استقالة هادي: المخاطر والبدائل

استقالة هادي: المخاطر والبدائل

هادي: نقطة التوازن (رويترز-أرشيف)
ملخصفقد اليمن باستقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي سلطة تمثل بشكل كبير إجماعًا بين قوى سياسية متصارعة على عدة قضايا؛ مثل: الصراع المناطقي بين الشمال والجنوب، والصراع المذهبي الزيدي والشافعي، والصراع السياسي بين نظام قديم يمثله الرئيس المخلوع صالح ونظام يستند إلى مشروعية الثورة يمثله الرئيس عبد ربه منصور هادي، وصراع مسلح بين القاعدة في شبه الجزيرة العربية والقوات اليمنية.

يبدو أن القوى المتصارعة لا يستطيع أي منها أن يفرض خياراته بالقوة، وأنها تحتاج بشكل أو بآخر إلى التعاون مع بعضها، والحصول على اعتراف إقليمي ودولي؛ لذلك ستحاول أن تعدِّل موقفها حسب هذه الاعتبارات.

مقدمة

في تطور مفاجئ وغير متوقع للأحداث في اليمن، أقدم الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الحكومة خالد بحاح على تقديم استقالتيهما، فدخلت البلاد في حالة من الفراغ السياسي والدستوري؛ وقد جاء هذا التطور إثر تصعيد الحركة الحوثية لتحركاتها العسكرية؛ وذلك بالسيطرة على دار رئاسة الجمهورية وعدد من ألوية الحماية الرئاسية والصواريخ، وفرض شروط تجعلهم يستولون على صلاحيات رئيس الجمهورية؛ كالضغط عليه لإصدار قرارات جمهورية تتضمن تعيين نائب لرئيس الجمهورية من الجماعة الحوثية، وشغل عدد من الوظائف التنفيذية العليا، وتعديل مسودة الدستور، وإعادة تشكيل الهيئة الوطنية لمراقبة تنفيذ مخرجات الحوار المعنية بإقرار مسودة الدستور، وطالبوا بتعيين 17 عضوًا من الجماعة في هذه الهيئة؛ لكي يتمكنوا من امتلاك الثلث المعطِّل.

فقد اليمن باستقالة الرئيس هادي سلطة تمثل بشكل كبير إجماعًا بين قوى سياسية متصارعة على عدة قضايا؛ مثل: الصراع المناطقي بين الشمال والجنوب، والصراع المذهبي الزيدي والشافعي، والصراع السياسي بين نظام قديم يمثله الرئيس المخلوع صالح ونظام يستند إلى مشروعية الثورة يمثله الرئيس عبد ربه منصور، وصراع مسلح بين القاعدة في شبه الجزيرة العربية والقوات اليمنية. ويواجه اليمن حاليًّا احتمالات أن تنفلت هذه الصراعات ويتغذى بعضها من بعض فتتمزق المؤسسات بشكل نهائي، وتتقطع أوصال البلاد إلى مناطق متصارعة على الموارد والسلطة، والشروع في عمليات تهجير للسكان حسب الانتماءات المناطقية والمذهبية.

ما الديناميات التي أوصلت اليمن إلى هذا الوضع؟ وما المسارات المحتملة؟

تقديرات متباينة

وضعت استقالة الرئيس هادي الجميع أمام مأزق حقيقي، أحدثت انقسامًا وتباينًا حادًّا حول ردِّ الفعل والبديل المناسب؛ فقد قدَّم الرئيس استقالته إلى مجلس النواب (البرلمان) للبت في قبولها، فيما تعتبره أطراف داخلية عديدة فاقدًا للشرعية منذ سنوات؛ لكنه استمد شرعية جديدة من المبادرة الخليجية التي أمدته بالحياة والاستمرار مقابل أن تكون القرارات بالتوافق وليست بالأغلبية، وهو ما يجعل قبول استقالة الرئيس يتطلب توافق الأطراف السياسية لا التصويت بالأغلبية؛ بينما أطراف أخرى تعتبر البرلمان لا يزال مؤسسة دستورية قائمة وشرعية، بدليل أن نيل الحكومة الأخيرة للثقة (حكومة بحاح) وإقرار برنامجها تم من خلاله؛ وهي الحكومة المشكَّلة بموجب اتفاق السلم والشراكة الذي أسقط، أو على الأقل أزاح جانبًا، المبادرة الخليجية، ويعد تقديم الرئيس هادي استقالته إليه دليل أنه يعترف بشرعيته.

