سياسة هدم البيوت والمشروع الصهيوني

سياسة هدم البيوت والمشروع الصهيوني

37

لم تكتفِ سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» بهدم بيوت الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وغزة، مرة كعقوبة لأهل الشهداء والأسرى، ومرة بحجة «البناء بدون ترخيص»، وثالثة بالحرب، بل امتد ومنذ فترة وبشكل غير مسبوق إلى هدم بيوت الفلسطينيين الذين بقوا أو تم تهجيرهم داخل الأراضي المحتلة العام 1948. إن هذا يكشف بوضوح سياسة هدم البيوت المتبعة بوصفها الوجه الآخر للتطهير العرقي الذي ابتدأ خلال حرب 1948 واستمر بعد قيام «الدولة»، مثلما يكشف أيضاً الأطماع والطبيعة التوسعية التي قام عليها المشروع الصهيوني.
وبالعودة إلى العام 1948، نتذكر هدم أكثر من (450) قرية فلسطينية وتهجير أهلها. لكن قبل ذلك، لا بد أن نشير إلى محطات على الطريق سبقت في استراتيجية الحركة الصهيونية. ففي «وعد بلفور» جاء الوعد «بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين»، ثم في السنوات اللاحقة، فتحت أبواب الهجرة اليهودية. وبين تقسيمي 1937 و1947 اللذين قبلهما بن غوريون ورفضهما العرب، صارت حصة «الدولة اليهودية» المقترحة 54% من أرض فلسطين. وبعد حرب حزيران 1967 تم احتلال ثلاثة أضعاف مساحة «إسرائيل» بما في ذلك كل الضفة الغربية. ومع أن قرار مجلس الأمن رقم 242 لم يجز «احتلال أراضي الغير بالقوة»، إلا أن النصر الذي حققه الجيش «الإسرائيلي» وضع اليد على الأراضي التي احتلت ورفعتها إلى 78% من أرض فلسطين، ليبدأ «خلق الحقائق» عليها تمهيداً لضمها في أوقات لاحقة، حتى كان «اتفاق أوسلو» الذي أتاح فرصاً أوسع لمصادرة مزيد من الأرض وبناء المستوطنات. وعبر قبول «حل الدولتين» ومفاوضاته زادت الأراضي الفلسطينية المستولى عليها وأصبحت 85% من مجموع أرض فلسطين.
هكذا تطورت الأمور، من مجرد «وطن قومي» إلى «الوطن القومي في أرض إسرائيل»، وفي الأثناء مرت سياسة هدم البيوت في عدة محطات أظهرت أن القيادات «الإسرائيلية» مرحلت اغتصابها وقبلت في كل مرحلة ما كانت تستطيع الحصول عليه والعمل على توسيع ذلك بالحرب حيناً وبالقوانين والتشريعات التي تضعها أحياناً، وبآليات هدم البيوت وتهجير السكان ومصادرة الأرض وإقامة المستوطنات في كل الأحيان! لكن الهدف ظل ثابتاً. وبهدف التضليل، حاولت سلطات الاحتلال دائماً أن تظهر أن هذه السياسة ليست سوى «إجراءات قانونية» بينما هي سياسة الغرض منها التضييق على الفلسطينيين من البحر إلى النهر ومن ثم اقتلاعهم وإجبارهم على الهجرة أو قبول «غيتوهات» يحشرون فيها إلى حين الترحيل أو الهجرة!
والمتتبع ل «الإجراءات» القمعية العنصرية الصهيونية، يجدها سياسة ممنهجة وتصعيدية باستمرار، تفرض على الفلسطينيين المواجهة وليس فقط التنديد أو مناشدة الرأي العام العالمي لحمايتهم. والتقارير التي صدرت بهذا الخصوص عن حصاد العالم 2016 تظهر ذلك بجلاء. ففي تقريره عن عمليات الهدم خلال العام 2016، يبين «مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق» أن سلطات الاحتلال «هدمت نحو 1023 منزلاً ومنشأة في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى إصدار إخطارات هدم لأكثر من 657 منزلاً ومنشأة في الفترة نفسها»، بينما كشف عدنان الحسيني محافظ القدس، أن «ثلث المنازل في المدينة المقدسة مهددة بالهدم»، مشيراً إلى أن سياسات الاحتلال تهدف إلى ترحيل المقدسيين وإحلال المستوطنين مكانهم.
من جهة أخرى، أبرز تقرير ل «وكالة التنسيق الإنساني» التابع للأمم المتحدة صدر مؤخراً، خطورة سياسة الهدم التي تمارسها سلطات الاحتلال، وأشار إلى أن هدم البيوت في الضفة الغربية تضاعف في العام 2016 مقارنة بالعام 2015، حيث بلغت البيوت المهدومة (1089) بيتاً، ونجم عن ذلك تشريد (1593) شخصاً، وتأثرت حياة (7000) شخص آخر. كذلك أظهرت تقارير أوروبية، تعنى برصد حقوق الإنسان، أن معدل الهدم الشهري للمنازل الممولة جزئياً من منظمات أوروبية بلغ (165) بيتاً، بزيادة بلغت أكثر من ثلاثة أضعاف معدل الهدم الشهري خلال الفترة من 2012- 2015 حيث كان (50) منزلاً كل شهر.
إن الحقائق الماثلة للعيان والوقائع الموثقة على الأرض، تظهر مسألتين خطيرتين: الأولى، أن النكبة مستمرة وأن سياسة التطهير العرقي هو جوهر كل السياسات و«الإجراءات «الإسرائيلية» وهي لم تنته أو تتوقف بقيام الكيان الغاصب. والثانية، أن التعلق بأوهام «التسوية» والحلول الوهمية يخدم ويساعد تلك السياسات ويوفر الوقت لتحقيق كل أهداف المشروع الصهيوني الذي قام عليها ومن أجلها هذا المشروع الكولونيالي التوسعي العنصري. وفي محصلة المسألتين تتأكد حقيقة طمسها السياسات والاتفاقات والمواقف الاستسلامية، وهي أن هذا الكيان لا يتطلع ولا يفكر في التوصل إلى أية «تسوية» أو تحقيق أي «سلام» لا في المدى القريب ولا البعيد، وأن قاعدة التعامل معه يجب أن تكون «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»!

عوني صادق

صحيفة الخليج

Print Friendly, PDF & Email