rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

آخر أيام الخلافة.. يوم قيامة “داعش” يتأجل

1280x960_854354_large

ربما يبدو مصير بلدة ريفية صغيرة في شمال سورية غير ذي صلة ولا يكاد يلفت النظر، عندما تشن قوة متعددة الجنسيات هجوماً كبيراً على المعقل الرئيسي للمجموعة في الموصل. لكن ثمة القليل جداً من الأماكن التي يمكن أن تكون أكثر مركزية لصورة “داعش” من بلدة دابق. وقد بشر الجهاديون بدابق باعتبارها الموضع، كما ورد في حديث غامض منسوب إلى النبي محمد (ص)، لمعركة نهاية الزمان؛ وحسب رؤية الدواعش، ستكون دابق موقع مواجهة نهاية العالم الأخيرة بين مؤمني الخلافة المعلنة ذاتياً وبين الصليبيين الغربيين. وقد سمى التنظيم مجلته الإلكترونية اللامعة باللغة الإنجليزية على اسم هذه القرية السورية، وقطع رؤوس ضحاياه، بمن فيهم عامل الإغاثة الأميركي بيتر كاسينغ، في سفوحها. وبينما كانت معركة يوم الحساب تقترب، أفاد المراقبون بأن “داعش” حصَّن دابق بنحو 1200 مقاتل.
وفي النهاية، ذهب “داعش” من هناك بلا صخب تقريباً. وتراجع الجهاديون أمام تقدم خصومهم المدعومين من تركيا بعد معركة استمرت ليوم واحد فقط. وكان “خليفة” داعش، أبو بكر البغدادي، قد تنبأ بهذا الاستسلام في المنام، كما أوضح المدافعون والاعتذاريون. بل إن دعائيي “داعش” استبقوا سقوط دابق بإطلاق عنوان إنجليزي جديد على المجلة (رومية)، Rumiya، مؤجلين معركة نهاية العالم حتى يصل “داعش” إلى روما.
لطالما كان إيمان “داعش” بيوم القيامة -لاهوت الموت، ويوم الحساب ونهاية العالم- متسماً بالمرونة على الدوام. ويرى الخبراء هذا الإيمان باعتباره أداة تجنيد أكثر من كونه عقيدة إيمانية، وهو ما يطلق عليه الباحث الفرنسي جان بيار فيليو اسم “الرؤيوية الانتهازية”؛ أي استغلال رؤية نهاية العالم بطريقة انتهازية. وقد بدا السيد البغدادي أكثر اهتماماً ببناء الدولة من يوم القيامة. ودعا نفسه خليفة؛ أي حاكماً دنيوياً، وليس مهدياً أو مسيحاً أسطورياً. ولكن الضجيج اللاهوتي ساعد في إثارة المسلمين القابلين للتأثر في الخارج، مثل محمد إموازي، اللندني الذي أعدم السيد كاسينغ وغيره. وكما يقول ديفيد كوك، وهو أستاذ أميركي ومؤلف كتاب “أدب يوم القيامة الإسلامي المعاصر”، فقد “ساعدت الموتيفات الرؤيوية في تجنيد أشخاص لا يألفون هذا التقليد. ويندرج الأوروبيون في هذه الفئة”. وبكلمات ابن خلدون، أعظم المؤرخين الإسلاميين الكلاسيكيين وأكثرهم سخرية، فإن “العرب يحصلون على السلطة فقط من خلال الاعتماد على حركة دينية”.
تقليدياً، سعى الإسلام السُّني -الطائفة المهيمنة- إلى دعم النظام العالمي. وكانت فكرة قلب هذا النظام عقيدة شيعية، والتي كانت تعرض لأقلية الإسلام المضطهدة أملاً بالخلاص. ففي الساعة المعينة، سيعود إمامهم الثاني عشر، الذي اختفى في العام 941 ليتجنب الاضطهاد الذي أوقعه الطغاة السنة في أسلافه الأحد عشر، في شكل المهدي المنتظر ويقهر الظالمين.
