rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

إيمانويل ماكرون.. الحصان الأسود في السباق الرئاسي الفرنسي


باريس – أفضت نتائج الانتخابات الأولية داخل معسكر اليسار الفرنسي الأحد الماضي إلى مفاجآت قد لا تتوقف في مسار السباق نحو قصر الإليزيه في فرنسا حيث أزاحت صناديق الاقتراع أسماء كانت متوقعة، لتضع وزير التعليم السابق بنوا أمون في المقدمة، بما يجعله منافساً شرساً لمانويل فالس رئيس الحكومة السابق في الانتخابات الحاسمة التي تجري الأحد المقبل والتي ستحدد اسم من سيمثل الحزب الاشتراكي (وليس اليسار) في الانتخابات الرئاسية.

المفاجآت لن تتوقف منذ أن أفضت الانتخابات التمهيدية لمعسكر اليمين إلى فوز رئيس الحكومة الأسبق فرنسوا فيون مقصيا أسماء كبرى، منها نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق.

وإذا حملت انتخابات الأحد المقبل مفاجأة فوز أمون على فالس، فإن ذلك لن يكبح جماح ظاهرة أخرى، من قلب اليسار نفسه، تتمثل في صعود نجم وزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون الذي قدّم ترشيحاً مستقلا لا يخضع للانتخابات التمهيدية.

وتصب مياه انتخابات الأحدين، السابق والمقبل، في طاحونة ماكرون، ذلك أن الصراع داخل الحزب الاشتراكي أفضى إلى انقسام عمودي بحيث أن أصوات من خذلتهم الانتخابات التمهيدية ستتوجه نحو ماكرون بصفته يمثل وجهاً ناجحا من وجوه اليسار الذي يعوّل عليه لمواجهة اليميني فيون واليمينية المتطرفة، زعيمة حزب الجبهة الوطنية، مارين لوبن. فلنحفظ هذا الاسم جيداً: إيمانويل ماكرون.

ظاهرة ماكرون

سيلحظ المتابع لتطورات السباق الرئاسي في فرنسا ظاهرة المرشح إيمانويل ماكرون، فهذا الرجل الذي يبلغ من العمر 39 عاما فقط، عرف عنه أنه كان أستاذا جامعيا لمادة الفلسفة ومصرفيا ناجحا استدعاه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لشغل منصب وزير الاقتصاد، قبل أن يستقيل ويشكل حركة “إلى الأمام” ويقدم ترشحيه متحديا كل التشكيلات السياسية العريقة في البلاد. هناك من اعتبر الأمر طعنة وخيانة لهولاند، لكن إعلان رئيس حكومته مانويل فالس الترشح للرئاسة اعتبر أكثر خيانة وأمضى وجعا.

يؤمن ماكرون بأن فرنسا وألمانيا باستطاعتهما أن تبقيا متحالفتين داخل المشروع الأوروبي بصفتهما الأساس التاريخي للمشروع

إيمانويل ماكرون ليس كالآخرين في حكايته ومشواره وخطابه وخياراته السياسية. يخرج الرجل عما هو شائع ومعتمد في لغة المرشحين الذين باتوا يتحركون إيجابا أو سلبا صدى لحدثي البركسيت البريطاني ودونالد ترامب الأميركي.

يهاجم الأخير المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فيذهب ماكرون ليحاضر داخل إحدى جامعات برلين مدافعا عن فرنسا وأوروبا وميركل، مبشرا بما هو مشترك من طموحات وأحلام وقيم تجمع الألمان والفرنسيين في أوروبا.

في مرافعته الألمانية، من خلال التوجه إلى طلاب ألمان، رسالة إلى جمهور غفير تفيد بنبل الفكرة الأوروبية إذ يتحدث الرجل في ألمانيا بلغة إنكليزية متقنة لطالما أثارت غيرة السياسيين الفرنسيين. يريد ماكرون التركيز على نجاح التجربة الأوروبية في خلط الشعوب واللغات وفي تسليط المجهر على ثراء الفكرة الأوروبية من خلال واقع التعدد داخلها.

لا يوجد حزب سياسي كبير يرفد ترشح ماكرون لدخول قصر الإليزيه، ومع ذلك فإن خطاب الرجل يجذب الآلاف من المؤيدين الذين يملأون القاعات للاستماع إلى هذا الحصان الأسود في السوق الرئاسية، على حد تعبير المعلقين الفرنسيين.

واقع المفاجآت

من واقع المفاجآت التي خرجت من صناديق الاستفتاء البريطاني حول الخروج من الاتحاد الأوروبي وتلك التي خرجت بها صناديق الاقتراع التي أطاحت بالطموحات الرئاسية للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، يحاول المراقبون التعرف على معالم مفاجأة قد يحدثها ترشح إيمانويل ماكرون في فرنسا.

لم تستطع مارين لوبن زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف أن تكظم غيظها من قدرات ماكرون اللغوية بحيث يجول في العالم متحدثا بالإنكليزية بفخر وطلاقة.

