rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

أبعاد الاهتمام الصيني بشرق إفريقيا: الفرص والعقبات

لا شك في أن القارة السمراء تشهد خلال السنوات الأخيرة تنافسًا دوليًّا لافتًا حيث أصبحت ساحة جديدة للاستثمارات العالمية بعد أن كانت أكثر مناطق العالم تهميشًا واستبعادًا على طول مراحل العولمة المختلفة. ومنذ نهاية الحرب الباردة، وتدشين ما يُسمى بالنظام العالمي الجديد، عام 1991، عانت الدول الإفريقية مزيدًا من التهميش؛ حيث أصبحت غير مشاركة في الاقتصاد العالمي واتضح ذلك بجلاء من النمو الاقتصادي المتدني للقطاعات الإنتاجية، وزيادة عبء الديون الخارجية، وتدهور الظروف الاجتماعية والسياسية.

وفي هذه الورقة نحاول أن نفهم بعمق الاهتمام الصيني ذا الأوجه المتعددة اقتصاديًّا، وسياسيًّا، وأمنيًّا في إفريقيا عمومًا وفي شرقها خصوصًا، ومستقبل الاستثمار الصيني فيها في ظل تزايد التنافس الدولي من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا الذي كان ولا يزال يحاول ترسيخ جذوره في القارة.

1- الصين في إفريقيا: الدوافع

لعل زيارات المسؤولين الصينيين، التي أبرزها جولة رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، في إفريقيا التي اعتبرها المراقبون جولة ترسل رسائل عدَّة، منها: مدى النفوذ الصيني ودوره في المنطقة، تبرهن على الاهتمام الصيني بالقارة البكر، حيث ذكر خلال مؤتمر صحافي مع نظيره هيلامريم ديسالين رئيس وزراء إثيوبيا، أن “إثيوبيا هي المحطة الأولى؛ لأنه توجد صداقة عميقة بين بلدينا، وإثيوبيا دولة محورية في إفريقيا، وهي مقرُّ الاتحاد الإفريقي”(1).

ومن الطبيعي أن تسعى بيجين كقوة صاعدة إلى توسيع علاقاتها الدولية والإقليمية، وأن تعود لاكتشاف القارة السمراء من جديد وللبحث والتنقيب في أدغالها عن الذهب الأسود والموارد الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، فأراضي القارة، التي قال عنها أحد ملوك أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية: “تعالوا نتقاسم الكعكة الإفريقية”، لا تزال تختزن ثروات هائلة تحتاجها الصين وتُسيل لعاب شركاتها. ناهيك عن أن السوق الإفريقية الكبيرة التي لا تضع شروطًا بيئية وتقنية وتطلب أسعارًا رخيصة تشكِّل خيارًا مثاليًّا للمنتجات الصينية.

ولعل الدافع الأكبر الذي يدفع الصين إلى الارتحال إلى أدغال إفريقيا خصوصًا في شرقها هو الدافع الاقتصادي الذي بموجبه أصبحت بيجين شريكًا اقتصاديًّا ولاعبًا قويًّا من حيث الاستثمارات والمشاريع؛ حيث بدت الصين من خلال ما قدمته من نموذج جديد في التعامل مع دول القارة شريكًا مقبولًا لدى الحكومات الإفريقية؛ لأسباب، أهمها: كون الصين لا تحاول التدخل في الشؤون الداخلية للدول ولا تربط مساعداتها بشروط سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية.

ومن ناحية أخرى، فإن التعامل الصيني، الذي لا يرتبط نشاطه الاقتصادي بإجراءات صندوق النقد الدولي أو الدفع باتجاه الشروط السياسية وما يتعلق منها بضرورة التحول الديمقراطي ومكافحة الفساد أو قضايا حقوق الإنسان، وغير ذلك من القضايا التي تعدها كثير من تلك الدول تدخلًا مباشرًا في صميم شؤونها الداخلية، أمر يعتبره المراقبون نمطًا أكثر قبولًا عند كثير من الأنظمة الإفريقية.