ولكن السنة أصبحوا يرون العالم بطريقة مختلفة في هذا القرن. فقد قامت الجيوش الغربية بنقض النظام القديم لمعقل الإسلام وقلبه العراقي، مستبدلة السادة السُنيين (أقلية) بآخرين غير سُنيين (الأغلبية الشيعية). وتحولت الثقة السُنية إلى يأس. وكان لدى الجهاديين، مثل تنظيم القاعدة، وقت ضئيل ليوم القيامة. ولكن، وبينما تعثرت موجات متتالية من الجهاد وساءت حظوظ السُّنة، تبني بعض السنيين شيئاً من تفكير الشيعة الأكثر خيالية. ويقول روبرت غليف من جامعة إكستر: “كانت الصفات الألفية حاضرة دائماً هناك في الإسلام السني، وإنما غير مطوَّرة بأي بقدر كبير من التفصيل”. وبعد أن قتلت أميركا أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق، في العام 2006، وهزمت جهادييه، نبشت بقية قانطة منهم المرجعيات المدفونة في النصوص الدينية. واستخرجت منها “علامات الساعة”، بما في ذلك المباني المتطاولة إلى عنان السماء، وطلوع الشمس من المغرب، وجيش يلوِّح بالرايات السوداء في الشرق -وكلها علامات زعم المخلصون للزرقاوي أنهم يميزونها. وبرفقة المهدي، كما زعموا، سوف يعود المسيح حاملاً رمحاً دامياً.
على النقيض من ذلك، وبينما أصبح الشيعة في العراق معتادين على السلطة، تضاءلت رؤيتهم وفكرة نهاية العالم الخاصة بهم. ويقول سائق سيارة أجرة في الضاحية البغدادية الشيعية الفقيرة والمزدحمة، مدينة الصدر: “عندما عانينا، صلينا لعودة الإمام. والآن بعد أن أصبح ذلك النصر متحققاً، نسيناه”. وفي إيران، ظل العلمانيون ورجال الدين من المستوى المنخفض يجدون فكرة نهاية العالم مفيدة في الهجوم على رجال الدين التابعين للمؤسسة. وعندما تحدى آيات الله محمود أحمدي نجاد، الرئيس السابق للجمهورية الإسلامية والعلماني الوحيد الذي تولى المنصب، عمد إلى عقد مجلس وزرائه في جامكاران، أحد المواقع التي من المتوقع أن يعود الإمام الثاني عشر إليها. لكن الشيعة خففوا بشكل عام حديثهم عن الخلاص اللادنيوي. حتى أن مقتدى الصدر، رجل الدين العراقي المتواضع -وإنما المثير للجدل، أعاد تسمية جيش المهدي التابع له ليصبح كتائب السلام.
والآن بعد أن فشلت نبوءة دابق في التحقق، هل يعمد الجهاديون إلى التخلص من أفكارهم الأكثر عدمية؟ تشير السوابق إلى أن الفشل، بالنسبة للبعض، سوف يضاعف تحليقاتهم الخيالية. ولكن السيد كوك يتعقب، من أرصفة القاهرة إلى كربلاء، تراجعاً في المنشورات الرؤيوية عن نهاية العالم. وتحت رقابة أكثر تشدداً، سوف يزداد احتمال أن يذهب الناس الأكثر هستيرية إلى تحت الأرض أو أن يجدوا لهم منزلاً في عمق شبكة الإنترنت. ولكن الكثير من العراقيين السنة مصابون بالفزع من وحشية “داعش” مثل كل الآخرين. ويقول الدعاة في بغداد إن ثمة واقعية جديدة آخذة في تثبيت أقدامها. وربما يكون من الأفضل أن تكون الساعة الموعودة، ساعة يوم القيامة، قد تأجلت.

صحيفة الغد

Print Friendly