لكن البرلمان يواجه معضلة في التعامل مع الاستقالة، فرفضها لا يحل جذور الأزمة المتعلقة بسيطرة الحركة الحوثية وفرض إملاءاتها على الرئيس، وأما قبولها فيوقع البلد في إشكالية أخرى؛ فحسب المادتين (115، 116) من الدستور تصبح الاستقالة مقبولة بتصويت الأغلبية المطلقـة (51%) من أعضاء البرلمان لصالح قبولها، لتُنقل الرئاسة إلى نائب رئيس الجمهورية، وفي حالة عدم وجوده -كما في وضع اليمن حاليًّا- تتولى هيئة رئاسة مجلس النواب؛ التي يرأسها حاليًّا اللواء يحيى الراعي (القيادي في المؤتمر الشعبي العام والموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح) رئاسة الجمهورية لمدة لا تزيد عن 60 يومًا؛ يتم خلالها الإعداد لانتخابات رئاسية مبكرة، وما زالت الأغلبية في البرلمان موالية للرئيس السابق، وستجعله عمليًّا يتحكم مجدَّدًا في اتجاهات الأحداث السياسية، وهو ما يرفضه العديد من الأطراف؛ كأغلب القوى الجنوبية، وقوى ثورة فبراير/شباط 2011، بما فيها الحركة الحوثية؛ التي تفضِّل تشكيل مجلس رئاسي تتصدر واجهته أو تكون شريكًا رئيسًا فيه؛ وهو خيار مرفوض بشدة من أطراف محلية وأخرى إقليمية؛ لأنه سيمكِّن الحركة من المزيد من السيطرة وبسط النفوذ. مقابل ذلك لا يزال بعض الأطراف يأمل في الضغط على الرئيس هادي ليتراجع عن قرار الاستقالة. وأمام هذا الوضع المربك والحساس، لا يُستبعد أن يقوم أحد الأطراف بتحرك عسكري منفرد أو بالتحالف مع طرف آخر للسيطرة على السلطة وإذاعة البيان الأول.

الأطراف الخارجية الراعية للعملية الانتقالية في اليمن، على الرغم من اتفاقها جميعًا على مصلحة الاستقرار وأهمية منع الأوضاع من الانهيار في اليمن؛ فإنها تبدو في حالة إرباك، وتعاني تحركاتها من تقديرات متعارضة؛ فقد عبَّرت المفوضة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي السيدة فيديريكا موغيريني، عن قلق الاتحاد الأوروبي إزاء التطورات الأخيرة في اليمن، ودعت الحوثيين وحلفاءهم إلى تحمل المسؤولية كاملة عن أفعالهم. فيما أعلنت الولايات المتحدة أنها تراقب التطورات في اليمن، وفي تعليق المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الأميركية، جنيفر ساكي، على تقديم الرئيس هادي استقالته، قالت: إن واشنطن لا تزال تعتبر (هادي) الرئيس الشرعي لليمن. وأكدت استمرار دعم الولايات المتحدة لدولة يمنية موحدة؛ لكن واشنطن تجنبت تحميل مسؤولية التطورات الأخيرة للحركة الحوثية؛ بل صرح المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض -جوش إنرست- فيما يبدو أنها حالة غزل تجاه إيران والحركة الحوثية، بقوله: إنه “ليس واضحًا” لإدارة أوباما ما إذا كانت إيران تسيطر على المتمردين الحوثيين في اليمن. وأكد الرئيس باراك أوباما في كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك في نيودلهي مع رئيس الوزراء الهندي ناريتدرا مودى، أن الأولوية القصوى لمصالح الولايات المتحدة في اليمن حاليًّا هي حماية الرعايا الأميركيين، ومكافحة الإرهاب. وهي بطبيعة الحال مصالح يمكن للحركة الحوثية أن تعتبرها مصالح مشتركة وتسهم في تأمينها.