ويمكن القول بأن الطلب المحلي الصيني الذي يتزايد بحدة على الطاقة، وفي نفس الوقت يترافق مع هبوط الإنتاج المحلي من البترول وعدم كفاية ما تنتجه الصين من الفحم، دفع بيجين إلى البحث عن مصادر خارجية مستقرة للمحروقات الهيدروكربونية. وأصبحت الصين في عام 2004 ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة. وتوقعت بعض الدراسات أن يزداد استهلاك الصين من النفط بنسبة 10 في المئة سنويًّا، وأن تزداد أيضًا واردات الصين من النفط والغاز من 33 في المئة حاليًّا من احتياجاتها الإجمالية من النفط والغاز إلى 60 في المئة في عام 2020(2).

وتشير التقديرات إلى أن 25 في المئة من واردات الصين الإجمالية من النفط تأتي حاليًّا من إفريقيا؛ مما حدا بالصين إلى أن تضع في أعلى سلم أولوياتها الاحتفاظ بعلاقات قوية مع مورِّدي الطاقة الإفريقيين لها، وذلك عبر الاستثمار، والزيارات التي يقوم بها كبار المسؤولين، والالتزام بسياسة “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” لتلك البلدان(3).

أبعاد الاهتمام الصيني بشرق إفريقيا

ما من شك في أن منطقة شرق إفريقيا وموقعها الجغرافي الاستراتيجي الواقع على طرق التجارة العالمية الذي يمتد من رأس مضيق باب المندب إلى الساحل الإفريقي يشكِّل دافعًا رئيسيًّا للصين، كونها جزءًا من خزان العالم الاستراتيجي من الموارد الطبيعية والثروات المعدنية.

ومن هذا المنطلق، تنظر الصين إلى إفريقيا نظرة خاصة، بما يحافظ على نموها الاقتصادي وصعودها الجيو/سياسي على المستويين خاصة في ظل مبادرتها “الحزام مع الطريق” كرؤية جديدة تطرحها الصين لدورها العالمي، إلا أن وجودها في شرق إفريقيا يثير الكثير من الاستفهامات حول توجهاتها المستقبلية.

وهذه الأبعاد يمكن أن تنقسم إلى أربعة:

1- اقتصاديًّا

تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا في السنوات الأخيرة، حسب إحصائيات البنك الدولي في عام 2014، إلى حوالي 222 مليار دولار، ومن المنتظر أن يناهز الـ400 مليار دولار بحلول عام 2020.

لكن ومنذ 2012، قدَّمت الصين قرابة 30 مليار دولار كقروض تفضيلية لعدد من البلدان الإفريقية، لدعم نمو المشاريع ذات الأولوية فيها، شملت مجالات متعدِّدة أبرزها البنى التحتية والزراعة، وبناء العمارات، ومشروعات للطاقة وغيرها. كما أنشأت بين عامي 2001 و2009، صندوق التنمية الصيني الإفريقي، بقيمة 605 مليارات دولار، وألغت ديون 35 بلدًا إفريقيًّا من بين الأكثر استدانة، تجاوزت قيمتها الجملية الـ3 مليارات دولار، وفقًا للمصدر نفسه.

تمتلك الصين حوالى 1043 مشروعًا في إفريقيا، ونحو ألفي وخمسمائة شركة كبيرة ومتوسطة ناشطة في أكثر من خمسين بلدًا ومنطقة، إضافة إلى أنها قامت ببناء 2233كم من الخطوط الحديدية و3530 كم من الطرقات، بينها خط حديدي بصدد الإنجاز في كينيا للربط بين بلدان شرق إفريقيا، تحديدًا أوغندا وكينيا، كما يُحسب للصين إسهامها في إدماج القارة السمراء في الاقتصاد العالمي(4).

وتراوحت المساعدة المقدمة من بناء البنى التحتية إلى معالجة الأمراض المعدية كالملاريا والإيدز. ومنذ ستينات القرن الماضي، عمل ما يربو على 1600 طبيب صيني في 47 دولة إفريقية قاموا بعلاج مئات المرض(5).

