rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

القضاء على «داعش»

هل يمكن القضاء على تنظيم داعش؟
هنالك فرق بين الأمنيات والطموحات وبين الواقع المتشعب والمعقد الذي تتداخل فيه مصالح الدول وسباقها نحو الاستحواذ على مناطق النفوذ، وهنالك فرق بين أمنيات الشعوب التي يحتلها «داعش» والشعوب المتعاطفة معها، وبين أمنيات أصحاب القرار وتكتيكاتهم، وغالباً ما تدفع الشعوب ثمن هذه التكتيكات والاستراتيجيات لسبب بسيط جداً، وهو أن الشعوب لا تشارك في صناعة القرار.
فبين ليلة وضحاها ظهر تنظيم داعش عملاقاً وقوياً ومرعباً، واستقطب آلاف الشبان من أقطار العالم جميعها، عربية وغير عربية، وحتى الآن لم تُفهم دوافع انضمام هؤلاء الشبان القادمين من دول متحضرة ومتقدمة وديمقراطية للانضمام إلى تنظيم إرهابي يتخذ من الدين قناعاً، ولكنه في الواقع يسعى إلى سرقة موارد الدول وخيراتها ونهب ما في جيوب الشعوب التي تقيم تحت سيطرته، ويتاجر بالآثار والنفط وغيرها لتغطية نفقاته كما يقال، لكنه في الواقع لا يعتمد على تلك الموارد كما أشيع ويشاع، وإنما على تمويل جهات غنية جداً، تستخدمه حالياً كما استخدمت تنظيم القاعدة حين كان يحارب الاتحاد السوفييتي سابقاً في أفغانستان، ويبدو أنه حتى الدول لا تتعلم من دروس التاريخ وليس الأفراد فقط، ولهذا يكررون تجربة «القاعدة» بوجه آخر أطلقوا عليه «داعش».
الآن، وقد بدأت معركة الموصل، ثمة إيحاءات وإشارات أن هناك تصميماً عراقياً وسورياً وعربياً وعالمياً لهزيمة «داعش»، وهنالك فرق بين هزيمته والقضاء عليه، وهذه يفهمها من يديرون اللعبة في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص، وكما قالت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية سابقاً، والمرشحة للرئاسة الأمريكية، إن الولايات المتحدة دعمت «القاعدة» بكل ما أوتيت من سلاح وأجهزة اتصال حديثة للتخلص من الوجود السوفييتي في أفغانستان، وأبقت على التنظيم فيما بعد لاستخدامه وقت الحاجة، والآن، قد تخطط أمريكا وحلفاؤها للقضاء على تنظيم داعش، لكن من المستبعد أن تكون نواياهم القضاء عليه قضاءً كلياً إلا في حالة توصلوا إلى شكل دائم للحالة العراقية والسورية والإيرانية والمصرية والليبية واليمنية والسنية والشيعية والأكراد والأتراك وغيرهم، والأكثر من ذلك، إذا توصلوا لتصور مستقبل العلاقة بين دولة الكيان الصهيوني («إسرائيل») وجيرانها، إضافة إلى مصير الفلسطينيين. و«داعش» ورقة أمريكية تتحرك وفق حاجتها وخططها ومراحل تنفيذ سياساتها، ولا علاقة لوجود أوباما أو كلينتون أو ترامب في البيت الأبيض، إنها سياسة عليا أمريكية يتم تنفيذها منذ سنوات طويلة، كانت تخطط إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة لتستريح («إسرائيل»)، وكانت تخطط لتقسيم المنطقة لتبقى ضعيفة غير قادرة للتصدي للجيش الصهيوني، وما فعله تنظيم داعش خدمة كبيرة لتلك السياسات، ولننظر فقط إلى خرائط سوريا والعراق وليبيا وحتى مصر، لنرى مدى النجاح الذي حققته السياسة الأمريكية. وفيما يتعلق بالسياسة الأمريكية لنقرأ ما نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في الثاني من أغسطس/آب عام 2015، حيث كتب محرر الصحيفة «ريتشارد سبنسر» في ذلك الوقت أن باراك أوباما لا يريد الفوز بالحرب ضد تنظيم داعش لأن «الفوز بالحرب سريعاً لا معنى له، ومن المحتمل أن يكون كارثياً». وأشار الكاتب إلى أن «عقل الرئيس المهني يرى أن تنظيم داعش في العراق جزء من معادلة متعددة الأطراف، وتضم السنة العراقيين، مثل أفراد تنظيم الدولة (من ناحية الطائفة)، والأكراد والشيعة والإيرانيين، والاجتياح الأمريكي منذ عام 2003». وفي الواقع لم يتغير الشيء الكثير في السياسة الأمريكية في العراق بعد مرور عام على نشر تلك المقالة، ولا تزال السياسة الأمريكية تمسك العصا من الوسط، وقد تكون في حيرة من أمرها بشأن الإقدام على خطوة تؤدي إلى القضاء التام على تنظيم داعش، لأنها في ذلك ستخسر الورقة التي تمنح وجودها في العراق شرعية.
«داعش» سيُهزم، وانهار في مناطق كثيرة كان أولها في المناطق على الحدود التركية، وتراجع جراء ضربات المقاتلين الأكراد إضافة إلى المقاتلين المدعومين من تركيا مثل الجيش السوري الحر، الذي يظهر فجأة ويغيب فجأة أيضا.
ولكن السؤال الجدير بالطرح: إلى أين سيغادر مقاتلو «داعش» حين ينسحبون من تركيا؟ هل إلى الرقة أم إلى حلب؟ ومن هناك سيغادرون من خلال الطرق والمعابر والممرات والحدود ذاتها التي دخلوا منها، وهي معروفة للقاصي والداني والمحلل والقارئ العادي، أي «انتهت المهمة».
زمن ما قبل تحرير الموصل يختلف عما بعده، وهذا يعتمد على الطريقة التي ستتحرر بها المدينة التي ترزح تحت الاحتلال «الداعشي» من أكثر من عامين، وكذلك الأمر بالنسبة للرقة. وحين نقول الزمن، فإنما نعني الخارطة السياسية والتوازنات والتحالفات في المنطقة، ومصالح الدول الكبرى وخاصة روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى مثل تركيا وإيران، وبطبيعة الحال مصالح («إسرائيل»).
ولهذا، فإن دور المتفرج الذي تلعبه الدول العربية لن يكون في صالحها مهما اختلفت السيناريوهات، وعليها أن تحرص على المشاركة في رسم المنطقة والقرارات المصيرية التي يتم التحضير لها أو تنفيذها. وإن غداً لناظره قريب..

عبدالله السويحي

صحيفة الخليج

 

Print Friendly