الدور الإيراني في معركة الموصل.. حصار كامل ومنطقة للقتل

الدور الإيراني في معركة الموصل.. حصار كامل ومنطقة للقتل

خلال الأيام الأولى للهجوم على تنظيم داعش في الموصل، نجحت إيران في الضغط على العراق لتغيير خطة المعركة وحصار المدينة بالكامل، وهو التدخل الذي شكّل مسار الصراع، كما قالت مصادر مطلعة على خطة المعركة.

كانت الخطة القديمة تقضي بحصار القوات العراقية لمدينة الموصل من 3 جهات فقط وترك الجهة الرابعة مفتوحة، من ناحية الغرب التي تؤدي إلى معقل تنظيم داعش في سورية.

كان هذا النموذج، الذي استخدم في عدة مدن عراقية عند تحريرها من أيدي المسلحين المتطرفين، خلال العامين الماضيين، كان سيترك طريقا للمسلحين والمدنيين للخروج، وكان سيجعل معركة الموصل أسهل وأبسط.

لكن طهران، التي كانت قلقة من أن ينسحب المسلحون إلى سورية حيث تدعم إيران حليفها بشار الأسد هناك في الحرب الأهلية المستمرة منذ 5 سنوات، أرادت أن تسحق تنظيم داعش وتقضي عليه في الموصل.

وتقول المصادر، إن إيران ضغطت لإرسال قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران إلى الجبهة الغربية لإغلاق الطريق الواصل بين الموصل والرقة، وهما المدينتان الأساسيتان في الخلافة التي أعلنها تنظيم داعش.

وقطع هذا الطريق الآن، وللمرة الأولى خلال الحملة التي يدعمها الغرب ضد تنظيم داعش والمستمرة منذ عامين ونصف، لم يكن لدى بضع آلاف من المقاتلين خيارا سوى البقاء والقتال حتى الموت، كما أن هناك نحو مليون مدني لا يجدون مفرا من خطوط المواجهة التي تقترب من وسط المدينة.

وقال أحد المسؤولين الأكراد المشاركين في التخطيط لعملية الموصل، “إذا حاصرت عدوك ولم تترك له مخرجا، فإنه سيقاتل حتى النهاية”.

وأكد المسؤول الكردي، أن الفكرة الأولى كانت تقول بترك مخرج من ناحية الغرب.. لكن الحشد الشعبي أصر على إغلاق هذه الثغرة لمنعهم من الذهاب إلى سورية.

وتعد معركة الموصل هي أكبر معركة في العراق منذ الغزو الأمريكي في العام 2003، فهناك نحو 100 ألف مقاتل في صفوف النظام العراقي، من بينهم جنود عراقيون وأفراد من الشرطة العراقية وقوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق ومقاتلون من وحدات الحشد الشيعي، كما يقدم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة دعمًا جويًا وبريًا.

وقال قادة الجيش العراقي، عدة مرات، إن وجود المدنيين في أرض المعركة أدى إلى تعقيد وإبطاء العملية المستمرة منذ 7 أسابيع، كما أدى إلى تقييد الغارات الجوية واستخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق السكنية.

وفكروا في تغيير الخطة لكي يسمحوا للمدنيين بالخروج، لكنهم استبعدوا الفكرة لأنهم كانوا يخشون من تعرض هؤلاء المدنيين للقتل على يد المسلحين، الذين أعدموا المدنيين لمنعهم من الفرار من أرض المعركة في معارك أخرى، كما أن السلطات والمنظمات الإغاثية أيضا كانوا سيجدون صعوبة في التعامل مع الهجرة الجماعية.

منطقة للقتل

وتظهر وثائق التخطيط التي أعدتها المنظمات الإنسانية قبل الحملة، أنهم جهزوا مخيمات في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سورية لنحو 90 ألف لاجئ يتوقع أن يتوجهوا غربًا خارج الموصل.

ويقول أحد العمال الإغاثيين، “لم توافق إيران وأصرت على عدم ترك ممرات آمنة إلى سورية، لقد أرادوا أن تتحول منطقة غرب الموصل إلى منطقة للقتل”.

كما قال هشام الهاشمي، وهو محلل عراقي متخصص في شؤون تنظيم داعش، واطلع على خطة المعركة مسبقا، أن الخطة كانت تتضمن ترك إحدى الجهات مفتوحة.

وقال: “كانت الخطة الأولى على شكل حدوة فرس، حيث كانت تسمح للمدنين والمقاتلين بالانسحاب جهة الغرب، حيث كان الهجوم آتيا من ناحية الشرق”.

وقبل أسبوع من انطلاق الحملة، اتهم حسن نصر الله، زعيم حزب الله الشيعي اللبناني، وهو حليف مقرب من إيران، الولايات المتحدة بالتخطيط لإزاحة تنظيم داعش إلى سورية.

وقال: “يجب على الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي هزيمته في الموصل، وإلا فسيكون عليهم الانتقال إلى سورية لمحاربة التنظيم الإرهابي”.