2- سياسيًّا

تنامي الدور الاقتصادي للصين واتساع رقعة مصالحها في المنطقة أدى إلى تنامي دورها السياسي وتعيين مبعوث صيني خاص للشؤون الإفريقية وانخراط بكين في قضايا القارة ونزاعاتها (كالتوسط في الأزمة السودانية بين الخرطوم وجوبا أو كالتوسط الحالي في أزمة جنوب السودان بين أطراف الصراع)، وكذلك انخراط الصين في قوات حفظ السلام الدولية المرابطة في مناطق النزاع والتوتر في دول القارة لتصل مساهمتها إلى نحو أربعة آلاف جندي، لتصبح أكبر دولة في العالم من حيث المساهمة بقوات حفظ السلام. علمًا بأن بكين كانت ترفض بل تعارض من حيث المبدأ فكرة القوات الدولية بمجملها وتعتبرها تدخلًا في الشؤون الداخلية للدول.

3- ثقافيًّا ودبلوماسيًّا

شاركت الصين في مجال التعليم والثقافة؛ حيث تمتلك فروعًا لمعهد “كونفوشيوس”، وهو عبارة عن مؤسسة ثقافية تتيح للأجانب إمكانية تعلُّم اللغة الصينية والاطِّلاع على ثقافة شعبها، ويعتبر من أبرز روافد “القوة الناعمة” الصينية، فيما لا يقل عن 22 بلدًا إفريقيًّا، بحسب وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، منها كينيا التي يوجد فيها هذا المعهد فضلًا عن برامج لتدريب ثلاثين ألف موظف إفريقي في مختلف المجالات، وتقديم نحو 18 ألف منحة دراسية مجانية للطلبة الأفارقة.

ويبدو أن بيجين وعت دور الثقافة في تعزيز العلاقات بين الشعوب والدول فلم تعد تكتفي باستقبال الكم الهائل من الطلبة الأفارقة في جامعاتها بل سعت خلال السنوات الأخيرة إليهم في عقر دارهم؛ حيث أطلق راديو الصين الدولي، الذي تشرف عليه الدولة، أول محطة إذاعية خارجية له في كينيا في شهر يناير/كانون الثاني 2006، لتقديم 19 ساعة من البرامج اليومية لمليوني كيني؛ حيث يقدِّم لهم الأخبار الرئيسية عن الصين والعالم، بما فيها ما يتم من مبادلات بين الصين والبلدان الإفريقية(6).

هذا بالإضافة إلى العمال والخبراء الصينيين الذين قاموا بتدريب نحو 30 ألف فرد من الدول الإفريقية في مختلف المجالات. وتبني الصين رؤيتها على أساس أن “الغزو الثقافي” هو البديل المضمون ليرى الأفارقة الوجه الحقيقي للصين صاحبة الحضارة العريقة.

4- أمنيًّا

التواجد العسكري الصيني في جيبوتي مؤشر إلى أمور أهمها الملف الأمني؛ حيث تسعي بكين من خلال قاعدتها العسكرية الجديدة إلى تأمين طريق الحرير وسفنها التجارية من القراصنة. ووفقًا لورقة السياسة الدفاعية للصين التي صدرت في مايو/أيار عام 2015، فإن القوات المسلحة ستعمل على خلق وضع استراتيجي ملائم مع التركيز على استخدام القوات والوسائل العسكرية. وتتوافق هذه الصيغة مع مبادرتي الصين “سلسلة اللؤلؤ” و”حزام واحد، طريق واحد”.

تهدف مبادرة “سلسلة اللؤلؤ” إلى إنشاء خط من الموانئ البحرية بطول المحيط الهندي لتأمين الممرات البحرية التي عادة ما تمر بها السفن التجارية للصين. وتهدف مبادرة “حزام واحد، طريق واحد” إلى إنشاء شبكة طرق برية وبحرية تجارية تربط الصين مع الشرق الأوسط وأوروبا.

وحسب ما يراه المراقبون، فإن قاعدة الصين في جيبوتي ستساعد على تحقيق الهدف الأخير حيث تمر صادرات صينية يوميًّا من خليج عدن وقناة السويس إلى أوروبا تبلغ قيمتها مليار دولار(7).

