كُتب: الهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط

كُتب: الهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط

69

في يونيو/حزيران 2009 امتلأت الشوارع في جميع المدن الإيرانية بالمحتجين على نتائج الانتخابات الرئاسية، وتطور الأمر إلى ما عُرف بالحركة الخضراء التي شكلت أخطر تحدٍّ للنظام الإيراني في تاريخه، وقمعت بمنتهى القوة فسقط الكثير من الضحايا. بعدها بثمانية عشر شهرا أشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه ليطلق ربيعا عربيا بدأ في تونس وأطاح بزين العابدين بن علي، ثم تبعتها مصر فأطاحت بالعجوز القوي حسني مبارك، وفي نفس الشهر انطلقت المظاهرات في عدد من العواصم والمدن العربية احتجاجا على الحكومات، ووفي ليبيا أطاحت المظاهرات بأطول الدكتاتوريات العربية حكما، وفي اليمن كذلك.
بعد أكثر من خمس سنوات على بدء الربيع العربي؛ ظهر كشف حساب سلبا وإيجابا لما حدث، وبان أن الأمر شكّل استثناء تاريخياً في المنطقة، لكنه الثورة -فيما عدا تونس- لم تحقق شيئا من التغيير المجتمعي والسياسي الذي كان يأمله الثائرون.

في عشرة فصول يناقش المؤلفان الرئيسيان لكتاب “الهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط” شابانام هوليداي وفيليب ليتش ومعهما باحثون مختلفون؛ أمثلة محددة من الهويات السياسية ذات البناء الاجتماعي في دراسات حالات لإيران وكردستان العراق وفلسطين وإسرائيل واليمن ومصر وتونس وسوريا؛ في ضوء السياق التاريخي للأحداث.

وذلك لمحاولة توفير مزيد من الفهم للشرق الأوسط، ولتوضيح مدى تعقيد الهويات في سياق الانتفاضات والأحداث التي جرت في العالم العربي وغير العربي في المنطقة.

إيران وكردستان
في الفصل الثاني يناقش الكتاب الهويات غير المتجانسة في انتفاضات إيران ما بين 2009-2010 في أعقاب إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد. فوسط اتهامات بتزوير الانتخابات شهدت إيران أكبر مظاهرات عرفتها منذ ثورة 1979.

وكان الشعار الاحتجاجي الأساسي هو “أين صوتي”، تعبيرا عن الرغبة في التغيير السياسي بالتصويت لمرشحي الرئاسة مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحسن رضائي؛ فرارا من حكم الملالي.

كانت الانتفاضات الشعبية تحمل هوية سياسية جديدة تمثل الاتجاه نحو تفضيل الممارسة الديمقراطية والأسلوب العلماني بعيدا عن نظام الجمهورية الإسلامية الديني الحاكم.

ولم تقتصر الانتفاضات على عام الانتخابات فقط 2009 بل تواصلت إلى 2010، وأطلق عليها من جانب الذين شاركوا فيها أو أيدوها “الحركة الخضراء”، ووُصفت بالمروعة، خصوصا بعد احتجاج عاشوراء يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2009 حيث استهدِف النشطاء وقمعوا بالعنف المفرط.

“ربيع السليمانية: احتجاج الكرد والهويات السياسية” كان عنوان دراسة حالة أكراد العراق في الفصل الثالث، فبعد مقتل اثنين من المتظاهرين الشباب على أيدي قوات الأمن انكشفت حقيقة ديمقراطية النظام المزعومة، بالرغم من تصريح رئيس إقليم كردستان بأن أيدي الكرد لن تتلطخ بدماء الكرد!

يقول المؤلف: إن ما حدث في 17 فبراير/شباط 2011 أظهر أن تلك كانت مجرد شعارات جوفاء، فمسعود البارزاني كان يعتبر أن الكرد هم فقط من يدعمونه شخصيا ويعبدون حزبه. لذلك اندلعت احتجاجات السليمانية التي سعى النشطاء الذين شاركوا فيها لبناء هوية سياسية كردية موحدة بديلة، والذين تمنوا أن تنتج لهم عملية ديمقراطية شفافة وقائمة على توافق الآراء السياسية، في إطار حكومة الإقليم.

