الأزمة السورية والحل الروسي

الأزمة السورية والحل الروسي

38

دعت روسيا وتركيا السوريين المسلحين وممثلي النظام إلى أستانا بجمهورية كازاخستان. وكانت مهمة الاجتماع تثبيت وقف إطلاق النار. وقد تحول الاجتماع إلى توسط الطرف الروسي بين إيران وتركيا على ذاك الوقف للنار وآلياته. إذ وقف النار في الأصل تمَّ بين الروس والأتراك وبضمانتهما. لكنّ أهل الفيتو أو القدرة عليه هم الإيرانيون وقوات النظام السوري. لذا كان لا بد لوقف القتال من الحصول على موافقة الإيرانيين وبشروطهم. ولذلك ازدادت التنازلات التركية في شمال سوريا إلى حدّ إمكان دخول قوات النظام إلى بلدة الباب، بدلاً من قوات «درع الفرات» المدعومة تركياً، أو إلى جانبها! والشائع الآن أنّ «داعش» ربما ينسحب من الباب لصالح قوات النظام، كما فعل في مواطن كثيرة، للإضرار بتركيا وقوات «الجيش الحر» المتحالفة معها. وهكذا لا يزال وقف النار رهينة لدى النظام السوري وإيران. وأتوقع استمرار القضم في وادي بردى والغوطة وجوبر وغيرها، إضافةً إلى الهجمات التي يعتزم النظام و«حزب الله» شنَّها في الجبهة الجنوبية (درعا) بعد التوافق فيما يبدو مع الحكومة الأردنية.

المهمّ أنه بعد أستانا مباشرةً دعا الروس المعارضة السياسية (دون المسلَّحة، بينما كانت السياسية غائبةً في أستانا!) إلى التشاور حول الحلّ السياسي. ويتناول ذلك أمرين: بنية المعارضة السياسية التي يريد الروس إدخال أنصارهم إليها (وكذلك الذين كانوا يلتقون بمصر، والأكراد) بحيث يصبح الحاضرون ثلثين (لصالحهم)، والثلث الباقي لـ«الهيئة العليا للمفاوضات» أو ما بقي منها. أما الأمر الثاني فهو الدستور الذي يُراد التفاوُضُ عليه ليكون مدخلاً للمرحلة الانتقالية إذا كانت تستحق هذا الاسم كما في بيان «جنيف-1». وقد وزّع الروس على المسلحين وعلى السياسيين المسوَّدة الدستورية التي يقترحونها، وفيها حكم ذاتي موسع للأكراد، ولا مركزية واسعة لسائر المحافظات والنواحي، وإسقاط للعربية من اسم «الجمهورية العربية السورية»، بحجة أنّ الأكراد ليسوا عرباً، كما أنّ الإيرانيين يريدون ذلك لأنّ العروبة عدوُّهم اللدود، وقد توافقوا مع الأميركيين على ذلك في العراق، وكانت الحجة الظاهرة أيضاً وجود الأكراد.

المعارضة السياسية السورية ضعيفة لأنها منقسمة. ثم إنها لا تملك مواقع مدنية أو عسكرية حقيقية على الأرض، رغم التنسيق مع «الجيش الحر». أما المعارضة المسلَّحة (المعتدلة) فوجوهُ ضعفها متعددة. فهي أولاً ما استطاعت حتى الآن تكوين قيادة مشتركة حقيقية حتى في شمال سوريا، ولديها عائقان: الأول هو «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً)، والتي صُنّفت إرهابية، وهي أقوى الفصائل، وهي تقاتلها جميعاً الآن لأنّ الحلَّ لا يشملها. وفي كل الأماكن التي يتقدم فيها النظام والإيرانيون يتقدمون بحجة وجود «النصرة». والعائق الآخر «داعش» وحلفاؤه، والذين يفضّلون الآن مواجهة المعارضة المسلَّحة، وليس النظام السوري أو الميليشيات الإيرانية.

كيف ستمضي المعارضة أو المعارضات السياسية قُدُماً في التفاوض على الانتقال أو التواصُل أو المستقبل، ولديها كلُّ هذه المتاعب في داخلها وفي الداخل السوري وفي الإقليم والقوى الكبرى؟!

بكل المقاييس فإن الحل الذي يُبقي على بشار الأسد بحراسة إيران وروسيا لا يمكن أن يكون حلاً دائماً لأنه غير عادل وغير عربي وغير إنساني. فبعد مقتل نصف مليون إنسان، وجرح مليون ونصف، وتهجير اثني عشر مليوناً بالداخل والخارج، وتخريب نصف العمران السوري، لا يمكن لأي نظام شارك في ذلك كلِّه أن يكون جزءاً من الحل، فضلاً عن أن يكون نظاماً مستقبلياً للحكم الصالح.

وما دام الأمر كذلك، فما الذي يمكن أن يحصل، وليتخذ الحل سمة التسوية الدائمة؟ لا بد من تدخل عربي لتعديل الموازين العسكرية والأمنية والسياسية. فإذا كان المطروح الآن الملاذات الآمنة بشمال سوريا، فلتكن هناك قوة سلام عربية وإسلامية ودولية، ولتنتشر ليس للملاذ الآمن فقط، بل وللحلول محلّ المسلحين المعتدلين. وفي ظل وقفٍ ثابتٍ للنار ترعاه قوة سلام، يمكن أن تجري مفاوضات سياسية على المرحلة الانتقالية، ويكون نص «جنيف-1» هو الدليل المرشد. فأمام حكومة السلام التوافقي مهامّ تكاد تعجز عنها أقدر الحكومات، وأولها إعادة المهجرين من جهة، والإعمار من جهةٍ ثانية.

رضوان السيد

صحيفة الاتحاد

Print Friendly, PDF & Email