الاستثمار الصيني في دول بشرق إفريقيا

1- كينيا

تنفذ بيجين مشاريع كثيرة في كينيا، منها: شبكة السكك الحديدة التي تربط بين ممباسا الساحل والعاصمة نيروبي، إضافة إلى تشييد الطرق، ولعل طريق (ثيكا) السريع الذي شيدته شركة صينية، وهو طريق يربط بين العاصمة نيروبي ومناطق الشرق بتكلفة تبلغ 6.10 مليارات شلن كيني، أفضل دليل على ذلك. أما الأبنية والمنازل التي تشيدها الشركات الصينية في كينيا فهي ظاهرة كثرت في الآونة الأخيرة حتى إنك تجد أثناء تجوالك في العاصمة نيروبي أبنية تناطح السحاب كُتب عليها (بيت الصين) china house أضف إلى ذلك العقود التجارية.

على أن مؤسسة )جيانغ شي( للتعاون الفني والاقتصادي المملوكة للدولة الصينية ستقدم الجزء الأكبر من تكاليف إقامة محطة الطاقة الشمسية في منطقة غاريسا شمال شرق كينيا، والتي تبلغ 140 مليون دولار حيث ذكرت المؤسسة -التي تتولى تنسيق الصفقة- أن المشروع سيمثِّل قاعدة لنمو كبار منتجي ألواح الطاقة الشمسية الصينيين في إفريقيا.

ويمكن القول: إن بيجين تحولت من علاقات الصداقة الثنائية إلى قوة دافعة للتنمية المشتركة والعمل مع كينيا لتحويل إمكاناتها من الموارد البشرية والطبيعية إلى قوة اقتصادية. 

2- أوغندا

كشفت وثيقة حكومية أن الصين قدمت ائتمانًا بقيمة 500 مليون دولار لأوغندا، لمساعدتها على بناء سدٍّ كبير لتوليد الكهرباء على نهر النيل في منطقة كاروما، لتعيد إحياء المشروع الذي تبلغ تكلفته ملياري دولار، والذي توقف عدة سنوات بسبب نقص التمويل.

يضاف إلى ذلك، مشروع تدريب أكثر من عشرة آلاف مزارع في أوغندا، وهو مشروع يعمل على تشجيع نقل استخدام تقنيات صينية بسيطة إلى أوغندا، وتدريب المزارعين في البلاد على مفاهيم القيمة المضافة التي تعمل على زيادة دخل ربات البيوت والأسر وخلق المزيد من فرص العمل. وأيضًا المشروع التجريبي الرائد الذي انطلق خلال الفترة من 2012 إلى 2014 غطَّى أكثر من 40 منطقة ومقاطعة في أوغندا(8).

3- إثيوبيا

أما في إثيوبيا، فتقدم الصين مساعدات خارجية كبيرة، مرتبطة في الأغلب بمشاريع البنية التحتية التي تقوم بها الشركات الصينية، إضافة إلى تمويل سد النهضة، وتتزايد الاستثمارات الصينية في القطاع الإثيوبي مع استيراد السلع الاستهلاكية الرخيصة من الصين كما تزايد صادرات إثيوبيا للصين أيضًا. وتولي الصين لإثيوبيا أهمية كبرى، إذ تعتبرها في المقام الأول كمصدر رئيسي لتصدير منتجاتها بما في ذلك النفط والغذاء، ولأن الصادرات الصينية تتوسع مع استمرار النمو الاقتصادي السريع لإثيوبيا. وكل هذه أمور من شأنها أن تعمِّق علاقات إثيوبيا مع بيجين التي تهتم بتعزيز الاستثمارات داخلها. وهناك مشروع للسكك الحديدية تنفذه شركة صينية حيث يربط هذا الخط الجديد بين العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، وميناء جيبوتي، ويمتد على مسافة تزيد عن 750 كم، بتكلفة 3.4 مليارات دولار.

