الفاطميون والزينبيون.. كيف تطعن إيران جنوب آسيا بالخنجر السوري

الفاطميون والزينبيون.. كيف تطعن إيران جنوب آسيا بالخنجر السوري

105

كثر الحديث مؤخرًا عن الانقسام الطائفي في العالم العربي، الذي يُشعله التدخل الإيراني في الحرب الأهلية السورية، لكن على الجانب الآخر لم تجذب آثار ونتائج تجنيد إيران عناصرَ شيعية من باكستان وأفغانستان على أمن واستقرار منطقة جنوب آسيا الكثير من الانتباه.

وهو ما دفع معهد الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات لإصدار تقرير على موقعه الإلكتروني يضطلع فيه بهذه المهمة.

يشير المركز إلى أنه خلال الخمس سنوات الماضية، قام الحرس الثوري الإيراني بتجنيد آلاف من العناصر الشيعية الباكستانية والأفغانية للقتال لحسابه ضد قوات المعارضة السنية في جميع أرجاء سوريا. أدى هذا الأمر بالفعل إلى رد فعل عنيف ضد الشيعة في أفغانستان وباكستان، ويُهدد بزعزعة استقرار المنطقة الهشَّة بالأساس.

18 ألف مقاتل أفغاني في سوريا

يُنوِّه التقرير إلى فيديو تم تداوله مؤخرا على مواقع الأخبار الفارسية، وعلى تويتر وفيس بوك، تناول تصريحًا لأحد المسؤولين الإيرانيين يقول فيه إن حوالي 18 ألف مقاتل أفغاني يُقاتلون حاليًا للدفاع عن نظام الأسد في سوريا. حسين يكتا، أحد محاربي حرب الخليج الأولى القدماء، والقائد الحالي في قوات الحرس الثوري الإيرانية، والمسؤول عن التجنيد فيها، شرح- في إحدى لقاءاته مع عائلة أحد القتلى الأفغان في سوريا- كيف قام بضعة وعشرون أفغانيًا في مدينة مشهد بتأسيس لواء «فاطميون الأفغاني» الذي أصبح الآن أحد أرقام المعادلة الصعبة على الأرض السورية.

بحسب المركز، لا يمكننا الجزم بشكل دقيق كم عدد المقاتلين الأفغان في سوريا؟ ولكن إن كان رقم 18 ألف صحيحًا سيعني هذا أن المقاتلين الأفغان يُشكِّلون أكبر ميليشيا مدعومة إيرانيًا في سوريا. أكبر حتى من قوات حزب الله الأكثر مهارة وتدريبًا، إذ تشير التقارير إلى أن عناصر الحزب الذين يقاتلون في سوريا يبلغ عددهم ما يقارب الخمسة آلاف تقريبًا. في مايو 2015 أعلنت صحيفة دفاع المرتبطة بإحدى قادة القوات العسكرية الإيرانية أن «الفاطميون» تم ترقيتهم من كتيبة إلى لواء؛ نظرًا لعددهم وقدراتهم ومسرح عملياتهم المتوسع في سوريا. يبلغ اللواء في الجيش الإيراني بين 10 آلاف و20 ألف مقاتل، لذا يبدو أن رقم 18 ألفًا ليس بعيدًا عن التصديق.

وفقًا لوكالة تسنيم الإخبارية التابعة للحرس الثوري الإيراني، فلواء «فاطميون» تم تأسيسه من قِبَل مجموعتين أفغانيتين هما جيش محمد، وهو فصيل شيعي أفغاني مدعوم من إيران كان يقاتل ضد طالبان أفغانستان في التسعينيات، وكتيبة أبي ذر، التي قاتلت بجانب الجيش الإيراني ضد العراق في حرب الخليج الأولى في الثمانينيات. وفقًا لمصادر عسكرية إيرانية، لقي حوالي 2000 مقاتل أفغاني حتفه أثناء قتالهم إلى جانب القوات الإيرانية في الثمانينيات. مؤسس لواء «فاطميون» المدعو علي رضا توسلي كان مقاتلًا سابقًا خاض حرب الخليج الأولى دفاعًا عن إيران، وله علاقة وثيقة بقاسم سليماني، قائد لواء القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. عندما قُتل «توسلي» في سوريا زار «سليماني» عائلته لتقديم العزاء.