وأنكر المتحدث باسم الحشد الشيعي، كريم النوري، أن طهران كانت وراء قرار نشر المقاتلين الشيعة غرب الموصل. وقال: “ليس لإيران مصلحة هنا.. وأغلب هذه التصريحات ليست إلا تحليلات، وهي ببساطة ليست حقيقية”.

ويصب تأمين منطقة غرب الموصل من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في مصلحة حلفاء إيران، حيث سيمنح المقاتلين الشيعة نقطة انطلاق إلى داخل سورية لدعم الأسد.. وإذا تمت هزيمة تنظيم داعش في سورية والعراق، فإن حلفاء طهران قد يتمكنون من السيطرة على المنطقة الممتدة من إيران نفسها عبر الشرق الأوسط إلى لبنان وشاطئ البحر المتوسط.

الضغط الروسي

لم تكن إيران الدولة الوحيدة التي قامت بالضغط من أجل إغلاق منطقة غرب الموصل، فقد أرادت روسيا، وهي حليفة أخرى للأسد، الحيلولة دون أي تحرك للمقاتلين إلى داخل سورية، كما قال الهاشمي.

وكانت فرنسا، وهي أحد أكبر أعداء الأسد، تشعر بالقلق من فرار مئات المقاتلين الذين قد تكون لهم علاقة بهجمات بروكسل وباريس، وشاركت القوات الجوية والبرية الفرنسية في معركة الموصل.

وبعد أسبوع من انطلاق الحملة، قال الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أنه قد يكون من بين المدنيين الهاربين من الموصل “إرهابيون قد يحاولون الذهاب إلى أماكن أخرى، وبخاصة الرقة”.

ولكن خطة المعركة لم تشمل إغلاق الطريق إلى غرب الموصل حتى وافق رئيس الوزراء حيدر العبادي في أواخر أكتوبر على إرسال ميليشيات الحشد الشعبي.

وأوضح الهاشمي: “وافقت الحكومة على طلب إيران، معتقدة أن وصول الحشد الشعبي إلى الطريق لسورية قد يستغرق وقتا طويلا، وخلال ذلك الوقت سيكون طريق الهروب مفتوحًا وتستمر المعركة كما كان مخطط لها”.

وأعلن عن تحرك الحشد الشعبي لقطع الممر الغربي في 28 أكتوبر، أي بعد 11 يوما من بدء حملة الموصل. فقد تقدم المقاتلون سريعا منطلقين من قاعدة جنوب الموصل لإغلاق الطريق المؤدي إلى سورية.

وأشار الهاشمي إلى أن العبادي كان متفاجئا لرؤيتهم يصلون إلى الطريق خلال أيام قليلة، فاتخذت المعركة شكلا مختلفا منذ ذلك الحين، فلم يعد هناك طعام ولا وقود يصل إلى الموصل، واضطر مقاتلو “داعش” للقتال حتى النهاية.

التقرير

وما إن بدأ تقدم الميليشيات الشيعية العراقية إلى غرب الموصل، حتى أمر زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، أتباعه بعدم الانسحاب من المدينة التي أعلن فيها قيام خلافته في العام 2014. وعلى من يريدون الانسحاب أن “يعملوا أن قيمة البقاء على أرضكم بشرف أفضل ألف مرة من ثمن الانسحاب مصحوبين بالعار”، وقال البغدادي في أحد التسجيلات الصوتية بعد 5 أيام من إعلان تقدم الميليشيات الشيعية نحو الموصل لقطع الطريق الأخير.

ومنذ ذلك الوقت، شن مقاتلو التنظيم مئات من العمليات تشمل عمليات انتحارية وهجمات بالسيارات الملغومة وقذائف الهاون وهجمات القناصة ضد القوات المتقدمة، باستخدام شبكة من الأنفاق تحت المناطق السكنية، مستخدمين المدنيين كدروع بشرية، كما يقول أحد الجنود العراقيين.

وقال مسؤول أمريكي كبير في التحالف الدولي، الذي يدعم الحملة أن شن حرب في ظل وجود المدنيين سيكون صعبًا دائما، لكن حكومة بغداد كانت الأقدر على اتخاذ قرار بشأن الاستراتيجية.

وأكد العميد سكون إيفلاندت، نائب القائد العام في التحالف، قائلا: “إنهم يمتلكون خبرة بالحرب تصل إلى 15 عامًا.. ولا أجد أحدًا أكثر ملائمة لاتخاذ القرار، ونتيجة لهذا فقد دعمنا في التحالف قرار الحكومة العراقية”.

“إن فتح وإغلاق هذا الممر، نظريا وواقعيا، لم يغير خطط المعركة بشكل جوهري.. لقد غير فقط طريقة تنفيذ القتال، لكن هذا لا يجعلها بالضرورة أسهل أو أصعب”.

لكن المسؤول الكردي كان له رأي آخر، حيث قال إن معركة تحرير الموصل أصبحت الآن “أكثر صعوبة” وقد تتحول إلى حصار طويل مشابه لما رأيناه في سورية. وأضاف: “قد يحول الموصل إلى حلب”