الحفاظ على العلاقات خلف الأبواب الموصدة

الحفاظ على العلاقات خلف الأبواب الموصدة

21

فيما يلي مقابلة أُجريت مؤخراً مع مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن ديفيد شينكر.

سايفر بريف: كيف تعاونت مصر وإسرائيل (في مجالات تبادل المعلومات الإستخباراتية، ومبيعات المعدات والتدريب، الخ) لمواجهة التهديدات الإقليمية، مثل تنظيم «الدولة الإسلامية في سيناء» و«حماس»؟

ديفيد شينكر: وُصف السلام بين مصر وإسرائيل بالسلام “البارد” لعقود طويلة. ولكن هذه الدينامية قد تغيّرت – على الأقل على المستوى الرسمي – منذ الانقلاب الذي أطاح بزعيم «الإخوان المسلمين» محمد مرسي من رئاسة الجمهورية عام 2013 واستبدله باللواء عبد الفتاح السيسي. وقد ساهم التعاون في سيناء إلى حد كبير في تحسين العلاقات بين البلدين.

لقد تدهور الوضع الأمني في سيناء بشكل جذري في أعقاب ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، عملت مصر وإسرائيل بشكل وثيق على مكافحة التمرد الناشئ في شبه جزيرة سيناء. وسمحت إسرائيل – على أبسط المستويات – بإجراء تعديلات على الملحق الأمني لـ “اتفاقية كامب ديفيد” في حوالي عشرين مناسبة، مما سمح لمصر بنشر القوات والمعدات، بما فيها الطائرات، في سيناء بعد أن كان هذا الأمر محظوراً في الاتفاقية. كما أن التعاون الاستخباراتي بشأن التهديدات القائمة في سيناء قوي أيضاً، حيث وصفه نائب رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، اللواء يائير جولان، في عام 2016 بأنه “غير مسبوق”.

وعلاوة على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعديلات التي أجريت على “اتفاقية كامب ديفيد”، يبدو أن مصر وإسرائيل تتعاونان بشكل وثيق على الحدود وتحديداً فيما يخص اكتشاف الأنفاق وتدميرها – تلك التي تم حفرها من شبه جزيرة سيناء إلى غزة، وتستخدمها «حماس»، من بين تنظيمات أخرى، لتهريب الأسلحة والقوات. وعلى الأخص، وفقاً لبعض التقارير، منحت مصر لإسرائيل تفويضاً مطلقاً لنشر طائرات بدون طيار فوق سيناء، وأذنت لها باستهداف المقاتلين الإسلاميين وفق استنسابها. ولأسباب واضحة، لا تُعلّق كل من إسرائيل ومصر علناً ​​على هذا الترتيب.

سايفر بريف: ما هو حالياً وضع العلاقات بين البلدين على مستوى القيادات العليا – أي بين بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسيسي؟

ديفيد شينكر: على الرغم من عدم تطوّر السلام بين الشعبين المصري والإسرائيلي على النحو المأمول، إلا أن العلاقات بين رئيسَيْ الدولتين تبدو ممتازة. وتشير تقارير صحفية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السيسي على تواصل مستمر- حتى أن هناك بعض المقالات التي تشير إلى هذا الموضوع مرة واحدة على الأقل أسبوعياً. وفي عام 2016، أرسل السيسي وزير خارجيته، سامح شكري، إلى القدس، للقاء نتنياهو – وهي أول زيارة من نوعها منذ تسع سنوات.

إن ما يوطّد هذه الدينامية الشخصية هو وجود مصلحة مشتركة واضحة حول بعض المسائل الجوهرية. وفي ما يتعدى الإجماع على قمع التمرد في سيناء، يبدو أن نتنياهو والسيسي يعتبران حركة «حماس» مصدر تهديد. فقد أيد السيسي محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بصورة تتطابق مع المصالح الإسرائيلية المتمثلة بعدم مشاركة وسطاء أوروبيين. وفي غضون ذلك، يبدو أن نتنياهو على استعداد لعقد اتفاق مع مصر لخفض الديون المترتبة عليها لصالح إسرائيل – إلى النصف – جرّاء نقض اتفاقية الغاز الطبيعي القائمة منذ مدة طويلة. وفي الوقت نفسه، لم يتوانَ نتنياهو عن الدفاع صراحةً عن مصر بعد استمرار تراجع شعبيتها في واشنطن. وليس من المستغرب أن يكون نتنياهو منفتح القلب عندما يتحدث عن السيسي.

وفي السنوات الأخيرة، كانت العلاقات اليومية تُدار من قبل رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، اللواء (احتياط) عاموس جلعاد. وهذه الدائرة مسؤولة عن العلاقات الأمنية مع الشركاء الإقليميين. وحيث يتقاعد جلعاد، ونظراً للأهمية المخصصة لهذه العلاقة من قبل قادة البلديْن، ليس هناك شك في استمرار النوايا الحسنة.

