rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

روسيا تتوسع وتنتظر حقبة “الصديق” ترمب

لا يبدو مشهد حاملة الطائرات الروسية “الأميرال كوزنتسوف” والقطع البحرية الضخمة المرافقة لها قبالة السواحل السورية أمرا مألوفا منذ سنوات الحرب الباردة، فروسيا حركت معظم أسطول الشمال لتعلن عن وجود “راسخ” في منطقة شرق المتوسط وتثبّت ما تراه “عالما جديدا” من بوابة الأزمة السورية، ومن محصلة السياسة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي المنصرف باراك أوباما بانتظار حقبة الرئيس المنتخب دونالد ترمب الذي تراه موسكو أقرب إلى الصديق.

وجاءت التحركات الروسية غير المسبوقة -منذ الحرب العالمية الثانية– في ذروة الانتخابات الأميركية واستباقا لنتائجها التي كانت ترجح فوز هيلاري كلينتون، في رسالة واضحة مؤداها أن السياسة الروسية ماضية في تحصيل المكاسب الجيوسياسية من بوابة المعركة في سوريا.

القوة الصلبة
منذ تدخلها العسكري المباشر بسوريا في 30 سبتمبر/أيلول 2015 قامت السياسة الروسية على مبدأ ملء الفراغ، فقد استشعرت من خلال تعاملها المباشر في الأزمة السورية أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يملكون إستراتيجية واضحة لتحقيق أهدافهم في سوريا، وفي غياب “القوة الناعمة” وأدواتها بقيت موسكو وفية لسياساتها القديمة زمن الاتحاد السوفياتي باعتماد “القوة الصلبة” أداة لذلك.

وفي ظل “ربكة” أميركية متواصلة فإن الحضور العسكري الروسي في سوريا -الذي لا يخفى الجانب الاستعراضي فيه- منح للكرملين قواعد جديدة في الأراضي السورية وثبت نهائيا الوجود الروسي بالقاعدة البحرية في طرطوس وفي قاعدة حميميم البحرية في اللاذقية، وربما قواعد جوية أخرى في حمص باتفاقيات أقرها مجلس الدوما وسلطات دمشق.

ويعني ذلك وجودا طويل الأمد في المنطقة ومنفذا كبيرا إلى مياه المتوسط “الدافئة”، وبما يضمن ألا تكون القطع البحرية الروسية مثل “البراميل العائمة” كما كان يصفها عسكريون روس إبان الحرب الباردة.

ويرى مستشار الأمن في مجلس الدوما الروسي ألكسي بلوتنيكوف أن هذا الدخول الروسي القوي في سوريا “هو قرار إستراتيجي لحماية أمن ومصالح روسيا بمنطقة الشرق الأوسط، ولمواجهة محاولات الغرب للهيمنة على المنطقة”، على حد قوله في حديث للجزيرة نت.

ولا يمكن اختصار الخطط الروسية في سوريا والمنطقة بالجانب العسكري أو حماية نظام الأسد، فالمصالح الاقتصادية كانت أيضا حاضرة.

وتعمل موسكو على الهيمنة على مخزونات الغاز المفترضة في سوريا واحتكارها مستقبلا، خصوصا منع وصول الغاز السوري أو أي مصادر أخرى منه عبر الأنابيب إلى أوروبا مما يهدد اقتصادها في العمق ويقوض مساعيها إلى مواصلة احتكار السوق الأوروبية مستقبلا.

عقيدة الانكفاء
وتزامنت تلك الإستراتيجية مع بداية عهد الرئيس باراك أوباما الذي تبنى عقيدة تخالف سلفه جورج بوش الابن، وتقارب بشكل مختلف النفوذ الأميركي عبر إعادة توازن الدور القيادي الأميركي في الشأن العالمي دون تورط مباشر في الحروب ومعالجة الملفات الداخلية أولا.

وظهرت “عقيدة أوباما” جلية في الملف الكوبي وزيارته إلى هافانا، وفي إبرام الاتفاق النووي مع إيران وفي رؤيته للعلاقات في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا في قراءة التدخل الروسي بسوريا والتي أوجزها وزير الخارجية جون كيري في كلام موجه إلى شخصيات من المعارضة السورية عندما قال “ماذا تريدوننا أن نفعل، هل تريدون أن نحارب روسيا؟”.

مقاربات أوباما هذه -خصوصا بشأن سوريا والتوسع الروسي- تلقى رفضا من المؤسسة العسكرية الأميركية ومن الاستخبارات ومن الجمهوريين الذين باتوا يهيمنون على الكونغرس بمجلسيه، لكن الرئيس المنتخب دونالد ترمب يتبنى رؤية أكثر انكفاء في الملف السوري ودور روسيا، ويرى أنه يمكن التعاون مع موسكو في دحر “الإرهاب”، وأن “الأسد ليس مشكلة”، وأن المعارضة المعتدلة “لا يعرفها”.

في المحصلة، فإن روسيا ربحت الكثير من الرهانات في منطقة الشرق الأوسط، إذ بات لها الحضور الأقوى في سوريا وفق الحد الأدنى لمصالحها، ونسجت تحالفا مع إيران على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وعادت روسيا إلى مصر من نافذة توريد السلاح والسياسة والاقتصاد وتحتفظ بعلاقات تعاون وثيقة مع الحكومة العراقية، كما أعادت علاقاتها مع تركيا -العضوة في الحلف الأطلسي- وفق تفاهمات جديدة وأبعاد اقتصادية أكثر فائدة، في وقت لم تقف واشنطن ولا الناتو بشكل جدي مع أنقرة في أزمة “السوخوي” الشهيرة.

حدود القوة
ولا تحصر روسيا سياستها في النزوع إلى مزيد من اكتساب التأثير الدولي بمنطقة الشرق الأوسط، بل تسعى إلى انتشار عسكري أكبر عبر العمل على استعادة قواعدها في كوبا وفيتنام ونيكاراغوا وأماكن أخرى، وفق ما قاله مستشار الأمن بمجلس الدوما الروسي ألكسي بلوتنيكوف ونشرته وسائل إعلام روسية.

وتمد موسكو هذه الأذرع الطويلة في الوقت الحالي إلى أبعد مدى ممكن مستفيدة من انكفاء واشنطن ومن أزمة يشهدها “النظام الأميركي” يرجح محللون أن تستمر وربما تتفاقم في عهد ترمب، لكن القوة الروسية “الصلبة” وحدها قد لا تصنع ندا قويا للولايات المتحدة على ضعفها الحالي.

فعوامل القصور الاقتصادي لروسيا والمشاكل الاجتماعية تمثل عاملا كابحا للقوة، كما أن الانتشار العسكري الكبير على استمراره وتوسعه يكلف خزينة الدولة كثيرا ويضغط أكثر على اقتصاد هش وغير متوازن وبنية اجتماعية غير متماسكة، مما قد يهدد وجود “البوتينية” نفسها.

الجزيرة

Print Friendly