يشير المركز إلى أن المنظمة الشقيقة لـ«فاطميون» هي كتيبة زَيْنَبيون، وهي أصغر حجمًا وعتادًا، وتضم مئات المقاتلين الباكستانيين من بلوشستان وبارتشينار من حزام القبائل في باكستان، وكذلك من المُقيمين في إيران نفسها.

الخسائر المتزايدة

بحسب التقرير، فالرقم الدقيق لعدد القتلى الأفغان والباكستانيين في سوريا غير معروف، ولكن بتتبع أخبار الصراع السوري في وسائل الإعلام الإيرانية ندرك أن الرقم زاد بشكل كبير في السنتين الماضيتيْن. في الثاني والعشرين من نوفمبر، أقرَّ مسؤول إيراني أن ألفًا من المقاتلين، الذين أرسلتهم إيران إلى سوريا، لقوا حتفهم. محمد علي شهيدي محلتي، مدير مؤسسة الشهداء والمحاربين القُدامى، أعلن في تصريح له قائلا: «في الوقت الحاضر، عدد شهدائنا، الذين قضوا نحبهم دفاعًا عن المزارات المقدسة، تجاوز 1000 شهيد من بلادنا». لم يحدد شهيدي جنسيات هؤلاء القتلى، ولكن «المدافعين عن العَتَبات المقدسة» مصطلح تصف به إيران المتطوعين من أفغانستان وباكستان وإيران الذين يُقاتلون في سوريا.

يرى التقرير أنه على الرغم من إنكار إيران الاتهامات الموجهة لها بأنها تُجبر الأفغان على القتال في الشرق الأوسط، فإن وجود ميليشيا أفغانية تُقاتل بجانب الحرس الثوري وحزب الله والميليشيات العراقية في سوريا لم يعُد سرًا خافيًا على أحد. خلال السنتين الماضيتيْن، زادت وسائل الإعلام، التي تُديرها الدولة في إيران، من إشادتها بالمُقاتلين الأفغان والباكستانيين، ونشرت المواقع التابعة للحرس الثوري صور قاسمي سليماني وهو يزور مقرات لواء «فاطميون» في سوريا، وتقوم هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية كثيرًا ببث وثائقيات عن لواء «فاطميون»، وتحث المزيد من الأفغان على الانضمام إليه.

الأدهى من ذلك- على حد وصف التقرير- أن الحرس الثوري الإيراني وقوات «الباسيج» التابعة له أصبحت تُنظِّم مواكب جنائزية بانتظام للقتلى الأفغان والباكستانيين في سوريا. مؤخرًا شارك قادة عسكريون ومدنيون في مراسم دفن قتلى أفغان، من بينهم قادة في هيئة الشهداء والمحاربين القدامى الإيرانية، ما يعني أن الحكومة الإيرانية تُقدِّم تعازيها لعائلات القتلى.

التجنيد والمكافأة

منذ بداية الحرب السورية، وجد اللاجئون الأفغان في إيران ترحيبًا ودعمًا غير مُعتاديْن من قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني. في السنة الماضية، اعترف سليماني بأن المشاركة الأفغانية كان لها تأثير حاسم على مسار الصراع في سوريا، كما أنها رفعت من مكانة اللاجئين الأفغان في إيران. «بفضل الله، هذه الأيام، يُنظر للأفغان بشكل مختلف، أكثر احترامًا، وقبور الشهداء الأفغان يتم معاملتها كمزارات الأئمة» هكذا عبَّر سليماني عن الأمر.