دول الخليج من جانبها، على الرغم من أنها على ما يبدو رافضة لسيطرة الحركة الحوثية على اليمن، بدليل بيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي؛ الذي وصف ما حدث في اليمن بأنه انقلاب على الشرعية، وطالب الحوثيين بوقف استخدام القوة وسحب قواتهم وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من الجيش، فإنها لم تترجم هذا الموقف إلى خطة عملية حول كيفية وقف التوسع الحوثي: فهل ستدعم مثلاً دعم انفصال الجنوب ليكون قوة تستنزف الشمال الذي تسيطر عليه الحركة الحوثية؟ أم تترك اليمن تستنزف قواه الحرب الأهلية حتى لا تصبح الحركة الحوثية تمثل خطرًا على الدول الخليجية؟ أم هل تدعم الرئيس اليمني السابق صالح ونظامه القديم ليعيد الاستقرار، ويبسط سيطرته على الأوضاع؟ أم تدعم القوى المناوئة له، وركيزتها حزب الإصلاح والقوى الإسلامية القريبة أو المحسوبة على الإخوان المسلمين؟

وفي المجمل يتسم تحرك الأطراف الخارجية بالبطء والحاجة إلى مزيد من الوقت حتى تتبلور مواقف منسقة أو تحركات عملية؛ لكن ذلك لا يتناسب مع وتيرة تطورات الأوضاع في اليمن، المفتوحة على مسارات من الصراع؛ التي من ضمنها انزلاق الأوضاع نحو الانهيار.

تتحكم في ديناميات الأزمة اليمنية الحدود التي يفرضها اللاعبون المحليون والخارجيون على بعضهم بعضًا، فلكل منهم أهداف وقدرات يتوقف مفعولها؛ بل قد تجعل صاحبها يتعرض لمخاطر قد تخرجه من اللعبة، إذا تجاوز حدودًا معينة يفرضها توازن القوى مع بقية اللاعبين.

قوى التوافق

تضم هذه القوى الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأحزاب اللقاء المشترك، وقوى مؤثرة في الجنوب، والقوى الدولية، ومجلس الأمن الذي يمثله المبعوث الأممي جمال بن عمر، وتتفق كلها على الانتقال السياسي استنادًا إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وتتطلع إلى أن تكون الحصيلة دولة يمنية واحدة تضمن مشاركة واسعة للقوى السياسية والثورية، فتمنع اليمن من التفتت والحرب الأهلية، وتعالج مشكلة الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي؛ التي تدفع عددًا من اليمنيين إلى الالتحاق بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية لتغيير الوضع بالقوة.

تمثل استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي فشلاً لهذه القوى، نتيجة ميل ميزان القوى لصالح قوى الحوثيين وصالح؛ التي تعتقد أن موازين القوى التي أفرزت المبادرة الخليجية واضطرتهم إلى القبول بها تغيرت لصالحهم، وأنهم يستطيعون حاليًّا أن يحققوا أهدافًا حرمتهم منها المبادرة الخليجية؛ لكن قوى المبادرة الخليجية خسرت معركة ولم تخسر الحرب؛ لأنها ما زالت تملك أوراقًا مؤثرة تمكِّنها من شن هجوم مضاد؛ مثل ورقة التوافق الواسع داخل اليمن وخارجه على المبادرة الخليجية، والشرعية الانتخابية والتوافقية للرئيس عبد ربه منصور، ودعم مجلس الأمن ودول الخليج، وقوى سياسية يمنية مهمَّة؛ مثل أحزاب اللقاء المشترك. لذلك سيكون من مصلحة هذه القوى أن تبذل جهودًا لثني الرئيس هادي عن الاستقالة، ولا يُستبعد أن تمارس ضغوطًا خارجية على القوى الرئيسة في البرلمان لرفض قبول الاستقالة بواسطة العصى الغليظة للجنة العقوبات الدولية. وقد يساعد في إقناع الرئيس (هادي) على التراجع، أنه في حال إصراره على الاستقالة وقرر الانتقال إلى عدن سيكون أمام قرارات صعبة عليه اتخاذها لا تخلو من المخاطرة، حيث إنه في ظل الأوضاع المتفجرة في الجنوب والمطالب الواسعة للاستقلال، قد يجد نفسه مضطرا -سواء كان راغبًا أو غير راغب- إلى تكرار سيناريو نائب الرئيس اليمني السابق السيد علي سالم البيض في عام 1994، وإعلان انفصال الجنوب من جانب واحد.

