النظام الإيراني… جزء أساسي من معضلة الحل في الصراع السوري

النظام الإيراني… جزء أساسي من معضلة الحل في الصراع السوري

47

 

في التاسع والعشرين كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي  أعلن في العاصمة التركية “أنقرة”عن اتفاق روسي تركي يهدف إلى وقف إطلاق النار في سورية، على أن يبدأ تنفيذه في اليوم نفسه وبضمانات تركية وروسية. وعقب سريان الاتفاق صرّح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي قال إن “على جميع المقاتلين الأجانب بمن فيهم عناصر حزب الله مغادرة سوريا”. ومن جانبها أعلنت طهران بشكل صريح أن ميليشيات حزب الله لن تخرج من سوريا، بما عدّ أول موقف رسمي واضح من هذه المسألة منذ الاتفاق الأخير على وقف إطلاق النار برعاية روسيا وتركيا.

وقد جاء الإعلان الإيراني على لسان علي أكبر ولايتي، المستشار الأول للمرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قال إنه بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في سورية، فإن حزب الله لن يخرج من هذا البلد. معتبراً الكلام عن تفاهم على خروج «حزب الله» من سورية «عارياً من الصحة ودعاية يطلقها العدو».  وقد حرص حزب الله في الفترة الأخيرة على تصوير معركة حلب بوصفها المعركة الأخيرة التي سيكون الانتصار فيها مقدمة لإعلان الانتصار التام والنهائي لمحوره. حزب الله رسم لنفسه خارطة نفوذ في المنطقة وفي لبنان انطلاقا من هذا التصور، ولكن حساباته لم تتطابق مع حسابات الدول الكبرى المشاركة في الحرب السورية، فقد عملت روسيا بعد سقوط مدينة حلب على إنشاء اتفاق ثنائي بينها وبين تركيا لم يكن حلفاء حزب الله الرئيسيين، أي النظام الإيراني والسوري، مشاركين فيه.

وقد تعددت أراء المراقبون بشأن تصريحات ولايتي ما بين تكبيل النظام السوري بوجود إيراني دائم يحرمه من أي هامش مناورة للاتساق مع خيارات موسكو في إطار أي تسوية محتملة. وتبديد المخاوف التي سادت الميليشيات الشيعية التابعة للنظام الإيراني في سوريا،  وسعي النظام الإيراني إلى تقوية أوراقه داخل أي تسوية مقبلة وتذكير الأطراف المعنية بصلابة الأوراق التي يمتلكها داخل سوريا. فوجود حزب الله في سوريا هو رأس جبل الجليد لاستراتيجية شاملة سيعتمدها  في مقاربة الورشة الروسية لإنتاج تسوية ما في مفاوضات أستانة.وفي هذا السياق يطرح سؤالين حول النظام الإيراني هما: هل هو جزء من الحل في سوريا أو جزء من المشكلة؟ ولماذ يرفض النظام الإيراني وبشدة خروج المليشيات الشيعية وعلى رأسها حزب الله اللبناني من سوريا؟

الأمم المتحدة، في عهد الأمين العام السابق بان كي مون، أصرّت على ضرورة إدخاله طرفاً مباشراً في الأزمة السورية بصفته جزءاً من الحل، رامية جانباً كل التحفظات على هذا الإصرار ومتجاهلة وضوح المشروع الإيراني فس سوريا والمشرق العربي . كذلك فعلت عمداً الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، عندما وافقت على مشاركة النظام الإيراني الإيراني تلبية لإصرار الديبلوماسية الروسية، في مفاوضات حل الأزمة السورية بل إن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما اتخذت قراراً مهما يُسمَح بموجبه للنظام الإيراني ولقوات «الحرس الثوري» بالتوغل عسكرياً داخل سوريا، وأعطتها غطاءً قانونياً من خلال إلغاء قرارات مجلس الأمن التي منعت النظام الإيراني من هذه الأدوار العسكرية، وكل ذلك من أجل الاتفاق النووي معه. وهكذا، كانت إدارة أوباما طرفاً خفياً في ساحة الحرب السورية لمصلحة بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد، نظراً إلى أن مهمة «الحرس الثوري» والميليشيات التابعة للنظام الإيراني كانت وما زالت جليَّة، وهي: بقاء الأسد في السلطة.

لماذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وروسيا والصين غض النظر عن طموحات النظام الإيراني الإقليمية والتي كانت القيادة الإيرانية يجهر بها ولا يخفيها؟ الإجابة تتعدى ما يُزعَم من أن الاتفاق النووي كان حاجة ذات أولوية قاطعة، فالكل كان يدرك تماماً ما هي جغرافية الطموحات الإيرانية وسكت. لذلك، فإن المواجهة السياسية حول سحب القوات التابعة للنظام الإيراني من سورية لافتة. فإما أن تكون هذه مجرد خلافات تكتيكية، أو أنه سيصنَّف جزءاً من المشكلة بعدما دللته الأمم المتحدة وجميع هذه الدول بصفتها الجزء الأساسي من الحل.

 وحالياً، غاب النظام الإيراني عن اتفاق حلب الذي أخرج المعارضة من المدينة، كما غاب عن اتفاق أنقرة الذي أسفر عن وقف إطلاق النار؛ فالاتفاقان كانا ثمرةَ جهدٍ ثنائيٍ روسي – تركي. ومع ذلك، حرص الروس والأتراك على ضم النظام الإيراني إلى التسوية لتحييد قدرته على التعطيل واعترافًا بنفوذه في النظام السوري، وذلك بدعوته إلى اجتماع موسكو الثلاثي الذي صدر عنه “إعلان موسكو”. لكن النظام الإيراني يبدي تحفظات على التحركات الروسية – التركية، كما أبدى استيائه من تجاهل موسكو لطلبه اعتبار بعض فصائل المعارضة السورية المشاركة في محادثات أنقرة “إرهابية” (أحرار الشام وجيش الإسلام على وجه الخصوص). ويتخذ الحرس الثوري تحديدًا مواقف متشددة ومتشككة إزاء مساعي موسكو وأنقرة لإنهاء الصراع، كما تتخوف أوساط إيرانية من وجود تفاهمات روسية – تركية غير معلنة تجاه الوضع في سورية.

وفيما حاول الحرس الثوري الإيراني “عن طريق ميلشيا حزب الله اللبناني والنجباء العراقية” نسف اتفاق حلب، لمعارضته خروج المعارضة سالمة من المدينة، يحاول الحرس الثوري عبر حزب الله أيضًا نسف اتفاق وقف إطلاق النار من خلال استمرار استهداف قرى وبلدات وادي بردى والغوطة الشرقية في ريف العاصمة دمشق متجاهلًا اتفاق أنقرة. فالنظام الإيراني لديه مشروع توسعي، أدواته التنفيذية في سوريا حزب الله اللبناني، فهو يريد ضم سوريا إليه كما ضم لبنان والعراق عبر النفوذ العسكري والسياسي المباشر، ويعمل في سوريا بجدية لإحداث تغيير سكاني في بعض المناطق التي تريد جعلها موالية لها وبخاصة في ريف دمشق لتحقق حزاماً أمنياً يتصل بجنوب لبنان. والنظام الإيراني لديه عقيدة دينية مذهبية يريد نشرها، وهو يسارع لإقامة طقوسه الدينية في المساجد السُنية الكبرى في سوريا مشجعاً على التشيع، وهذا ما يجعل الصراع السياسي يأخذ منحى طائفياً، وهو سر ظهور التطرف المضاد.

 و من خلال حزب الله يريد النظام الإيراني يريد إشاعة الفوضى في سوريا وإنهاء مؤسسات الدولة وتفتيت الجيش السوري كما حدث للجيش العراقي، لأن الفوضى والانهيار يتيحان له أن يطفو على السيادة الوطنية كما فعلت في لبنان عبر ذلك الحزب، وقد بدأ بتشكيل ميليشيات في سورية بدل الجيش النظامي. ومن خلال حزب الله اللبناني أيضا يريد النظام الإيراني يريد تقسيم سوريا وهي صاحبة فكرة «سوريا المفيدة»، لجعل سوريا غير المفيدة منطقة الصراع مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، حيث تقوم بحشد أهل السُنة في منطقة مستهدفة بوصفها تضم إرهابيين، وهذا ما يحدث في إدلب الآن حيث يقتلع أهل السُنة من بيوتهم وأراضيهم في حلب وريف دمشق ويتم تجميعهم في مخيمات في إدلب، ولا أحد يستبعد أن يتعرض كثير من هؤلاء لإبادة قادمة بذريعة مكافحة (فتح الشام). والنظام الإيراني وكذلك النظام السوري لا يخشيان من نفوذ «داعش» فالدلائل تشير إلى تنسيق وتفاهم منذ أن تم تسليم الرقة ثم الموصل ثم تدمر لتنظيم «داعش» دون عناء منه.