بحسب التقرير، أشارت وسائل الإعلام المملوكة للدولة كذلك إلى أن السلطات قامت بتخفيف القيود وإيقاف عمليات الترحيل ضد اللاجئين الأفغان غير المسجلين؛ بسبب دورهم المحوري في الحرب السورية. في العام الماضي، قام البرلمان الإيراني بتمرير قانون يُعطي الحق للحكومة بمنح الجنسية الإيرانية للمقاتلين غير الإيرانيين الذين يُقاتلون بجانب إيران. أثار هذا القانون غضبًا كبيرًا في أفغانستان، عبَّر عنه عبيد الله باركزاي، أحد النواب الأفغان، قائلا: «هذا خرق للقانون الدولي وحقوق الإنسان، يستغل الوضع السيء للمواطنين الأفغان لدفعهم للقتال في سوريا والعراق واليمن مقابل الجنسية وبعض الامتيازات».

كشفت عدة مقابلات قامت بها وسائل الإعلام الأفغانية مع مقاتلين من لواء «فاطميون» أن الحرس الثوري الإيراني يقوم بتجنيد اللاجئين والمشردين الأفغان غير المسجلين، وذلك عن طريق إغرائهم بإقامات دائمة ومساعدات مالية وميزات أخرى لعائلاتهم، بينما قال آخرون إنهم انضموا لحرب إيران في سوريا لتجنب أحكام بالسجن. يعيش أكثر من 2.5 مليون لاجئ أفغاني في إيران، ثلثهم فقط مُسجلون لدى السلطات الإيرانية كلاجئين، بينما الآخرون أغلبهم مهاجرون غير شرعيين، دفعتهم الحاجة المعيشية إلى إيران.

بحسب المركز، ليس كل المقاتلين الأفغان يذهبون إلى سوريا لدوافع مالية أو لتسوية أوضاعهم القانونية. يذهب الكثير منهم للقتال في سوريا لأسباب أيديولوجية ودينية وسياسية. تاريخ قادة لواء «فاطميون» يكشف لنا أنهم لم يكونوا فقراء أو مهاجرين غير شرعيين. العديد منهم وُلد في إيران، وتلقَّى تعليمه في حوزة «قُمّ» الدينية، ولديهم علاقات ممتدة مع الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج. على سبيل المثال، سيد محمد مهدي هاشمي نجاد، طالب شيعي أفغاني، درس في حوزة قُم وقُتل في سوريا العام الماضي. وُلد «نجاد» في مشهد، وكان أبوه حُجة الله سيد حبيب الله هاشمي نجاد مدرسًا بحوزة قُم. وُجد جثمانه مؤخرًا في تدمر. الأمر نفسه بالنسبة لرضا بخشي، نائب قائد لواء «فاطميون» الذي قُتل في سوريا، وُلد أيضا في إيران. تساعد العديد من المنظمات الدينية والثقافية الافغانية في إيران الحرس الثوري في جهود التجنيد من أجل الحرب السورية.

يشير التقرير إلى قيام الحرس الثوري الإيراني مؤخرًا بإطلاق حملة تجنيد نشطة موجهة للشيعة الهزارة داخل أفغانستان. في أغسطس الماضي، اعتقلت السلطات الأفغانية إيرانيين مسؤولين عن تجنيد مقاتلين من شيعة أفغانستان وإرسالهم للقتال في سوريا. تشير التقارير إلى أن قربان قلم بور، المُشتبه به في هذه المساعي لدى السلطات الأفغانية، هو مبعوث مباشر من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي. وتشير تقارير أخرى إلى أن الباسيج الإيراني قام باتخاذ مقر له في مدينة هرات الأفغانية لتجنيد المقاتلين الأفغان. تشير أكبر صحيفة يومية في أفغانستان إلى أن بعض شركات السياحة تُساعد في نقل الشباب الأفغان من كابل وهرات إلى إيران؛ لتدريبهم وإرسالهم إلى سوريا.

