rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

حرب الخليج الثانية.. الزلزال الذي عصف بمنطقة الخليج

501

“حرب الخليج الثانية” حرب خاضها تحالف دولي بقيادة أميركا إثر غزو النظام العراقي -بزعامة الرئيس الراحل صدام حسينللكويت 1990 بعد اتهامه لها بسرقة نفطه والتآمر ضده. دامت الحرب أربعين يوما، وأدت إلى إخراج القوات العراقية من الكويت، وتدمير القدرات العراقية العسكرية والاقتصادية، وفرض حصار قاسٍ على البلاد سبّب مأساة إنسانية كبيرة دامت سنوات.

أسباب مباشرة
ظلت منطقة الخليج -منذ أن خرج منها الاستعمار البريطاني بالتدريج إثر الحرب العالمية الثانية– منطقة حساسة بالنسبة للحسابات الإستراتيجية الأميركية، وكان الغزو العراقي للكويت (حرب الخليج الثانية) إحدى المحطات التي تبين جانبا من طبيعة التدخل الأميركي في هذه المنطقة.

فقد كانت الولايات المتحدة تتخوف من السياسة العراقية في المنطقة لا سيما بعد خروج العراق شبه منتصر في الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 (حرب الخليج الأولى)، وامتلاكه أثناءها خبرات علمية وعسكرية صناعية قد تقوده في المستقبل إلى حيازة برنامج تسليح متطور يهدد المصالح الأميركية بالمنطقة المتمثلة في النفط وأمن إسرائيل.

وقد برز إلى السطح منذ انتهاء الحرب مع إيران توتر شديد في علاقات العراق ببعض دول الخليج وخاصة الكويت، وتجلى ذلك في القمة العربية الاستثنائية التي عُقدت في بغداد يوم 28 مايو/أيار 1990 واتهم فيها صدام حسين الكويت بـ”سرقة نفط حقل الرملة العراقي” على الحدود بين البلدين.

كما اشتكى العراق من أن الكويت زادت إنتاجها النفطي على الحصة المقررة لها من طرف منظمة أوبك، وهو ما سيؤثر على اقتصاد العراق ويخفض أسعار النفط التي كانت بغداد تطمح لارتفاعها إلى 25 دولارا للبرميل، لكي تجني موارد مالية أكبر تمكنها من إعادة إعمار ما دمرته الحرب. ولذلك سلمت بغداد يوم 16 يوليو/تموز 1990 مذكرة إلى جامعة الدول العربية تتضمن شكواها بهذا الشأن.

وفي 17 يوليو/تموز 1990 ألقى صدام خطابا -في ذكرى “ثورة يوليو” 1968- جدد فيه اتهام الكويت بالضلوع في “مؤامرة نفطية” ضد العراق، وهدد باستخدام “رد مناسب” ضدها. وفي حين نفت الكويت الاتهامات العراقية وطالبت العراق بسداد الديون التي أقرضته إياها خلال حربه مع إيران والمقدرة بمليارات الدولارات.

وقد دفع السجال بين الطرفين الملك السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز إلى دعوتهما لعقد مباحثات في جدة للتوصل إلى حل بشأن خلافاتهما؛ فعُقدت مباحثات يوم 29 يوليو/تموز 1990 بين وفد كويتي يرأسه ولي العهد حينها الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ووفد عراقي برئاسة نائب الرئيس العراقي عزة الدوري، ولكن هذه الجهود الدبلوماسية ونظائرها لم تثمر في تخفيف حدة التوتر بين البلدين.

والظاهر أن واشنطن اتخذت سياسة مزدوجة لاستغلال هذا التوتر، حيث شجعت ضمنيا السفيرة الأميركية لدى العراق يومئذ أبريل غلاسبي صدام حسين على تنفيذ تهديداته للكويت، وذلك حين قالت له -خلال لقائهما يوم 25 يونيو/حزيران 1990- إن حكومة بلادها “ليس لها رأي بشأن الخلافات العربية/العربية”. لكن أميركا تزعمت لاحقا التحالف المناهض للعراق عندما غزا الكويت.

غزو وتحالف
في الساعات الأولى من فجر يوم 2 أغسطس/آب 1990 نفذ صدام “رده المناسب” باختراق جيشه (أكثر من 20 ألف جندي) الحدود مع الكويت من أربعة محاور، وفي غضون ساعات استولت هذه القوات -مدعومة بسلاح الطيران العراقي- على العاصمة الكويت.