و قد تمكن النظام الإيراني عبر حزب الله اللبناني ومن خلال السنوات الفائتة من تهجير أكثر من عشرة ملايين من أهل السُنة، وبخاصة لمن اختاروا هجرة بعيدة، وقد عبر النظام السوري عن هذا الارتياح حين تحدث عما حدث من توازن سكاني (وهو يعني انخفاضاً ضخماً لحضور الأغلبية السكانية في سوريا على أمل أن تصبح أقلية)، ويدرك النظام أن احتمالات عودة المهاجرين تصبح أقل بعد مرور خمس سنوات على الهجرة، ولن يكون مهماً بقاء ملايين من المهجرين في الخيام في الأردن ولبنان وجنوبي تركيا، فقد بقي الفلسطينيون في الخيام عقوداً طويلة. لذا يُعد وجود حزب الله في سوريا، مسألة حيوية وليست تجميلية. وعبر حزب الله يسعى النظام الإيراني في الاستمرار بما بدأه على صعيد الفرز الديموغرافي وتسييج مناطق نفوذه بقوى مذهبية تشكل قاعدة سيطرته في سوريا، هذه المهمة لم تستكمل بعد، ويحتاج الى مزيد من الصراع العسكري وتطهير مناطق معينة تدخل في مشروعها داخل سورية. لذا يمكن للنظام الايراني بواسطة ذلك الحزب، إطاحة الاتفاق في وقت تراه مناسباً

فبممارساته العدوانية المُصر عليها لا يشكل النظام الإيراني جزءا ايجابياً في حل الصراع بسوريا بقدر ما يشكل جزء أساسي من معضلة الحل فيه، لأنه لديه مشروع عقائدي توسعي يهدف إلى نشره في سورية والمشرق العربي، فتصميمه على استمرار وجود حزب الله فيها يعني استمرار احتلال ايران لسورية. ولإفشال سعي النظام الإيراني إلى تخريب الحل في سورية فمن الضروي نزع ورقة الحرب ضد الإرهاب من يده، وتولي الجماعة الدولية شنّها، كي لا يتلاعب بها نظام الملالي، ويستخدموها لتفجير بلدان المنطقة العربية وتدميرها. ومن المحتم أيضا فك علاقات الارتباط الإرهابي بين نظامي الإيراني والسوري التي يتم تنسيقها على أعلى مستويات قيادتيهما السياسية والعسكرية، ولعبت دوراً مباشراً في إنتاج الوضع الكارثي العربي/ الإقليمي الراهن، واستخدمت جيشيهما ومرتزقة متعدّدي الجنسيات، يقتلون شعوب المشرق بدوافع مذهبية/ طائفية، ويهجرون أعداداً عائلات من بناتها وأبنائها ليستوطن إيرانيون قراهم ومدنهم، ويسكنوا في بيوتهم. بهذا الارتباط الذي يتخطّى السياسة إلى المجال العقدي، يصير من المحال نجاح أي جهدٍ يستهدف إخراج النظام الإيراني من سورية، أو إيقاف حربهما ضد سورية، وانضمامهما إلى حلٍّ سياسيٍّ يلبي مطالب السوريين، وينشر التهدئة في ربوع المنطقة، ويوقف مجازرهما المنظمة فيها التي دمرت شعبي العراق وسورية، بتخطيط (وقيادة) الملالي: الذين جنّدوا القتلة وسلحوهم وموّلوهم.

 مما تقدم يمكن القول ما لم تتمكن  روسيا من ضبط سلوك الحرس الثوري ومليشياتها العابرة للحدود كحزب الله اللبناني، فإن وقف إطلاق النار سوف يكون عرضة للانهيار حتمًا. وبينما يبدي الحرس الثوري تشددًا تجاه الأزمة السورية، ويدفع باتجاه حل عسكري، يرى الواقعيون في طهران، وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، ضرورة عدم الاصطدام بمساعي موسكو لحل الأزمة السورية، خاصة مع ازدياد الحاجة الإيرانية إلى روسيا مع اقتراب استلام إدارة دونالد ترامب الحكم في واشنطن والتوقعات بزيادة ضغوطها على إيران. ويبدو أن قرب تسلم ترامب الحكم هو من أدوات الضغط التي تمارسها روسيا على النظام الايراني.

وحدة الدراسات الايرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email