بحسب التقرير، يُشكِّل مجتمع الهزارة في أفغانستان حوالي 15% من نسبة السكان. على الرغم من أن قادة الهزارة لم ينضموا لحرب إيران في سوريا، فإن بعض رجال الدين لديهم، مِمَن هم على قوائم الدفع الإيرانية أو مَن هم قريبون أيديولوجيًا من المؤسسة الدينية في إيران، يُشرعِنون ويُحرِّضون على الجهاد الشيعي في سوريا وغيرها. يقول أحمد علي جبرائيلي، وهو رجل دين شيعي من هرات: «نحن نعتقد أن الجهاد واجب ضد داعش؛ لأنها منظمة أسسها الكفار. مهما كان المكان الذي يُحارب فيه إخوتنا المسلمون، سواءً في سوريا أو العراق أو أفغانستان، يجب على المسلم أن يساعد أخاه المسلم».  يشير بعض القادة الشيعة في أفغانستان إلى أن السفارة الإيرانية في كابل هي من تُدير جهود الحرس الثوري للتجنيد في جميع أرجاء البلاد.

الأمر نفسه في باكستان، حيث تقوم المواقع المتحدثة بالأردية التابعة للحرس الثوري بتقديم عروض مغرية للباكستانيين الراغبين في القتال في سوريا تصل إلى 3000 دولار.

مراكز تدريب الحرس الثوري

بحسب التقرير، تقوم إيران بتدريب المقاتلين الأفغان والباكستانيين على أراضيها وفي الداخل السوري. تشير التقارير إلى أن الحرس الثوري يُقدِّم برنامج تدريب من أربعة أسابيع لمُقاتلي لواء «فاطميون» قبل انضمامهم إلى المعركة في قاعدة تدريب خاصة داخل إيران. قامت وكالات الاستخبارات الأمريكية بالكشف عن تسعة معسكرات تدريب داخل إيران للمقاتلين الأفغان والباكستانيين. أحد الأفغان العائدين من سوريا أخبر صحيفة أفغانية أنه تلقَّى تدريبه في قاعدة عسكرية في محافظة يزد الإيرانية، ثم نُقِل إلى مركز عسكري تابع للحرس الثوري الإيراني يُدعى قاعدة الإمام الحسين في خان طومان في حلب.

الارتدادات العكسية في أفغانستان وباكستان

يشير التقرير إلى أن الدور المتزايد لشيعة أفغانستان وباكستان في الدفاع عن نظام الأسد يأتي متزامنا مع وجود بعض المقاتلين السنة من الجنسيات نفسها على الجبهة الأخرى في سوريا، ما يهدد بإشعال صراع طائفي داخل هذه البلاد بعد عودة المقاتلين. في هذا السياق، تُحذر إحدى الصحف الأفغانية الشهيرة من أن عودة المقاتلين السنة والشيعة من سوريا واليمن يُهدد باندلاع حرب طائفية بينهم في أوطانهم الأصلية.

عواقب هذا الأمر بدأت بالظهور فعليًا في أفغانستان وباكستان، حيث قام تنظيم الدولة الإسلامية ومجموعات طائفية بنجابية أخرى بشن هجمات استهدفت المواطنين الشيعة في البلديْن، مُدَّعية أنها تأتي ردًا على مشاركة الشيعة في الصراع السوري. في العام الماضي، قام تنظيم الدولة بقتل وإصابة المئات من الهزارة في كابل، وهدد بشن المزيد ضد الشيعة إلا إذا توقفوا عن  الذهاب إلى سوريا، وكونهم عبيدًا لإيران. على الجانب الآخر، قُتل ما يقرب من 2300 شخص معظمهم من الشيعة في حوالي 550 هجومًا طائفيًا منذ 2010 في باكستان، والآن يهدد الوضع في سوريا بزيادة التوتر الطائفي في البلاد.

الأدهى من ذلك- حسب وصف المركز- أن عمليات التجنيد الإيرانية، التي طالت الآلاف من الأفغان والباكستانيين الشيعة، تسمح لإيران بعد انتهاء الحرب السورية بممارسة نفوذها الطائفي وزيادته في أفغانستان- وبدرجة أقل في باكستان- على حساب أمن واستقرار منطقة جنوب آسيا ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

التقرير

Print Friendly, PDF & Email