أكمل الجيش العراقي سيطرته على البلاد في يومين، وأعلنت بغداد “تحرير الكويت من حكم آل الصباح”؛ وفي 4 أغسطس/آب نصّبت حكومة جديدة للبلاد موالية لها دامت أربعة أيام وكانت برئاسة العقيد الكويتي علاء حسين الخفاجي (صدر عليه حكم غيابي بالإعدام عام 1993 عقب إدانته بـ”الخيانة والتآمر مع العدو في زمن الحرب”، ثم خُفف -إثر عودته إلى البلاد مطلع 2000- إلى السجن مدى الحياة عام 2001).

عقد مجلس الأمن جلسة طارئة في نفس اليوم لبحث غزو العراق للكويت، وأصدر قراره رقم (660) الذي طالب فيه بانسحاب القوات العراقية من الكويت “من دون قيد أو شرط”، ثم أتبع ذلك بجلسة أخرى يوم 6 أغسطس/آب 1990 أقر فيها عقوبات اقتصادية شاملة على العراق بقراره رقم (661)، ثم تتابعت القرارات الأممية بعد ذلك في تشديد الخناق على العراق.

وفي 7 أغسطس/آب 1990 أرسلت أميركا قواتها إلى السعودية بطلب منها لحماية حدودها مع الكويت والعراق بعد احتشاد القوات العراقية على الحدود السعودية الكويتية، وبذلك مهدت واشنطن لبدء مرحلة في الحرب سمتها “عملية درع الصحراء”.

وردا على تلك التطورات أعلن العراق في 9 أغسطس/آب 1990 ضم الكويت وأنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وأغلق كل السفارات الموجودة فيها وألغى كل سفاراتها في العالم.

غيّر العراق اسم العاصمة الكويت إلى “كاظمة” قائلا إنها عادت إلى “الوطن الأم”، ومحْييا بذلك مطالبات عراقية بالكويت تعود إلى لحظة استقلالها عن بريطانيا عام 1961، رغم أنه اعترف بها رسميا وبحدوده معها في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1963.

وفي 10 أغسطس/آب 1990 عقدت الجامعة العربية قمة عربية طارئة في القاهرة لمناقشة الوضع المستجد، ورغم رفض أعضائها لاحتلال الكويت بالقوة العسكرية فقد تباينت مواقف دولها من التدخل العسكري الأجنبي لإخراج القوات العراقية من الكويت.

ففي حين أيدت هذا التدخل 12 دولة تصدرتها دول الخليج ومصر وسوريا والمغرب، رفضته مجموعة أخرى في مقدمتها الأردن وليبيا والجزائر والسودان واليمن وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات. وفي 11 أغسطس/آب 1990 وصلت إلى السعودية قوات مصرية وسورية للمساهمة في حماية الأراضي السعودية من أي غزو عراقي.

وفي 12 أغسطس/آب 1990 قدم العراق ما سماه “حلا للجميع في المنطقة”، تضمن عرضا بانسحابه من الكويت مقابل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة السابقة بشأن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بانسحاب الأخيرة منها.

وفي 25 أغسطس/آب 1990 أصدر مجلس الأمن قراره رقم (665) بفرض حصار بحري على العراق والسماح للقوات البحرية الدولية باتخاذ “التدابير اللازمة”، وتلاه قراره (670) الذي صدر في 25 سبتمبر/أيلول 1990 بفرض حصار جوي عليه، مخولا الدول الأعضاء في المجلس اتخاذ “جميع التدابير اللازمة لضمان نفاذه وتأثيره”.

وفي أثناء ذلك؛ تشكل تحالف دولي بلغ تعداده أكثر من ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة، واكتسب “شرعيته” الدولية بعد اعتماد مجلس الأمن قراره رقم (678) يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، والقاضي باستخدام “كل الوسائل اللازمة” -بما فيها استعمال القوة العسكرية ضد العراق- ما لم يسحب قواته من الكويت، وحدد القرار يوم 15 يناير/كانون الثاني 1991 موعدا نهائيا لذلك الانسحاب.

لم يبال العراق بالحشد الدولي ولا بالموعد المقرر لانسحابه، وقبيل انتهاء المهلة المحددة لذلك التقى وزير خارجيته طارق عزيز مع وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في جنيف يوم 9 يناير/كانون الثاني 1991 في محاولة أخيرة لـ”إقناع” العراق بالانسحاب، ولكن لم ينتج شيء عن هذا اللقاء؛ فانتهت فترة الإنذار الدولي يوم 15 يناير/كانون الثاني 1991 ولم تستجب بغداد للمطالبة الأممية بخروج قواتها من الكويت.

