كثيرة هي الخسائر المترتبة على توسع نفوذ إيران في بعض البلاد العربية. يتيح هذا التوسع لإيران قدرات متزايدة على التأثير في مستقبل المنطقة، لكن مناطق النفوذ الإيراني هي الأكثر خسارة. وخسارتها وطنية عامة لأنها تُفرغ معنى الوطن من محتواه، ولا تقتصر على طائفة دون أخرى.

أدى التوسع الإيراني حتى الآن إلى هيمنة على القرار السياسي في العراق بشراكة هامشية للولايات المتحدة، واحتلال مساحات كبيرة من أراضي سوريا بشراكة كاملة، لكنها قلقة مع روسيا، وتخريب اليمن عبر دعم ميليشيات تابعة لطهران في حربها ضد الحكومة الشرعية، والإمساك ببعض خيوط التوازن الداخلي في لبنان.
غير أن العراق وسوريا هما الأكثر خسارة، لأن النفوذ الإيراني فيهما أكبر من غيرهما، ولغياب دعم كاف للقوى التي تحاول التصدي له بإمكانات ضئيلة سياسياً في أولهما، ومتهافتة عسكرياً في الثاني.

ولن يكون نجاح إيران في تقويض محاولة بناء جيش وطني متحرر من الطائفية آخر الخسائر التي تلحق بالعراق، بعد أن دفعت باتجاه دمج ميليشيات مذهبية متطرفة موالية لها فيه رسمياً عبر قرار من مجلس النواب. فقد أقر البرلمان «قانون هيئة الحشد الشعبي» في 26 نوفمبر الماضي، مسدلاً الستار على محاولات متوالية لإعادة بناء الجيش العراقي على أساس وطني. بدأت تلك المحاولات عقب رضوخ الولايات المتحدة عام 2003 لضغوط حلفائها من القوى السياسية الشيعية، حيث قررت تفكيك «جيش صدام حسين»، ورفضت الاستماع لنصائح بإعادة بنائه وفق عقيدة عسكرية جديدة والاكتفاء بتسريح جنرالاته فقط.

وأنهى قانون «الحشد الشعبي» آخر هذه المحاولات، رغم أن من أعدوه سعوا إلى إخفاء انحيازهم المذهبي بتضمينه نصاً على الالتزام أفراد هذا «الحشد» بفك ارتباطاتهم السياسية والحزبية! لكن دارسي طبيعة ميليشيات هذا «الحشد» يعرفون أنها قامت على أساس سياسي مذهبي يُعدُّ جزءاً لا يتجزأ من كياناتها، وأن أفرادها تشبعوا بمرجعية عقائدية متطرفة، وأن من ارتكبوا جرائم قتل أو تعذيب أو تخريب إنما فعلوا ذلك بسبب فائض الشعور المذهبي لديهم.

وهكذا نجحت إيران في تمرير خطتها للسيطرة على الجيش العراقي، وتحويله إلى جهازين متوازيين؛ أحدهما يغلب عليه الانتماء المذهبي، والثاني يقوم على أساس هذا الانتماء جملةً وتفصيلاً.

استغلت إيران تنامي الإرهاب في العراق، بعد أن ساهمت في خلق الأساس الذي أدى إلى توسعه بدءاً بتعاون وثيق مع «القاعدة»، كشفت الوثائق بعض تفاصيله منذ أن التقت مصالح الطرفين عام 2003. وكان احتلال تنظيم «داعش» مساحات كبيرة في شمال غرب العراق عام 2014 بمثابة الذريعة التي مكَّنت إيران من تأسيس عدة ميليشيات مذهبية متطرفة، فضلاً عن دعم ميليشيات أخرى كانت قد أُنشئت من قبل، ثم دمجها كلها في إطار ما بات يُعرف باسم «الحشد الشعبي».

وضغطت إيران من أجل توسيع دور ميليشيات هذا «الحشد» في معارك تحرير المناطق التي احتلها «داعش»، وفرضت على الولايات المتحدة التعامل مع هذا الدور بعد أن أصبح أمراً واقعاً. وشهدت الشهور الأخيرة تراجعاً منتظماً في الموقف الأميركي الذي كان معارضاً لاضطلاع «الحشد» بدور رئيس في المعارك ضد «داعش» منذ معركة الفلوجة وحتى حرب الموصل.

وعندئذ أصبح سهلاً تحقيق النقلة النوعية التي تُتوَّج هذا المسار عبر دمج ميليشيات «الحشد» في الجيش العراقي، ليصبح تجمعاً لميليشيات مذهبية على نحو يجعله منبت الصلة بالقواعد التي تقوم عليها المؤسسات العسكرية الوطنية.

غير أن صانعي القرار في طهران وأتباعهم في بغداد لا يدركون أن التمادي في هذه السياسة المذهبية يضع العراق على شفا حرب داخلية قد تكون أكثر ضراوة من المعارك ضد «داعش»، كما أن القابضين على السلطة في العراق الآن لا يعون أهمية بناء جيش وطني يساعد في تحقيق التكامل الاجتماعي بين مكونات المجتمع، والتي تزداد المسافات بين بعضها كل يوم، وليست هذه إلا إحدى الخسائر الناتجة عن توسع نفوذ إيران وطموحها الذي لا يقف عند حد.

وحيد عبد المجيد

جريدة الاتحاد