لكن من جانب آخر، تراجُع الرئيس عن الاستقالة لا يحل جوهر الإشكالية التي نشأت بموجبها الأزمة؛ وتتمثل في الخطوات العسكرية التصعيدية الأخيرة التي قامت بها الحركة الحوثية، ومن دون التوصل إلى اتفاق مع الحركة الحوثية لتوقف ضغوطها على الرئيس هادي لنزع صلاحياته، فإن المأزق سيظل قائمًا.

والتوصل إلى اتفاق مع الحركة الحوثية قابلٍ للتنفيذ، أمرٌ محتمل؛ لكنه لن يكون سهلاً؛ فالحركة الحوثية تعتبر هادي عائقا أمام توسيع نفوذها في أجهزة الدولة لكنها تحتاجه لإضفاء مشروعية على مكاسبها؛ وسيجعلها إقصاؤه بالكامل تتعرض لمخاطر كبيرة؛ فخيار انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة يقضي على المكاسب التي حققتها بقوة السلاح؛ لأن شعبيتها على المستوى اليمني محدودة، والانتخابات تنزع الشرعية عن مكاسبها الحالية وامتلاكها السلاح.

أما مواصلة فرض سيطرتها باليمن بقوة السلاح فيعرِّضها -أيضًا- لمخاطر كبيرة؛ مثل تصنيفها في الأمم المتحدة كمنظمة إرهابية، أو دفع القبائل اليمنية للتعاون مع القاعدة في شبه الجزيرة العرب لقتالها، أو اتفاق الجنوبيين على تشكيل قوة مسلحة تواجه الحوثيين، وهي مخاطر قد تستنزف الحوثيين في حروب طويلة ومكلفة تزيد الوضع اليمني اضطرابًا، وتقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتمزق الجيش إلى فصائل على أسس مناطقية ومذهبية وقبائلية.

قوى الخيار المسلح

قوى الخيار المسلح تضم الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح والقاعدة في شبه الجزيرة العربية؛ لكن دور القاعدة يندرج ضمن سياق آخر لا يتعلق بالعملية السياسية الجارية بعد المبادرة الخليجية؛ أما الحوثيون وصالح فإنهما يعتقدان أنهما حصلا من المبادرة الخليجية على بعض المكاسب، وقبلا بتقديم تنازلات نتيجة ميزان القوى آنذاك؛ لكنهما يستطيعان حاليًّا أن يحققا بقية أهدافهما بالقوة المسلحة؛ لأن كفة موازين القوة رجحت لصالحهما؛ فالحوثيون أرادوا أمرين؛ التخلص من حزب الإصلاح الذي يعتقدون أنه المستفيد الأكبر من المبادرة الخليجية، والذي يعترض -حسب تقديراتهم- طريقهم للسيطرة على الدولة، والتخلص -أيضًا- من نظام الأقاليم الستة؛ الذي نتج من جلسات الحوار، وتقرر وضعه في الدستور وعرضه للموافقة الشعبية. أما صالح فيريد الحفاظ على سيطرته على المؤسسات الأمنية، والدفع بجماعته إلى سدة الحكم.

يعتقد الطرفان أن الرئيس (هادي) يقف أمام طموحيهما؛ لأنه أخرج أقرباء صالح من قيادة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحالف -حسب الحوثيين- مع الإصلاح؛ الذي وقف في طريقهم نحو السلطة، ومرَّر الدستور الذي قسَّم اليمن إلى ست مقاطعات، وحرص على تقديمه للاستفتاء الشعبي؛ علاوة على أن الطرفين يعتقدان أن الرئيس (هادي) مسؤول عن جعل مجلس الأمن يفرض عقوبات على صالح وقياديين حوثيين، وتوافق الطرفان على ضرورة إجبار هادي على تغيير سياسته مع الإبقاء عليه أو إبعاده إذا رفض شروطهم.

لكن إخراج هادي من السلطة يعرِّض الطرفين لمخاطر كبيرة، ويجعل خياراتهما الأخرى تفتقد مقومات النجاح.

إذن السؤال هو: هل هما متفقان على مرحلة ما بعد هادي؟ وهل يمتلكان خيارات تحقق أهدافيهما؟

يختلف الحوثيون والرئيس السابق صالح على مرحلة ما بعد هادي؛ فصالح أعلن من خلال حزبه أنه يريد انتخابات مبكرة؛ لكن الحوثيين يرفضونها؛ لأنهم يفتقدون الشعبية التي تمكنهم من تكريس المكاسب التي حصلوا عليها بالقوة، وتفقدهم ميزة امتلاك السلاح.