وفي جيبوتي موَّلت الصين عددًا من المشاريع العامة، وبهذا الخصوص منذ اليوم الأول لتدشين منتدى التعاون الصيني الإفريقي عام 2000، قدَّمت بكين 16.6 مليون دولار لتمويل المشروعات التنموية في جيبوتي. ووفقًا لموقع (AidData) المعني بالتنمية الاقتصادية المتبادلة بين الصين والقارة الإفريقية، قدمت بيجين مساعدات غذائية بقيمة 1.75 مليون دولار خلال الجفاف الذي ضرب جيبوتي عام 2005(9).

القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي وصداع أميركي بشأنها

تعد جيبوتي درة تاج القرن الإفريقي، ومضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، وأكثرها احتضانًا لحركة السفن، كما يعتبر حلقة الوصل الاستراتيجية بين قناة السويس ومضيق هرمز، الذي يمر من خلاله أكثر من 40% من تجارة النفط العالمية، بحسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وهو أمر يجعل جيبوتي محط أنظار القوى الدولية الكبرى، نظرًا لموقعها الجيوستراتيجي الفريد.

الدوافع وسبب اختيار المكان

قبل أن نتناول الموقف الأميركي من القاعدة الصينية الجديدة في جيبوتي، نحاول فهم الدوافع الرئيسية للصين في إنشاء قاعدة لها على أرض جيبوتي التي تكتظ بقواعد عسكرية من قبل دول عالمية. ولعل القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، وهي أول قاعدة لها خارج الصين، تبرز أنها لاعب دولي لا يمكن الاستهانة بشأنها.

تساءلت دراسات كثيرة عن سبب اختيار المكان وهي خطوة تثير اهتمام صحف ومجلات عالمية، أهمها: “وول ستريت جورنال” الأميركية، و”ذا ديبلومات “(The Diplomat) اليابانية، المختصة بالشؤون الآسيوية، وغيرها، حيث تساءلت بشكل أساسي عن خلفيات اختيار الموقع والتوقيت، لإنشاء أولى قواعد الصين العسكرية في الخارج. ويمكن رصد دوافع رئيسية وراء قرار بيجين بإنشاء قاعدة لها في جيبوتي:

أولًا: استراتيجية المكان

يمر بمضيق باب المندب 20% من حجم التجارة العالمية، وللصين النصيب الأكبر منها، إضافةً إلى أن 50% من واردات النفط إلى الصين تصلها من المملكة العربية السعودية والعراق وجنوب السودان، ما يجعل للممر أهمية استراتيجية مضاعفة بالنسبة لبكين.

على الرغم من أن الصين تصف قاعدتها في جيبوتي بأنها منشأة لوجيستية، إلا أن جيبوتي تشير في عدة تقارير صادرة من مسؤولين جيبوتيين إلى أنها “قاعدة عسكرية”(10).

إنشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي بحجة حماية المضيق الاستراتيجي وطرق التجارة وحماية سفنها من القراصنة حسبما أشارت وكالات صينية، أمر قد سبقها كلٌّ من فرنسا والولايات المتحدة واليابان إليه، في بلد تُقدَّر مساحته بـ23.000 كيلومتر مربع فقط. وعلى الرغم من أن جيبوتي المحمية الفرنسية سابقًا تحاول اللعب على كافة الأطراف بما يخدم مصالحها، غير أنها في نفس الوقت تلعب بالنار؛ حيث إن ازدحام هذه القواعد العسكرية فيها أمر من شأنه أن يورِّط جيبوتي ويفتح أمامها خيارات صعبة تجبرها أن تنحاز أخيرًا إلى أصدقائها التقليديين، وتُميت العلاقة الجديدة بينها وبين التنين الصيني في المهد صبية، أو تكون في خندق الصين صاحبة الاستثمارات الضخمة في المنطقة.

ثانيًا: تنافس للقوى الكبرى

لم تتوقف الصين عند تحدي الولايات المتحدة في بحري الصين الشرق والجنوبي؛ حيث أعلنت عن استراتيجية بعيدة المدى لمزاحمة واشنطن وموسكو في مجال الفضاء، علاوة على سعيها للعب أدوار مهمة في ملفات دولية.