أحداث الحرب
تمكنت واشنطن من بناء ائتلاف يتجاوز حلفاءها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكانت حصيلة هذا التحالف: 38 دولة، و750 ألف جندي (75% منهم أميركيون)، و3600 دبابة، و1800 طائرة، و150 قطعة بحرية.

وحين اكتملت الترتيبات الميدانية لقوات التحالف، وانقضت المهلة الممنوحة للعراق للخروج من الكويت؛ تحولت الأزمة إلى مرحلتها الأخيرة التي تمثلت في استخدام القوة العسكرية لإرغام العراق على هذا الانسحاب، وكانت أهم محطاتها:

– فجر السبت 17 يناير/كانون الثاني 1991: قوات التحالف تبدأ حملة جوية مكثفة شملت الأراضي العراقية كلها سمتها “عاصفة الصحراء”، وكانت أحيانا بمعدل ألف غارة جوية في اليوم. في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس العراقي صدام حسين -عبر الإذاعة العراقية- أن “أم المعارك قد بدأت”.

– 18 يناير/كانون الثاني 1991: العراق يرد على الحملة الجوية ضده بإطلاق ثمانية صواريخ أرض/أرض من طراز سكود على أهداف داخل إسرائيل. كما باشر إطلاق العشرات من صواريخ سكود على عدة مدن سعودية، مثل العاصمة الرياض والجبيل البحرية والظهران وحفر الباطن، وعلى مملكة البحرين.

– 20 يناير/كانون الثاني 1991: العراق يقرر إلغاء كافة المواثيق التي عقدها مع السعودية منذ 17 يوليو/تموز 1968 بسبب مشاركتها في التحالف.

– 23 يناير/كانون الثاني 1991: العراق يبدأ عملية سكب ما يقارب مليون طن من النفط الخام في مياه الخليج العربي.

– 29 يناير/كانون الثاني 1991: وحدات من القوات العراقية تسيطر على مدينة الخفجي السعودية ذات الأهمية الإستراتيجية (معبر لحقول النفط شرقي السعودية)، لكن سرعان ما قامت قوات سعودية وقطرية باستعادتها. وقد سُميت هذه العملية “معركة الخفجي”.

30 يناير/كانون الثاني 1991: وزيرا خارجية الاتحاد السوفياتي وأميركا يصدران بيانا مشتركا -في ختام اجتماعهما بواشنطن- قدما فيه عرضا للعراق بقبول التحالف وقف القتال، إذا تعهد العراق “على نحو لا لبس فيه” بالانسحاب من الكويت وتنفيذ القرارات الأممية.

– 13 فبراير/شباط 1991: طائرتان أميركيتان من نوع “أف-117” تلقيان قنابل ذكية على الملجأ رقم 25 في حي العامرية ببغداد، مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 شخص معظمهم من النساء والأطفال.

– 22 فبراير/شباط 1991: صدام يعلن قبوله اقتراحا روسياً بالانسحاب من الكويت خلال ثلاثة أسابيع على أن يشرف مجلس الأمن على الانسحاب. ولكن أميركا رفضت العرض.

– فجر يوم 24 فبراير/شباط 1991: انطلاق الحملة البرية عبر عدة جبهات، وقوات التحالف تشن هجوما على أجنحة الجيش العراقي الذي كان متمركزا غربي الكويت، ثم قامت بالتوغل مسافات داخل الكويت وجنوبي العراق.

– 25 فبراير/شباط 1991: العراق يعلن موافقته على كل شروط الانسحاب.

– 26 فبراير/شباط 1991: الجيش العراقي يبدأ مغادرة الكويت وفق خطة انسحاب غير منظمة، مما أدى إلى تزاحم دباباته ومدرعاته وناقلات جنده على طول الطريق بين البلدين، فكانت هدفا مكشوفا لطيران التحالف الذي قصف أرتال جنوده فدمر 1500 عربة عسكرية عراقية وقتل المئات من الجنود.

– 27 فبراير/شباط 1991: الرئيس الأميركي جورج بوش الأب يعلن وقف إطلاق النار و”تحرير الكويت”.

– 14 مارس/آذار 1991: أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح يعود إلى وطنه بعد أشهر من أداء حكومته أعمالها مؤقتا انطلاقا من السعودية.

