

فحتى النخب استشعرت وطأة العقوبات، وهو ما انعكس في الزيادة في أعداد المنشقين من ذوي المستويات الرفيعة على مدار العام الماضي. وبطبيعة الحال، ربما ساهمت الضغوط السياسية أيضا في تعزيز هذا الاتجاه. حتى أن بعض المراقبين في كوريا الجنوبية يفكرون في احتمال انهيار نظام كوريا الشمالية، وإن كان آخرون يعتقدون أن استمرار القمع الصارم من شأنه أن يضمن نوعا من الاستقرار.

يحظى نظام كوريا الشمالية بمصدر دعم بالغ الأهمية: وهو الصين. ورغم موافقة الصين على فرض عقوبات أكثر صرامة، فإن التنفيذ كان متراخيا، كما أظهر قادتها إحجاما واضحا عن تضييق الخناق بدرجة أكبر على عميلتهم. وخلافا لكوريا الجنوبية، التي قد ترحب بانهيار النظام في بيونغ يانغ (نظريا على الأقل)، تخشى الصين العواقب السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على انهياره.

ولكن تظل الحقيقة أن نظام كوريا الشمالية يشكل تهديدا بالغ الخطورة للاستقرار في المنطقة بل وربما خارج المنطقة، وهو التهديد الذي لا يمكن تخفيفه في غياب الصين. ورغم أن ممثلي المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة، هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أكَّدوا مرارا وتكرارا أن الخيار العسكري لابد أن يظل مطروحا على الطاولة، كان التدخل العسكري الأميركي المباشر يُرفَض في نهاية المطاف دائما. ولا شك أن علاقة الصين مع كوريا الشمالية كان لها بعض التأثير على هذا القرار.

سوف يحتاج رئيس الولايات المتحدة المقبل، لكي يرتب لاستجابة فعّالة للتهديد النووي الذي تفرضه كوريا الشمالية، إلى تأمين التعاون مع الصين. بيد أن القول أسهل من الفعل، وخاصة بعد القرار الذي اتخذته أميركا مؤخرا بنشر نظام دفاعي طرفي مضاد للصواريخ على ارتفاع عال (ثاد) في كوريا الجنوبية.

رسميا، يتلخص الغرض من نظام ثاد في حماية كوريا الجنوبية من تهديد كوريا الشمالية. وتزعم الولايات المتحدة أن الغرض الأساسي منه هو الحد من خطر اتجاه كوريا الجنوبية إلى اقتناء أسلحة نووية لموازنة الخطر الذي تفرضه كوريا الشمالية.

أما الصين، فترى أن الرادار المتقدم المرتبط بهذا النظام يثير المخاوف، لأنه يصل إلى داخل الأراضي الصينية. وتخشى الصين أن يكون مرتبطا بأنظمة صاروخية أكثر تقدما سواء في اليابان أو على السفن البحرية القريبة، والتي ربما تشكل تهديدا لقوات الصواريخ الإستراتيجية في الصين. وهي مخاوف مشروعة.

لذا، يتعين على الولايات المتحدة أن تتواصل مع الصين لكي تشرح طبيعة النظام وتناقش التدابير التي ربما تعالج هذه المخاوف. ويتلخص نهج محتمل اقترحه يون يونغ كوان، وزير خارجية كوريا الجنوبية الأسبق، في ربط وجود هذا النظام الدفاعي بوضوح ببرنامج كوريا الشمالية النووي. فإذا أزيل البرنامج النووي، فسوف تُزال الصواريخ.

وينبغي للهدف النهائي من المحادثات أن يكون تأمين التعاون من جانب الصين في صياغة معاهدة سلام شاملة، توقع عليها الأطراف الإقليمية كافة، وتقضي بتطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية التي توافق على التخلي عن أسلحتها النووية والالتزام بالإصلاح السياسي. ولكن سلوك نظام كوريا الشمالية في الماضي يشير إلى أن احتمالات هذا التحول الأسطوري تكاد تكون صفرا حتى في حال مشاركة الصين.

ولهذا السبب، ينبغي للمناقشات أن تتناول أيضا ما قد يحدث إذا انهار نظام كوريا الشمالية فجأة، وهو احتمال لا يمكن استبعاده وإن لم يكن وشيكا. وفي هذا السيناريو، يستلزم الأمر إعداد خطة متفق عليها مسبقا من قبل الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية واليابان تغطي مسائل مثل السيطرة على الحدود، واللاجئين، والوصول إلى الموانئ، والعمليات العسكرية.

في غياب مشاركة الصين، من المرجح أن تتعثر الجهود المبذولة للحد من طموحات كوريا الشمالية النووية. وفي هذه الحالة، قد تتمكن القيادة المتقلبة في البلاد من امتلاك القدرات النووية البعيدة المدى في نهاية المطاف، وهي النتيجة التي يجب تجنبها بأي ثمن. فآخر ما يحتاج إليه عالم تحيط به المخاطر وعدم اليقين هو المزيد من المخاطر وعدم اليقين.

كارل بيلت

الجزيرة