فلسطين المحتلة
“متى تقوم ثورة فلسطين؟” سؤال يطرحه فيليب ليتش في الفصل الرابع؛ مشيراً أيضاً إلى أن مصطلحات مثل “الربيع” و”الانتفاضة” و”الثورة” لا توفر إطارا مفيدا لتحليل التطورات السياسية في فلسطين، لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك احتجاجات شعبية؛ بل حدثت 59 تظاهرة شعبية في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال 2011-2012، ولكن السياق والتأثير هنا مختلف عن أماكن أخرى -وخاصة مصر وتونس- من حيث الأداء واللغة.

“في عشرة فصول يناقش المؤلفان الرئيسيان لكتاب “الهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط” شابانام هوليداي وفيليب ليتش ومعهما باحثون مختلفون؛ أمثلة محددة من الهويات السياسية ذات البناء الاجتماعي في دراسات حالات لإيران وكردستان العراق وفلسطين وإسرائيل واليمن ومصر وتونس وسوريا”

مظاهرات فلسطين كانت تعبيرا عن الاحتقان الشعبي ضد أوجه القصور في أداء السلطة الفلسطينية، وفي سياق الاحتلال الإسرائيلي الطويل. ولكنها لم تشكل تهديدا حقيقيا للسلطة الفلسطينية التي يعتبرونها حكومة أمر واقع، وليست في موقع مقارنة مع حكومات مصر وتونس واليمن.

ومع ذلك كشفت هذه المظاهرات عن أعمق نقاط الضعف والاحباط والانفصال في العلاقة بين عامة السكان والهيكل الإداري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أن الإصلاحات الليبرالية التي أجبِرت عليها السلطة جاءت تنفيذا لرغبات المانحين الدوليين، وليس استجابة للشعب الفلسطيني الذي ليس له مكان على جدول أعمال السلطة.

كذلك لم تغب إسرائيل عن آثار الربيع العربي، ففي الفصل الخامس تتحدث جويليا دانيلي عن موجات الاحتجاجات الشعبية ذات الهويات غير المتجانسة في دولة الاحتلال. وكانت الموجة الأولى في صيف عام 2011 ثم تلتها أخرى متواضعة في صيف 2012، ويعتبرها المؤلفون ذات علاقة نسبية بالربيع العربي وأثرا للأزمات الاقتصادية العالمية، وكشفا لصعود مبادرات تكافح هيمنة الحكومة الصهيونية، ومحاولة لتحدي الوضع الراهن، وإثباتا لهوية مخالفة للحكومة التي تمثل التشدد الديني الصهيوني.

سوريا واليمن
سورياً؛ طرح الباحث لورينزو ترومبيتا ورقته تحت عنوان “من القومية البعثية إلى هوية سورية جديدة وكيف يُعرف المجتمع المدني السوري الناشئ نفسه”، حيث قدم دراسة حالة ربيع سوريا الذي أصبح خريفا قاتما وشتاءً قاسيا، قـُتل فيه مئات الألوف وأصبح الملايين بين مشرد ومفقود.

يبدأ لورينزو من قبل 2011 ويتتبع نمو التيار السياسي المعارض في الخارج لبشار منذ بداية توليه الحكم عام 2000، وتطور الحركات الشعبية والمبادرات المدنية بعد بدء الربيع العربي في تونس ومصر.

فبالرغم من افتراض البعض أن النشاط المدني السوري المناهض للنظام بدأ فقط في 2011، وأنه كان يفتقر إلى الخبرة السياسية والحركية نتيجة للقيود التي وضعها النظام الاستبدادي في سوريا لمدة نصف قرن؛ فإن لورينزو يؤكد أن العلاقة بين السلطة المركزية في الدولة والنشاط المدني تعود إلى أوائل القرن العشرين.

على سطح هذا المشهد المتشظي للمجتمع المدني السوري، يقول المؤلف: إن هناك أفراداً وجماعات يمكنهم لعب دور هام في بناء ما تهدم من الهوية السورية بسبب الانتهاكات الأيديولوجية والطائفية والسياسية القائمة حتى الآن، وهؤلاء الناشطون يتبنون اقتراحا بالتوفيق بين الشمولية والتفرد في تشكيل هوية سورية معاصرة.

أما يمنياً؛ فقد كانت الانتفاضة المستوحاة من الربيع العربي قدمت نموذجا للتضامن السياسي وضبط النفس من جانب الإعلام والمجتمع المدني على حد سواء، وكانت هذه هي الرواية المشتركة بين المجموعات التي خرجت على علي عبد الله صالح بعد حكم دام 32 عاما، “تظاهر الإسلاميون السنة بجوار الزيدية والشيعة الحوثيين والاشتراكيين والناصريين والطلاب والنساء والمستقلين، كانت صورة من التعددية المتناغمة”.