– 3 أبريل/نيسان 1991: صدور قرار مجلس الأمن رقم (687) القاضي بوقف رسمي لإطلاق النار بعد حرب “تحرير الكويت”، وبتدمير “أسلحة الدمار الشامل” العراقية، وإنشاء صندوق خاص بتعويضات المتضررين من غزو الكويت.

آثار الغزو
أفادت تقارير اقتصادية عربية صدرت في عام 1992 بأن الخسائر المادية التي لحقت بالاقتصاد العربي نتيجة غزو العراق للكويت بلغت نحو 620 مليار، دون حساب الآثار البعيدة المدى. وتأتي الكويت والعراق في مقدمة المتضررين من ذلك الغزو الذي وجه صدام حسين “رسالة اعتذار” عنه إلى “الشعب في الكويت” يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2002.

أ- خسائر الكويت: تسبب الغزو العراقي في خسائر بشرية ومادية فادحة للكويت، وحسب الأرقام الرسمية الكويتية فإن الغزو أدى إلى مقتل 570 شخصا ونحو 605 من “الأسرى والمفقودين”، وخلف خسائر وأضرارا هائلة تمثلت في إشعال 752 بئرا نفطية مما أنتج كوارث بيئية جسيمة وأوقف إنتاج النفط مدة طويلة.

وقالت “الهيئة العامة لتقدير التعويضات” بالكويت -في إحصائية لها عام 1995- إن الخسائر الثابتة للكويت من الغزو العراقي بلغت 92 مليار دولار، إضافة إلى تدمير البنية التحتية في البلاد والمؤسسات والمنشآت الحكومية ومصادرة وثائق الدولة وأرشيفها الوطني.

ب- خسائر العراق: تعرض العراق -خلال مدة الحرب البالغة 40 يوما- للقصف بأكثر من مائة ألف طن من المتفجرات، بما في ذلك مئات الأطنان من ذخائر اليورانيوم المنضّب. وهو ما أدى إلى سقوط ما بين سبعين ومئة ألف قتيل في صفوف الجيش العراقي (مقابل 505 جنود من قوات التحالف، 472 منهم أميركيون)، وجرح قرابة 300 ألف جندي، وأسر ثلاثين ألفا آخرين.

وإضافة إلى ذلك خسر العراق من مقدراته العسكرية: أربعة آلاف دبابة، و3100 قطعة مدفعية، و240 طائرة (وأودع قبيل اندلاع الحرب 144 طائرة أمانة لدى إيران)، و1856 عربة لنقل القوات. وتم تدمير دفاعاته الجوية ومراكز اتصالاته وقواعد إطلاق صواريخه ومراكز أبحاثه العسكرية وسفنه الحربية في الخليج.

كما دمر القصف الجوي مرافق البنية التحتية العراقية مثل المدارس والمعاهد والجامعات، ومراكز الاتصالات والبث الاذاعي والتلفزيوني، ومنشآت تكرير وتوزيع النفط والموانئ، والجسور والسكك الحديدية، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتصفية المياه. وبلغ عدد المنشآت الحكومية التي دمرت تدميرا كاملا 8230 منشأة، والمنشآت التي تضررت ضررا جزئيا أكثر من 2000، إضافة إلى أكثر تدمير أو تضرر من 20 ألف وحدة سكنية وتجارية أهلية.

وجمّد مجلس الأمن الدولي مبالغ كبيرة من الأرصدة العراقية في البنوك العالمية لدفع التعويضات للمتضررين نتيجة الغزو (نحو مئة دولة ومنظمة دولية في مقدمتها الكويت) المقدرة بـ52 مليار دولار، وفرض اقتطاع نسبة 5% من عوائد بغداد النفطية لدفع هذه التعويضات.

لكن أشد آثار الحرب تدميرا للعراق تجلت في مضاعفات الحصار الذي فُرض عليه بمجموعة من قرارات استصدر مجلس الأمن الدولي (خاصة القرارات 661 و665 و670) التي حولت نظام العقوبات إلى حصار شامل وقاسٍ دام أكثر من 12 عاما.

وكان من نتائج هذا الحصار انخفاض الناتج المالي الإجمالي في العراق إلى ما لا يزيد على ثلث المستوى الذي بلغه قبل عام 1991، وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والصناعية للعراق بواسطة القصف الأميركي البريطاني المستمر حتى بعد انتهاء الحرب، وموت أكثر من مليون طفل عراقي دون سن الخامسة نتيجة لسوء التغذية وضعف الخدمات الصحية التي خلفها الهجوم العسكري والحصار المستمر.

الجزيرة

Print Friendly