ولم يخلُ اختيار بكين لموقع قاعدتها العسكرية في جيبوتي من ذلك التحدي، علاوة على وجود مركز تدريب لليابان، الغريم التقليدي للصين. وقد أثار قرب موقع القاعدة الصينية من القاعدة الأميركية في جيبوتي، الأكبر في إفريقيا، حفيظة أوساط أميركية، حيث لا تتجاوز المسافة بين الموقعين 8 أميال (12.8 كيلومترًا((11). ويتزامن هذا مع عهد جديد لأميركا برئيسها المثير للجدل، دونالد ترامب، الذي أدلى بتصريحات أقلقت بكين بأن سياسة الصين الواحدة لا يمكن المتاجرة بها(12). وبالطبع، فإن كيفية تعاطي الولايات المتحدة مع الخطوة الصينية الجديدة بخصوص القاعدة التي تنتهي أعمالها في عام 2017 مع أبعادها وخلفياتها، وما سيتلوها من خطوات أمر يكتنفه الغموض.

ثالثًا: المصالح الاقتصادية

منح الاستثمار الكبير للصين في المنطقة المفتاح لدخول جيبوتي من بوابة الاقتصاد، قبل الإقدام على خطوة إنشاء القاعدة العسكرية، حيث اتفق الجانبان عام 2014 على استثمار الصين 590 مليون دولار في إنشاء ميناء في جيبوتي، إلا أنها بحسب الـ”وول ستريت جورنال”، كانت تعمل على ذلك منذ عام 2010، عندما أقرت عددًا من المشاريع الكبيرة، من بينها مشاريع لربط جيبوتي بإثيوبيا، التي توليها بكين اهتمامًا كبيرًا، بسكك حديدية وأنابيب ماء وغاز طبيعي(13).

الموقف الأميركي من القاعدة الصينية في جيبوتي

خطوة إنشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي أمر من الطبيعي أن يثير هواجس واستياء لدى الولايات المتحدة وفرنسا؛ وذلك بسبب ما قد يثيره الوجود العسكري الصيني في القرن الإفريقي من احتمالية تعارض مع المصالح الأميركية تحديدًا، والغربية بصفة عامة. وتشير بعض الدراسات إلى أن إسماعيل عمر جيله، رئيس جمهورية جيبوتي الحالي، أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية في شهر مايو/أيار 2016 تلقى رسائل أميركية واضحة متحفظة بخصوص فتح أبواب جيبوتي أمام وجود عسكري صيني دون دراسة متأنية للأمر أو تشاور مع حلفاء جيبوتي التقليديين(14).

ومن هذا المنطلق تتزايد مخاوف أميركا من أن يؤثِّر وجود القاعدة الصينية في جيبوتي سلبًا على مصالحها في هذا البلد ذي المساحة الصغيرة، خصوصًا على قاعدة ليمونييه العسكرية التي تنطلق منها العمليات السرية ضد تنظيم القاعدة في الصومال واليمن، وأشار مسؤولون أميركيون إلى وجود قلق أميركي من أن تفرض الحكومة الجيبوتية قيودًا على وصول الجنود الأميركيين إلى القاعدة وعلى حركة الأفراد العسكريين داخلها بالإضافة إلى تقييد العمليات العسكرية التي تقوم بها القاعدة العسكرية.

ولكن هل تكون لعبة المصالح بين الصين والولايات المتحدة في منطقة جيبوتي معركة صفرية؟ في الحقيقة، إن تطلعات الصين غالبًا لا تتعارض مع المصالح الأميركية، بل على العكس من ذلك، فهما في كثير من الأحيان يستفيدان معًا. ولكن على الجانب الآخر، فإنَّ السياسات الجديدة للصين تجاه شرق إفريقيا تثير قلق الكثيرين.

ومع تلك التوجهات العسكرية الأخيرة، يحتمل أن تكون قاعدة الصين في جيبوتي خطوة لكي تتعادل على الأقل أو تتفوق على الولايات المتحدة عسكريًّا في المنطقة؛ حيث تخطِّط الصين لتسكين 10 آلاف صيني بقاعدتها الجديدة في جيبوتي.