تعاني بدائلهم في إيجاد صيغة سياسية بديلة عن الرئيس هادي من إفتقاد التوافق بين مختلف المكونات السياسية، وتعطي مبررًا لانفصال الجنوبيين؛ بل قد تدفع البلاد إلى عمليات تهجير بالقوة على أسس مناطقية ومذهبية تدفع باليمن إلى حرب أهلية تجعله دولة فاشلة تجذب الجماعات الجهادية.

أما خيارات الطرفين فتفتقد مقومات النجاح، فقد لا يفوت الرئيس السابق صالح -المستفيد الأول من خروج الرئيس هادي من المشهد- فرصة استقالة (هادي) لنقل الكرة من ملعب الرئيس إلى البرلمان، والإيعاز لأغلبية حزبه في البرلمان التصويت لصالح قبول الاستقالة، وليتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس البرلمان المحسوب عليه؛ لكن المضي في هذا المسار يحتاج بالضرورة إلى قبول ودعم الأطراف الإقليمية والدولية الراعية للعملية الانتقالية، وهو ما يفتقده صالح بعد العقوبات التي فرضها عليه مجلس الأمن، وسخط السعودية عليه نتيجة تحالفه مع الحوثيين.

وفي كل الأحوال على الأرجح سيكون الرئيس الجديد منتقَص الشرعية، أو غير مقبول من بعض الأطراف المحلية التي تعتبر البرلمان غير شرعي، أو تلك المعارضة لعودة صالح. والحركة الحوثية قادرة على إجهاض هذا السيناريو والحيلولة دون مضي الرئيس الجديد في ممارسة صلاحياته كونها القوة المسيطرة على الأرض، وكانت قامت باقتحام مقر البرلمان عسكريًّا، وبيدها منع انعقاد جلسات لا ترضى عنها، ما لم يكن بينها وبين الرئيس السابق صالح صفقة سابقة.

لا تساعد الأوضاع الراهنة على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال ستين يومًا، وهناك عوائق عديدة أمام المضي في هذا المسار؛ مثل أنه لا يوجد سجل انتخابي حديث، وسيكون من الصعب المضي في عملية القيد والتسجيل للناخبين، أو حتى إجراء انتخابات في المحافظات الجنوبية، ما لم يكن المرشح الأوفر حظًّا للرئاسة يحظى بدعم وقبول الشارع الجنوبي؛ بل إن المضي في انتخابات رئاسية وبرلمانية دون موافقة الجنوبيين يعد تكريسًا للانقسام وانفصال الجنوب.

أما بديل مجلس عسكري أو رئاسي الذي أشارت إليه قيادات حوثية، ويتكون من الحركة وقيادات في الجيش وأحزاب أخرى؛ يحوِّل الحركة الحوثية إلى شريك رئيس في السلطة وإدارة الأوضاع، تتمكن بموجبه من مزيد من التغلغل في هياكل الدولة وما تبقى من مؤسساتها، دون أن تتحمل منفردة مسؤولية إدارة الأوضاع؛ لذلك على الأرجح سيكون عماد هذا المجلس مكونًا من الحركة الحوثية والنظام السابق وشركاء جنوبيين. والعائق الرئيس أمام هذا المجلس هو أنه بحاجة -كي ينجح ويستمر- إلى دعم الرعاة الإقليميين والدوليين للعملية الانتقالية؛ وذلك أمر مشكوك فيه؛ خصوصًا بالنسبة إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي لا تريد السماح للحركة بمزيد من السيطرة وتمكين النفوذ الإيراني في البلد، كما أنه من الواضح أن أغلب الأطراف الجنوبية لديها مشروع لدولة مستقلة في الجنوب، ولن تشارك في هذا المجلس دون ضغط خارجي مشكوك في حدوثه.

والمخاوف ماثلة في أن يؤدي خيار المجلس العسكري أو الرئاسي إلى الدفع في اتجاه تشكيل مجالس عسكرية لإدارة الأوضاع في الجنوب وفي الأقاليم الأخرى، وستكون السلطة الجديدة في العاصمة مجبرة على فرض سلطتها على الأقاليم الأخرى بالقوة العسكرية للحفاظ على تماسك الدولة.