لكن كل ذلك كان سرابا خادعا ووهميا كما يقول المؤلف فيرناندو كارفاجال، فشعار “الشعب يريد إسقاط النظام” كان قناعا يغلف منافسات عنيفة بين الأطراف، ويخفي تحته الهويات السياسية المترسخة، والمصالح المتنوعة المتنافسة بين المشاركين في الاحتجاجات. كان كل الفاعلين يهدفون لتحقيق مآربهم الخاصة، وفيما عدا الشباب المستقلين فإن كل فريق كان يعد نفسه بديلاً شرعياً يخلف نظام عبد الله صالح.

محاولة التقريب بين الهويات السياسية المجتمعة في ساحة التغيير بصنعاء كانت أكثر تعقيدا بكثير من الشعارات المتداولة أمام وسائل الإعلام. حتى صالح نفسه استغل ضعف الروابط بين المحتجين ليتنبأ بحدوث الصراع السياسي الذي بالفعل اندلع بعد وقت قصير من تنحيه عن السلطة. يقول المؤلف: إن صالح استغل الانشقاقات السياسية بين تلك الأطراف لخدمة بقائه السياسي حتى الآن.

مصر وتونس
أما الثمانية عشر يوما من الاحتجاجات الجماهيرية -بدءا من 25 يناير/كانون الثاني 2011- في مصر صاحبة الوزن الثقيل إقليميا، فقد نشطت فيها سياسات الشارع الشعبية عبر الشرق الوسط والعالم. عشرات الآلاف من طيف ثري الألوان يحتلون ميدان التحرير يمثلون عامة طوائف الشعب، مشهد أصبح قلب وروح الانتفاضات في مختلف أنحاء العالم.

“أخذت الانتفاضة المصرية العالم على حين غرة، وهدمت النموذج البحثي القائم على أن سكان المنطقة مؤطرون ككائنات سلبية مستسلمة للدين والتقاليد والاستبداد. تعرض المشاركون في الثورة لشكل جديد من العيش والتفكير والتعبير عن النفس، فشكلوا هوية ذاتية جديدة غيرت بشكل دائم هويتهم القديمة”

هكذا يصف الباحث بريتش دي سميت ثورة يناير، مؤكدا أن ميدان التحرير كان يمثل قلبا جغرافياً وسياسياً ورمزا للتمركز لمصر كلها، حيث تحيط به المباني الحيوية لنظام الدولة من برلمان ووزارات.

أخذت الانتفاضة المصرية العالم على حين غرة، وهدمت النموذج البحثي القائم على أن سكان المنطقة مؤطرون ككائنات سلبية مستسلمة للدين والتقاليد والاستبداد. تعرض المشاركون في الثورة لشكل جديد من العيش والتفكير والتعبير عن النفس، فشكلوا هوية ذاتية جديدة غيرت بشكل دائم هويتهم القديمة، لم يصنع الثوريون الثورة ولكن الثورة هي التي صنعت جموع الثائرين. ما حدث في 25 يناير يؤكد أن الهوية الشعبية تبقى أمرا غامضا.

الفصل التاسع كان عنوانه “الانتفاضة التونسية: النهضة وإحياء الهوية العربية الإسلامية”، وعالج كيف كانت المناقشات التي تحركها مسألة الهوية قد سيطرت على السياسة التونسية في الأشهر التالية لانتفاضة 2011، ومع أن الهدف بدا وكأنه تكتيكي فإن الواقع هو أن الأمر كان إحياءً لسباق سياسي.

فالهوية -التي تصفها حركة النهضة بـ”الأصالة الثقافية”- كانت هدفها سياسياً اقتصادياً بالدرجة الأولى. وكانت عملية إحياء التعريف العربي الإسلامي بمثابة لثام يغطي الانقسامات الداخلية في الحركة، والنضال الدائر داخلها من أجل تحديد رؤية سياسية جديدة.

ماذا يمكن للمرجعية الإسلامية تقديمه من حلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي قادت إلى انتفاضة تونس؟ وكيف يمكن لحركة النهضة انتشال نفسها من الإخفاق الأيديولوجي الحالي؟ كانت هذه التساؤلات والبحث عن الأرضيات المشتركة بين الحركة والشركاء في تونس هي بداية البحث عن الأجوبة الصحيحة. وهو ما جعل تونس تنجو من مصير باقي دول الربيع العربي وغير العربي.

المؤلف: شابانام هوليداي وفيليب ليتش، وآخرون
عرض: أمل عيسى
الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email