نظرة إلى المستقبل حول الوجود الصيني في شرق إفريقيا

ما من شك في أن تعاظم الحضور الصيني في القارة السمراء سيكون له آثار وتداعيات توفر فرصًا من جهة وتفرض عقبات من جهة أخرى، وتتمثل في:

الفرص

يبدو أن الصين أمامها فرص عديدة تعزِّز وجودها في القارة، منها:

  1. أن إفريقيا أصبحت سوقًا واعدة للمنتجات والسلع الصينية.
  2. المشاريع الكثيرة التي أنجزتها شركات صينية من تشييد الطرق، وبناء السكك الحديدية، والزراعة، إضافة إلى تدريب أعداد هائلة من موظفي دول القارة الإفريقية في مختلف المجالات.
  3. تخفيف الديون عن بعض الدول الإفريقية.

هذه النقاط وغيرها من شأنها أن تعزِّز الوجود الصيني في المنطقة، وتضمن لها أيضًا مزيدًا من الكسب والثقة داخل دول القارة في شأن مستقبل تواجدها، لكن في نفس الوقت فإن مسار هذه التجربة لن يكون بالطبع مفروشًا بالورود؛ حيث برزت تحديات جديدة تتلخص في:

أولًا: الانتقادات الكثيرة من الغرب: وتتناول النفوذ الصيني المتنامي في القارة، ودوره الاستثماري، وأيضًا نشر الثقافة الصينية فيها من خلال افتتاح المعاهد التي تُدرَّس فيها اللغة الصينية، والوجود العسكري الصيني الجديد في جيبوتي. ولئن أصبح التنين الصيني، صاحب الاستثمارات الضخمة والمشاريع الكثيرة في إفريقيا، الشريكَ الاقتصادي الأكبر للأفارقة فإن الاتهامات الغربية للصين تزداد يومًا بعد يوم؛ حيث تذكر دراسات غربية أن الصين تحاول إقامة إمبراطورية جديدة في إفريقيا عبر الاقتصاد والتجارة؛ حيث أطلقوا عليها مستعمرة جديدة في إفريقيا.

ثانيًا: عدم الاستقرار الذي ينشأ لبعض دول شرق إفريقيا التي فيها استثمارات كبيرة للصين، ولعل إثيوبيا خير دليل على ذلك، فمن المعلوم أن إثيوبيا عاشت في الأشهر الأخيرة أحداثًا دامية وفوضى عارمة هزَّت النظام الإثيوبي، وهذا الأمر لو تكرر من شأنه أن يعوق المشاريع والشركات الصينية فيها. خصوصًا أن عمليات اختطاف الرعايا والمواطنين الصينيين أو مهاجمة المصالح والمواقع والمنشآت الصينية تكررت في بعض بؤر التوتر كان أخطرها في إقليم أوغادين عام 2002 عندما سقط 9 صينيين قتلى وتم اختطاف مجموعة أخرى تم إطلاق سراحهم لاحقًا، وحادثة أخرى مماثلة في كردفان عام 2007، وحادثة ثالثة في أكتوبر/تشرين الأول 2007 اختُطف فيها 9 صينيين سقط 4 منهم قتلى.

علاوة على ذلك، فإن احتجاجات عنيفة وحالات موت وقعت في منجم نحاس يملكه صينيون في تشامبيسي في زامبيا. وفي فبراير/شباط 2007، قام أحد المهاجمين بغارة على مصنع لصناعة الحجارة في كينيا وقتل عاملًا صينيًّا في إبريل/نيسان 2007(15).

وإن كان للوجود الصيني في إفريقيا سمات ودلالات اقتصادية خلال الفترة الماضية، فإن الفترة المقبلة ستشهد توظيفًا سياسيًّا للصين في مشروعها كقوة دولية قادمة في مواجهة القوى القائمة. وتهدف إلى تأسيس بُعد صيني عالمي مؤثِّر في مسار السياسة والاقتصاد العالميين.