غردت لوبن ساخرة من استخدامه للغة شكسبير بدلا من لغة موليير، فيما اعتبر نائبها فلوريان فيليبو أن ماكرون “ليس فقط لا يحترم اللغة الفرنسية بل إنه لا يؤمن بفرنسا”. ولطالما تسلى الفرنسيون وبرامج التهكم التلفزيونية بالمستوى الوضيع المثير للضحك للإنكليزية التي يتكلمها الرئيس فرنسوا هولاند وقبله الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

ينهل إيمانويل ماكرون فكرته عن أوروبا من أحد آباء هذه الفكرة في فرنسا، جان مونييه. كان مونييه أيضا يجيد اللغة الإنكليزية وكانت الفكرة الفرنسية أمل القارة في وقف تفتتها وصداماتها وتناقضاتها وحروبها.

يبدو الأمر هذه الأيام كأنه ينتمي إلى زمن غابر، طالما أن الحاضر ينفث خطابا متصاعدا للتيارات القومية في القارة الأوروبية كما في الولايات المتحدة على النحو الذي بات يهدد وحدة الاتحاد وديمومته.

قد يقول قائل إن تصاعد حظوظ مارين لوبن، اليمينية المتطرفة، وفرنسوا فيون، اليميني المحافظ، للوصول إلى قصر الإليزيه، قد يجعل من مغامرة إيمانويل ماكرون أشبه بانتحار سياسي.

صعود الحصانين الصاعدين استند إلى أعمدة تكاد تكون واحدة في ورشة هجومية شعبوية لحصد الأصوات على الطريقة الترامبية.

أسس المرشحان اليمينيان حملتهما الانتخابية ضد السياسات المعتمدة بشأن المهاجرين واللاجئين، لكن الأخطر من ذلك أنهما اتبعا خطابا عدائيا أيضا ضد بروكسل مهددين فكرة مونييه بتشييد الاتحاد الأوروبي.

هاجمت لوبن الهجرة رافضة الحجج التي تعتبر هذه الهجرة “فرصة اقتصادية” ووصفتها بأنها “عبء اقتصادي” بامتياز، لتضيف “أننا لا نملك المعنى ولا الرغبة ولا الطاقة للتعامل مع بؤس العالم بالمزيد من الكرم”.
الخطاب الحر في الواجهة من جديد

لم يختلف الكاثوليكي المتدين فرنسوا فيون كثيرا عن منافسته لوبن. يعتبر فيون أن الهجرة “قنبلة موقوتة في قلب فرنسا”.

لم يأبه كثيرا باقتراح برامج لإلغاء أو تخفيض المعونات للمهاجرين، بل راح يتحدث عن عزمه على فرض كوتا لدخول المهاجرين من خارج دول الاتحاد الأوروبي.

قد يعتبر الأمر بديهيا ضمن ما قيل في حملتي البركسيت ودونالد ترامب. لكن المسألة تعني بالنسبة لفرنسا قطيعة مع سياسة الهجرة المعمول بها منذ 1945، وتمثل طلاقا مع التقاليد الجمهورية الفرنسية التي تأسست على قيم عدم التمييز بين الأعراق والأديان.

كان الأكاديمي والمؤرح الفرنسي باتريك فيل قد حذر من أمر كهذا حين قام ساركوزي بتدابير مماثلة عام 2007، حيث قال “إذا صادقنا على قانون كهذا (الكوتا)، فإن فرنسا، بلد حقوق الإنسان، ستصبح عارا تجتنبه الأمم الحضارية”.

لا يذهب فيون مذهب لوبن كثيرا في معاداة أوروبا. هو يعتبر نفسه أوروبي القناعات والهوى، لكن للأمر مفهوما آخر بالنسبة له، ويذكر مفاخرا أنه صوّت ضد معاهدة ماستريخت عام 1992، ذلك أنه يريد لفرنسا أن “تحافظ على سيادتها كاملة داخل أوروبا التي تحترم سيادة الأمم”.

أما بالنسبة لمارين لوبن، وعلى حد تعبير أحد الكتاب السياسيين، فإنه لو كان الاتحاد الأوروبي ليس موجودا لكانت لوبن عملت على إيجاده، ذلك أنه هدف هجماتها التي بنت على أساسها مشوارها السياسي.

أزمة هوية

في فرنسا أزمة هوية إلى درجة أن ساسة البلد -وبعد أكثر من سبعة عقود على تحرر بلادهم من الاحتلال النازي- ما زالوا يناقشون هوية الأمة الفرنسية. بعد ثنائية قديمة بين يسار ويمين، يعيد فرنسوا فيون اكتشاف نفسه مرشحا يمثل الهوية الديغولية الكاثوليكية.

لكن مارين لوبن التي لم يعرف عنها ترددها على الكنائس، التصقت بأيديولوجيا اليمين المتطرف المستوحاة من مفكرين كموريس باريس وشارل موراس.

وما يجمع هذين المفكرين هو أنهما في اشتغالهما على مسألة الهوية لا يلحظان أي وجود لأكثر من خمسة ملايين مسلم في فرنسا يشكلون الديانة الثانية في البلاد بعد الكاثوليكية.

