أصنامنا التي قتلت الثورات

أصنامنا التي قتلت الثورات

44

تُبنى الثقافة العربية المعاصرة على أسس مشابهة للبنى السياسية والاجتماعية المهيمنة. يحق للمثقف أن ينتج نقداً لكن لا يحق لآخر ان ينقد انتاج الأول، تماماً مثلما يحق للسلطة السياسية أن تعلن العداء لجهة خارجية لكن يحظر على معارضي السلطة التساؤل عن معنى وسبب ونتيجة هذا العداء.
وضع محمد عابد الجابري أربعة كتب كبيرة في مشروعه المسمى «نقد العقل العربي»، لكنه رفض مجرد النقاش مع جورج طرابيشي الذي نقَدَ نقْد الجابري وأظهر مثالبه. درس إدوارد سعيد الاستشراق وقال فيه ما شاء ان يقول، لكنه لم يتردد في استخدام ألفاظ أقرب الى الاهانات الشخصية الصريحة في تعليقه على دراسة صادق جلال العظم «الاستشراق والاستشراق معكوساً» التي تناولت «الاستشراق» السعيدي. أقام الرسام يوسف عبدلكي معرضاً في دمشق لكن اصدقاء الفنان السوري هبوا للدفاع عنه في وجه من تساءل عما اذا كانت هذه الخطوة تخدم في تحسين صورة النظام الأسدي لتزامنها مع المذبحة والتطهير العرقي الدائرين في حلب.
وليس نادراً ان يرفض كاتب عربي نقاش انتاجه أو أن يرد باستعلاء وفوقية يشيان بمركبات النقص والغرور التي تتحكم في شخصه الكريم. بيد أن هذا قليل الأهمية أمام معاني استحالة النقد في الثقافة العربية، وخصوصاً التفاعل مع النقد هذا، كعملية حاسمة الأهمية في انتاج المعرفة وتطويرها كأساس لا غنى عنه إذا أردنا لمجتمعاتنا أن تتخلص من بعض آفاتها.
وكم تبدو بعيدة لحظة تدفق الشباب العرب الى الساحات في تونس والقاهرة والاسكندرية ودمشق ودرعا وحماة وصنعاء للمطالبة بالتغيير والكرامة والعدالة الاجتماعية. كم تبدو تلك اللحظات غريبة عما عدنا واكتشفناه في انفسنا من نزوع الى البطريركية الأبوية، في السياسة والاجتماع والثقافة.
تكاد تكون هذه الأيام التي يتنزه فيها قاسم سليماني بين أطلال حلب وتتراجع بسرعة فلكية أحوال الحريات العامة في العالم العربي الى ما دون الوضع المزري الذي كانت عليه عشية الثورات في 2011، تكاد تكون صورة مقلوبة لكل ما حمل متظاهري الساحات والميادين قبل خمس سنوات على النزول الى الشارع. لكن، في المقابل، يمكن الزعم أن سواد هذه الصورة قديم ومتأصل في الممارسات السياسية والثقافية في هذه البلدان.
جدالات الجابري- طرابيشي او سعيد – العظم، وقد باتوا جميعاً في دنيا الحق، ونقاشات أقل شهرة، تقول بين أشياء أخرى كم هي عسيرة مهمة التخلص من القمع والترهيب والتخوين، سواء بين المثقفين او بين قوى المعارضة التي تنهار كبناء من أوراق اللعب عند أول هزة.
وتقول أيضاً ان الترابط بين الثقافة والسياسة والاجتماع ليس بدعة يراد بها تحويل انظار «الجماهير» عن الخطر الامبريالي الصهيوني الخ… ودفعها الى التلهي في معارك جانبية تؤدي الى ضياع البوصلة، الطيبة الذكر. بل إن الأمر بات، بعد دروس الثورات العربية اخفاقاتها، شديد الأهمية لتحديد المعنى الكبير لكل مظاهر السلطة، بما فيها الدينية والثقافية والاقتصادية، والطريق الذي يخفف عن العرب هذا الطريق اللانهائي من البؤس والخراب والضياع الفردي والعام.
دمر التسلط، بأشكاله المذكورة، حتى امكانية الانتفاض عليه وتغييره، ودمر القدرة على النقد والمراجعة والتدقيق. أرادت السلطات فرض حقيقتها على كل معاني الوجود، وكان لها ذلك فحطمت حتى فرص انتاج معرفة حرة ومستقلة. على هذه الخرائب لم يبق لدينا إلا أصنام في السياسة كما في الثقافة، لنعبدها ونتقرب اليها بالدم ونرفع اليها صلوات من لعنات واتهامات وشتائم. فيما طموح الكثرة أن تتحول أصناماً مقدسة.

حسام عيتاني

نقلاً عن “الحياة”

Print Friendly, PDF & Email