وبالطبع، مستقبل التواجد الصيني في إفريقيا عمومًا يجمع بين الربح والخسارة في آن واحد، خصوصًا أنه يأخذ أبعادًا استراتيجية بعد القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي التي أغاظت دول الغرب. لكن المعطيات تشير إلى مزيد من التطور للصين في مجال الاقتصاد والاستثمار.

مراجع

1 – جريدة الحياة، “رئيس وزراء الصين يبدأ جولة إفريقية”، مايو/أيار 2014، (تاريخ الدخول: 13 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.alhayat.com/Articles/2151734/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9

2 – “الصين تتقدم على الولايات المتحدة وتصبح أكبر مستورد في العالم”، جريدة النهار، 11 مايو/أيار 2015 (تاريخ الدخول: 13 من ديسمبر كانون الأول 2016):

http://www.annahar.com/article/235764-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%AF

3 – بيتر بروكس، وجي هاي شين: “النفوذ الصيني في إفريقيا تهديد كبير لمصالح واشنطن”، 28 ديسمبر/كانون الأول  2006. (تاريخ الدخول: 15 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.siironline.org/alabwab/derasat(01)/349.htm

4 – “الصين في إفريقيا: من التوسع الاقتصادي إلى النفوذ السياسي”، صحفية الرقراق الإلكترونية، 31 يوليو/تموز 2015، (تاريخ الدخول: 15 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://alragrag.blogspot.co.ke/search?updated-max=2015-07-31T03:09:00%2B03:00&max-results=7&start=665&by-date=false

5 – “النفوذ الصيني في إفريقيا..تهديد كبير لمصالح واشنطن”، مرجع سابق.

6 – “الصين تغزو إفريقيا اقتصاديًّا”، موقع الخليج أونلاين، 11 من نوفمبر/تشرين الثاني، (تاريخ الدخول: 18 من ديسمبر/ كانون الأول 2016):

http://alkhaleejonline.net/articles/1432365433392009500/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%BA%D8%B2%D9%88-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A7/

7 – الخليج الجديد، “لماذا تبني كل من الصين والسعودية قواعد في جيبوت”ي، 28 سبتمبر/أيلول 2016، (تاريخ الدخول: 20 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://thenewkhalij.org/ar/node/47119

8 – “الصين تدرِّب أكثر من 10 آلاف مزارع في أوغندا”، بوابة الأهرام الزراعي، 27 يونيو/حزيران 2016، (تاريخ الدخول: 22 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://agri.ahram.org.eg/NewsContent/9/%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%C2%BB-%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86/34095.aspx

9 – “الصين في القرن الإفريقي: نفوذ متصاعد”، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2014، (تاريخ الدخول: 22 من ديسمبر/ كانون الأول 2016):

http://www.skynewsarabia.com/web/article/697244/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D9%85%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF

10– معتز بالله محمد، “دراسة إسرائيلية: لهذه الأسباب تقيم الصين قاعدة في جيبوتي”، 10 فبراير/شباط 2016 (تاريخ الدخول: 19 ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.masralarabia.com/%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A%D8%A9/921588-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%8A%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A

11– “لماذا تبني الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي؟”، 26 سبتمبر/أيلول 2016، (تاريخ الدخول: 23 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://aa.com.tr/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D9%8A%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A-/653025

12 – “بكين قلقة للغاية من تصريحات دونالد ترامب بشأن الصين الواحدة”، موقع البي بي سي، 12 ديسمبر/كانون الأول 2016، (تاريخ الدخول: 22 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.bbc.com/arabic/world-38284988

13 – “لماذا تبني الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي؟”، مرجع سابق.

14 – “كل الطرق الصينية تمر من جيبوتي”، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2014، (تاريخ الدخول: 23 من ديسمبر/ كانون الأول 2016):

http://www.mc-doualiya.com/articles/20141021

15 – الشيخ باي الحبيب، :الاستثمارات الصينية بإفريقيا: كيف نجحت الصين في كسب القارة الإفريقية؟:، 1 مايو/أيار 2014، (تاريخ الدخول: 23 من ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2014/04/2014429114833298916.html

كمال الدين شيخ محمد عرب

مركز الجزيرة للدراسات

Print Friendly