وبالمقابل فإن رجالات الحزب الاشتراكي الذين عمل ماكرون إلى جانبهم في الحكومة لم يبتعدوا كثيرا عن سلوك وخطاب هذا اليمين بضفتيه، فرئيس الحكومة الاشتراكي مانويل فالس الذي استقال من منصبه للترشح للمنصب الرئاسي قدم رؤيته لمعنى الجمهورية حين دعا إلى جعل لبس البوركيني سلوكا خارجا عن القانون وحين دعا المسلمين الفرنسيين إلى أن يكونوا أكثر تحفظا في التعبير عن سلوكهم الديني.

ذهب إيمانويل في عدائه لسياسات الهجرة المعتمدة إلى حد إعطاء دروس للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل منتقدا إياها اعتمادها على سياسة الأبواب المفتوحة في مواجهة تدفق اللاجئين، مرددا تماما ما سبق أن قالته لوبن “أوروبا لم تعد تستطيع استقبال المزيد من اللاجئين”.

مقابل هذه البراكين من الحملات المعادية لأوروبا وللهجرة، يرد ماكرون بدينامية عالية. لا يعبر الرجل عن قناعات سياسية وأخلاقية فقط، بل عن عقائد استراتيجية.

الصراع داخل الحزب الاشتراكي أفضى إلى انقسام عمودي، بمقتضاه ستتوجه أصوات الناخبين نحو ماكرون

يؤمن ماكرون بأن فرنسا وألمانيا باستطاعتهما أن تبقيا متحالفتين داخل المشروع الأوروبي بصفتهما الأساس التاريخي لمشروع هذا الاتحاد. وحين تعرّضت سوق برلين لعملية دهس إرهابية عشية عيد الميلاد كتب ماكرون في جريدة لو موند الفرنسية “نحن كلنا برلينيون، نحن كلنا أوروبيون”.

ولمواجهة الهجوم على أوروبا طالب ماكرون بالمزيد من العمل من أجل أوروبا لا بالقليل منه، ولمواجهة الهجوم على سياسات الهجرة يرفع الرجل دعواته بـ”رفض طرد اللاجئين ورفض رفع الحواجز بين المجتمعات”.

يتفق الاشتراكي فالس واليمينية لوبن على أن المهاجرين عبء على فرنسا، فيما يراهم ماكرون فرصة اقتصادية لفرنسا وأوروبا . يشد ماكرون على يد الألمانية ميركل لتمسكها -حتى في مواجهة الإرهاب- “بقيمنا المشتركة وبدفاعها عن كرامتنا المشتركة في ترحيبها واستضافتها للاجئين”.

اشتهر إيمانويل ماكرون حين كان وزيرا للاقتصاد بقانونه الشهير المسمى قانون ماكرون في عام 2015. واقترح القانون مجموعة من الإصلاحات من بينها السماح للمتاجر بفتح أبوابها أيام الأحد، ما أثار موجة من التظاهرات وانقساما داخل الحزب الاشتراكي.

لكن ماكرون لم ينل فقط دعم واحدة من أهم النقابات العمالية القريبة من الحزب الاشتراكي، إنما حظي بتأييد قيادات تاريخية في الحزب مثل جيرار كولومب عمدة ليون، كما شخصيات يسارية كبرى أبدت ميلا مطّردا إلى دعم ترشحه للانتخابات الرئاسية، من بينها نجم ثورة 1968 دانيال كون بنديكت، ممثل حزب الخضر في البرلمان الأوروبي.

تجذب حملة ماكرون الانتخابية الآلاف من المؤيدين كل يوم. في الأسبوع الماضي حضر أقل من 300 شخص خطابا لمانويل فالس في مدينة كليرمان فيران، فيما أن تجمعا في نفس المدينة جذب 2000 شخص وقفوا داخل قاعة ضاقت بهم ليستمعوا لإيمانويل ماكرون، وبقي المئات ينتظرون خارج الأبواب.

بدأت استطلاعات الرأي ترصد صعود ظاهرة إيمانويل ماكرون. آخر تلك الاستطلاعات منحت الرجل نسبة 20 بالمئة من الاقتراع، أي في المرتبة الثالثة بعد فرنسوا فيون ومارين لوبن، فيما توقع استطلاع حديث نشرته مجلة باري ماتش الفرنسية أن يهزم ماكرون لوبن بنسبة 65 بالمئة، وأن يهزم فيون بنسبة 42 بالمئة في الدورة الثانية من الانتخابات.

مشكلة ماكرون الكبرى أنه لا يحظى بدعم الماكينات الانتخابية الكبرى لحزب سياسي كبير. لكن جل المراقبين يعتبرون أن شيئا ما سيحصل في ترشح ماكرون، وأن هذا الاجتماع الأيديولوجي لليمين واليسار في شخص ماكرون قد يحدث مفاجأة تحتاجها البلاد.

أحد الكتاب الفرنسيين كتب معلقا “هذا الرجل لن يكون في موقعه وسطيا بل في وسط الحملة الانتخابية. هو موقع لرئيس للجمهورية، موقع من لا يمثل حزبا سياسيا بل من يمثل كل الفرنسيين”.

العرب اللندنية