سايفر بريف: ما هو مستوى العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟ هل هناك قطاعات محددة أثببت فائدتها الاقتصادية لكلا البلدين؟

ديفيد شينكر: تأتي اتفاقية “المناطق الصناعية المؤهلة” في مصر في طليعة العلاقات الاقتصادية الثنائية بين إسرائيل ومصر؛ وتأذن هذه الاتفاقية بيع المنتجات ذات المحتوى الإسرائيلي والمصري في الولايات المتحدة وهي معفاة من الرسوم الجمركية. وتعمل حالياً حوالي 700 شركة في هذه “المناطق” وتوظّف 280 ألف مصري: ووفقاً لبعض التقارير تشكّل عائدات هذه المناطق 45 في المائة من الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة، أو حوالي مليار دولار سنوياً.

وقبل ثورة عام 2011، كان الغاز الطبيعي من بين العلاقات الاقتصادية الأكثر أهمية بين الدولتين. فقد كانت إسرائيل تشتري ما يصل الى سبعة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي من مصر كل عام، ولكن تدهور الوضع الأمني ​​في سيناء أدى إلى قيام عمليات تخريب متكررة لخطوط الأنابيب، الأمر الذي أنهى هذا الترتيب. ومع اكتشاف احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي قبالة الساحل الإسرائيلي، يدور نقاش حول استخدام المرافق المصرية لتسييل الغاز الطبيعي الإسرائيلي، إلا أن هذا الاحتمال لا يزال بعيد المنال.

وفي المقابل، تشكل السياحة قطاعاً اقتصادياً من الناحية التاريخية يعود بالمنفعة الاقتصادية على كلا البلدين. وبينما لا يسافر الزوار المصريين عموماً إلى إسرائيل، إلا أن ما يقرب من ربع مليون إسرائيلي كانوا قد زاروا مصر في عام 2010. وبالأرقام المطلقة، لم يمثل السياح الإسرائليون في مصر بتاتاً نسبة كبيرة من عدد السياح الإجمالي، ولكن الإرهاب في السنوات الأخيرة أدّى إلى انخفاض عدد السياح الإسرائيليين بأكثر من 50 في المائة.

سايفر بريف: هل ترى [احتمال] زيادة مستوى التعاون على المدى القريب؟ وإذا حدث ذلك، ما هي المجالات التي سنشهد فيها زيادة في هذا التعاون؟

ديفيد شينكر: من الواضح أن التعاون الإسرائيلي-المصري يعود بالمنفعة المتبادلة على كلا البلدين، إلا أن مظهر هذا التعاون أمام الرأي العام يضع على عاتق السيسي مسؤولية سياسية تجاه ناخبيه. وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر وتراجع شعبية السيسي في بلاده، سوف يكون من الصعب زيادة التعاون الظاهر مع إسرائيل. بيد، بما أن التعاون الاستراتيجي في سيناء ليس جلياً، فمن الممكن توقع استمراره وربما تحسينه أيضاً.

وثمة مجالاً آخر يحتمل أن تمد فيه مصر يد المساعدة لإسرائيل، وهو الفلسطينيين. فمع تراجع النفوذ المصري في المنطقة خلال السنوات الماضية، ليس هناك شك في أن القاهرة سترحّب بأي فرصة لإعادة انخراطها في عملية السلام من أجل تحسين صورتها الدولية. فانخراط السيسي في هذا الشأن لا ينطوي على تأثيرات سلبية تُذكر في الداخل المصري؛ ونظراً إلى علاقة العمل التي تبدو جيدة بين السيسي ونتنياهو، من المرجح ألا تعترض الحكومة الإسرائيلية على جهود الوساطة المصرية.

ويشكّل قطاعا الغاز والمياه أيضاً ساحة خصبة للتعاون المحتمل بين البلدين. فمصر تشهد للمرة الأولى في تاريخها تضاؤلاً في حصتها من مياه النيل، وقد تعاني من نقص في المياه في نهاية المطاف. والمشكلة الكبرى هنا هي هدر المياه، وهي مسألة تملك إسرائيل خبرة مكثفة في حلّها، كما تملك تقنيات فائقة التطور لتحلية المياه كانت قد استخدمتها سابقاً للتخفيف من حدة النقص في المياه الذي هي نفسها تعاني منه. وفي حين أنه من الصعب الحديث عن إنشاء محطات تحلية إسرائيلية في مصر، إلا أنه لا يزال من الممكن الاستعانة ببعض التقنيات الإسرائيلية الأقل شهرة لحفظ المياه وإعادة التدوير. أما بالنسبة للغاز، فتملك مصر قدرات فائقة في محطات الغاز الطبيعي المسال، والتي قد تجدها إسرائيل مفيدة. إن استعانة إسرائيل بهذه المنشآت قد يعود بالمنفعة المادية على كلا البلدين.

ديفيد شينكر

معهد واشنطن

Print Friendly, PDF & Email