في المقابل هناك مقترح بتشكيل مجلس انتقالي لإدارة الأوضاع في البلاد خلال المرحلة القادمة؛ يتكون بالمناصفة بين الشمال والجنوب، برئاسة شخصية جنوبية متوافق عليها، وعلى أساس الإقليمين، لكن يواجه هذا الخيار مشكلة التوافق في الجهة التي تمثل الشماليين والجهة التي تمثل الجنوبيين؛ خاصة أن الصراع الجاري في أساسه صراع بين الشماليين على السلطة، وسيكون من الصعب إقناعهم بالتوافق على ممثلين لهم في هذا المجلس الانتقالي.

قوى الانفصال

تسعى قوى جنوبية منذ فترة بخطوات حثيثة للانفصال عن الشمال؛ لكن هذا الخيار يعرض الجنوبيين لمخاطر كبيرة، ويفتقد مقومات النجاح؛ فالجنوب يعاني من تشظي القوة، وتفككها بين أكثر من طرف كما الوضع في الشمال، وحسم الصراع على السلطة سيكوم المهمة الأصعب، وقد يلجأ المتنافسون إلى القوة المسلحة لفرض سيطرتهم، وقد يؤدي الانفصال إلى عمليات تهجير قسري على أساس مناطقي تؤدي إلى صراعات تنتقل من الصراع السياسي إلى الصراع الاجتماعي.

وعلى الأرجح ستواجه الدولة الجديدة -أيضًا- مهمة الحصول على الشرعية، والاعتراف بها من المجتمع الدولي والإقليمي؛ فالرئيس هادي قدم استقالته بصورة طوعية، وإذا تم التعامل في إطار الدستوري أي عبر البرلمان، فإن الجنوب لا يزال قانونًا، وبنظر المجتمع الدولي، جزءًا من دولة الموحدة، حتى إن قاطعت الكتلة الجنوبية حضور جلسات البرلمان، وخيار الانفصال في الجنوب عبر القوة العسكرية سيكون أمرًا لا يخلو من المجازفة؛ ما لم تجد الدولة الجنوبية دعمًا ومساندة قوية من أطراف إقليمية ودولية مؤثرة تقدم لها الدعم والمساندة اللازمة؛ خصوصًا أن الانفصال عن الشمال بقرار فوري سيخلق أوضاعًا صعبة ومعقدة في الشطرين؛ بسبب أن واحدًا وعشرين عامًا من عمر الوحدة خلقت العديد من المصالح الاقتصادية والاجتماعية والأمنية من الصعب فصلُها بجرِّة قلم، ودون تهيئة متدرجة وتفاهمات مشتركة حول العديد من القضايا التي ستكون مثار صراعات مستقبلية بين الشطرين فيما بعد الانفصال. وتدخل عسكري شمالي للحفاظ على الوحدة أمر وارد، ما لم تقف في مواجهته الحركة الحوثية، أو يدخل الشمال في صراع داخلي كبير وممتد يشغله عما يجري في الجنوب.

توازن حرج

يبدو من مختلف التقديرات أن القوى المتصارعة لا يستطيع أي منها أن يفرض خياراته بالقوة، وأنها تحتاج بشكل أو بآخر إلى التعاون مع بعضها، والحصول على اعتراف إقليمي ودولي؛ لذلك ستحاول أن تعدِّل موقفها حسب هذه الاعتبارات؛ فالحوثيون بحاجة للرئيس هادي ليعطي شرعية لنفوذهم، وصالح يحتاج -أيضًا- لتعاون القوى الإقليمية والدولية؛ التي تشترط بقاء هادي في السلطة، والقوى الجنوبية لا تزال تصر على شرعية الرئيس (هادي)؛ لأنها تعتبره فرصة لتعزيز مواقعها في الدولة اليمنية دون مخاطر مرتفعة أو كُلفة غير محتملة يفرضها خيار الانفصال. فيبدو من كل ذلك أن (هادي) هو صمام الأمان من مختلف المخاطر التي تهدد القوى السياسية اليمنية المختلفة، ونقطة التوازن بين مصالح مختلف القوى المنخرطة في الصراع باليمن، وستجعلها حساباتها ترجِّح عودته واستئناف مسار التحول التوافقي، ما لم يحدث تطور مفاجئ يهدم التوازنات القائمة كلية، ويطلق دينامية جديدة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات