ايران وحروب الوكالة: حلف من ميليشيات وعمائم

ايران وحروب الوكالة: حلف من ميليشيات وعمائم

650_433_013675566623263

يدرك صناع السياسة الإيرانية الأهمية المتزايدة للفصائل والميليشيات الشيعية، التي تتوافر على مهارات قتالية، هي إلى حد كبير نتاج لتدريبات تلقوها على يد “الحرس الثوري الإيراني”، ما عزز من ادوارها في النزاعات والإقليمية، وليجري استخدامها أدوات مركزية للسياسة الإيرانية في المنطقة في جوانبها العسكرية والاستراتيجية والعقائدية، وأبدت طهران قدرة منقطعة النظير لتسخير هذا النوع من القوات واستخدامه في منطقة الشرق الأوسط، الامر الذي كان بمثابة المتغير الرئيس في نجاح طهران المستمر في بناء نفوذها السياسي والحركي في جوارها الاقليمي.
وكان النموذج الأول لهذا النهج إنشاء “حزب الله” ورعايته في لبنان، والذي تمكن اعقاب الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، من البروز كفاعل سياسي مهيمن في البلاد، وقادر على الممارسة السياسية والعسكرية، سواء ما يتعلق منها بإسرائيل، او تلك التي تتعلق بمكانة لبنان وادواره وارتباطاته الخارجية، وعلاقاته بالقوى السياسية في الداخل.
وبهذا الصدد بدا نجاح إيران في لبنان مميزا، قياسا بأذرع ايران الاخرى المنتشرة في عدد من الدول. ومع ذلك، فإن الاضطرابات التي تشهدها المنطقة العربية في بعض دولها، والتي تتسم بانكماش أو انهيار السلطة، قد اوجد بيئة مواتية مكنت الجماعات الموالية لإيران من ان تكون فعالة بدرجة كبيرة، ونجحت في تغيير دفة الامور والحفاظ على الانظمة الموالية لها كما حدث في سوريا. لنشهد فيما بعد وفي ثناء الثورة السورية التي اندلعت في 2011، تدفق ميليشيات عراقية وتشكيلات عسكرية طائفية، كانت احد العوامل الحاسمة في بقاء نظام بشار الأسد، بعد ان اخذ الصراع هناك في احد اوجهه اطارا مذهبيا. وعلاوة على ذلك، فان الاستراتيجية الايرانية تحرص على تشكيل خطوط ربط حركي في بيئة تجد فيها اتباعا ومناصرين، الامر الذي بدا واضحا حيث امتد تأثيرها باتجاه شرق المتوسط بين الحدود العراقية ــ الإيرانية والبحر الأبيض المتوسط.
ولعلها حروب بالوكالة، استندت الى تصاعد حدة الطائفية في الاقليم، مشفوعة بطموحات سياسية، ليتحول معها التنوع السكاني الاجتماعي الى طائفية سياسية، تقوض وحدة الوطن وتهدد بقاءه. وهي ليست بالحروب الجديدة، فجذورها الحديثة تعود إلى الثورة الإيرانية عام 1979، وما يرتبط بها من مبدأ “تصدير الثورة” فإيران تأمل في كسر الهيمنة السنية على العالم الإسلامي، بعد ما تبين ان هذا العقد هو الاكثر ملاءمة لتحقيق طموحاتها، اثر سيطرتها المباشرة وغير المباشرة في اكثر من مكان، والتي تأمنت من خلال جماعات وميليشيات وحكومات في لبنان، والعراق وسوريا.
وسنركز في تفسيرنا على نموذجين جرى من خلالهما توطيد التغلغل الايراني، وتعزيز حضوره في المعادلات السياسية، الاول يتعلق بالحركة الحوثية، والاخر يؤشر الى بعض مواقف المعارضة الشيعية البحرينية.
ففي اليمن كانت احداث الربيع العربي التي انطلقت في شباط/ فبراير 2011 ، فرصة سانحة للحوثيين مكنتهم من بسط سيطرتهم، والعمل بتدرج وصولا الى الهدف النهائي بمسك السلطة السياسية، واستغلال المبادرة الخليجية، التي منحت الحصانة للرئيس صالح، ليتحالفوا معه، واستطاعوا تدريجيا توسيع نفوذهم والسيطرة على مدن بعد أخرى، بينما انتهت عمليات النهب التي قامت بها الجماعة لمخازن الاسلحة، وتدخلاتها الى دفع الرئيس هادي الى الاستقالة، وما ترتب عليها من فراغ سياسي مكنهم من تصدر المشهد السياسي، وما يمكن ان يترتب على هذا الامر من فوضى وضعف اجهزة الدولة وتخلخلها.
وتكشف الرعاية الايرانية للحوثيين، والتي تحاول الحركة نفيها، ابعادا تتعلق بحربٍ طائفية أخذت تشمل عدداً من دول المنطقة، وتدار لحساب القوتين الاقليميتين: إيران والمملكة العربية السعودية، وهو ما يتجلى بوضوح ايضا في العراق ولبنان وسوريا. إذ جاءت تصريحات علي شيرازي، ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في فيلق القدس التابع للحرس الثوري، تؤكد هذه الرعاية معتبرا ان جماعة الحوثي في اليمن نسخة مشابهة لـ”حزب الله” في لبنان، وستدخل هذه الجماعة الساحة لمواجهة من سماهم “أعداء الإسلام”. وبذات الاتجاه اكد مستشار المرشد الأعلى والأمين العام للمجمع العالمي للصحوة الإسلامية، علي أكبر ولايتي، أن إيران تدعم الحوثيين في اليمن، وتعد هذه الحركة جزءا مما سماها بـ”الحركات الناجحة للصحوة الإسلامية”.
وفي مقابلة مهمة بثتها “وكالة أنباء فارس” التابعة لـ “فيلق الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني في 27 كانون الثاني/يناير 2015 وخلال النقاش، أعلن عبد المجيد الحوثي – ابن عم بدر الدين الحوثي وزعيم الحوثيين توقعاته بان ” تعمل جمهورية إيران الإسلامية وغيرها من البلدان على تقديم الدعم لهم وللشعب اليمني … إن الثورة في اليمن … مستوحاة من الثورة الإسلامية في إيران “.
كما نذكر بتصريحات المحلل السياسي الإيراني، المقرب من دوائر صناعة القرار في طهران، محمد صادق الحسيني، التي أكد فيها “أنّ إيران صارت تحكم سيطرتها على الجزيرة العربية (يقصد اليمن والعراق)”، حيث اعترف الحسيني في التصريحات التي بثتها قناة “الميادين” اللبنانية أواخر شهر سبتمبر الماضي، أن “آل سعود سيكونون الهدف التالي”.
ومن هنا يمكن القول ان ايران تستخدم في سياستها الخارجية الاعتبار الطائفي، باعتماد التشيع أداة للقوة الناعمة من جهة، ومن جهة ثانية فانها تتكىء على تعبئة الشيعة في دول المنطقة لتهديد مصالح الغرب وحلفائه، الامر الذي اتاح لطهران توسيع نفوذها في اليمن عبر الحوثية الزيدية، التي تميل الى التشيع الاثنى عشري.
ولا شك في ان هيمنة الحوثيين على اليمن ستفضي الى تعزيز المصالح الايرانية، التي تستند الى وجود حلفاء لها على الأرض، بما يسمح لها بالمزيد من التغلغل في المنطقة، فتقوية الحركة من شأنه ان يعود بالنفع على ايران، ويعزز من مكانتها قوة مهيمنة في جوارها الاقليمي. وعلى هذا الاساس ادت سيطرة الحوثيين على القصر الرئاسي في صنعاء، في 20 كانون الثاني/ يناير 2015 الى تعزيز التعاون بينهم وبين ميليشيات وفصائل شيعية في العراق، لتمكينهم من مسك الاوضاع وترتيب المشهد العسكري في البلاد، حيث تزداد مظاهر الانخراط الحوثي في الشأن السياسي الداخلي بعد استقالة الحكومة والرئيس عبد ربه هادي منصور، وما يمكن ان ينجم عنه من تدخلات ايرانية.
وتعبر الاندفاعة الحوثية في اليمن عن محاولة ايران الضغط على دول الخليج العربي، وإظهار حاجة الولايات المتحدة والغربيين إليها في مكافحة الإرهاب، الذي تصاعدت وتائره عقب احتلال الموصل من قبل “داعش” في خريف 2014 ، الامر الذي يبرر السكوت الامريكي حيال ما قام به الحوثيون من خرق انهى وجود الدولة في اليمن.
وانطلاقا مما تقدم فان طهران ترى في تعاضد ومؤازرة الجماعات التي تتبنى نهجها في العقيدة والمقاربة، ضرورة استراتيجية تؤمن لها القوة والغلبة في المحصلة النهائية، في مشهد الحرب الطائفية الذي تعيشه عددا من دول المنطقة العربية. ووفقا لتقارير استخبارية فان ثمة تعاونا بين جماعة “انصار الله الحوثية” واحزاب وميليشيات مقربة من ايران في العراق، حيث قامت “منظمة العمل الاسلامي” التي اسسها المرجع الايراني محمد تقي الشيرازي بتدريب مجموعة من الطلبة الحوثيين الذين يتلقون تعليمهم الديني في الحوزة العلمية في كربلاء، في احد المواقع العسكرية في المحافظة، على كيفية القتال خلال حرب الشوارع والمدن، ومن المرجح انهم التحقوا بـ”أنصار الله” خلال عملية السيطرة على العاصمة صنعاء.
وفي حالة البحرين تبرز الجمعيات الشيعية المعارضة ومن اهمها جمعية الوفاق الاسلامية، التي اضحت تتخذ مواقف لشق المجتمع البحريني، من خلال تكريس منطق المواجهة بين طائفتين، وبحسب زعم امينها العام فان المعارضة تعتمد الاساليب السلمية، وهو امر تنفيه عمليات استهداف قوات الأمن والمباني الحكومية، وتدفع الى انسداد الأفق أمام المصالحة الوطنية.
وبالرجوع الى احداث تاريخية لفهم تداعيات ما يجري في مملكة البحرين، اسهمت الثورة ضد شاه ايران عام 1979، في تفاقم التوترات بين السنّة والشيعة في البلاد، جراء مشروعها القائل “بتصدير الثورة”، حيث سجلت بين عامي 1981 و1985، محاولتين فاشلتين بقيادة الشيعة لقلب نظام الحكم، في ظل عدم الاستقرار الذي عرفته منطقة الخليج العربي خلال الحرب العراقية-الايرانية، والتي افضت الى زيادة حدة الاستقطاب الطائفي في المملكة، إذ انقسم شيعة البحرين في حينها إلى تيارين: احدهما صغير محافظ، طالب ببعض الإصلاحات لتحسين وضعه المعيشي والطائفي, اما التيار الأكبر فقد اتخذ من الثورة الايرانية نموذجا، بالإمكان تطبيقه في البحرين, وكانت من أهم مطالبه إقامة نظام إسلامي في البلاد على غرار النظام في إيران.
وتأكيدا لما تقدم اتهم رئيس وزراء البحرين إيران بتدريب مئات من شباب الخليج في معسكرات بإيران للقيام بأعمال تخريبية، وجاء ذلك عقب محاولة الانقلاب الفاشلة بالبحرين عام 1981 وتبني إيران لأنشطة الجبهة الإسلامية البحرينية.
وتجددت الاتهامات البحرينية لإيران في يونيو 1996 بتدريب وتوجيه الجناح العسكري لتنظيم لم يعرف في البحرين من قبل باسم “حزب الله”، وذلك في مدينة قم الإيرانية بهدف قلب نظام الحكم في البحرين وإقامة نظام موالي لإيران، وهو تطور أدى لسحب البحرين سفيرها من طهران وإعلانها اعتقال 13 بحرينيا ضالعين في التنظيم السري.
وفي مطلع التسعينيات من القرن الماضي وتحديدا في عام 1992 تزايدت وتيرة المطالبة بإعادة الحياة النيابية التي توقفت عام 1972، مع المطالبة بتأسيس التنظيمات والنقابات في البحرين، حيث جرى التوقيع على عريضة بهذا المضمون، تبعتها عريضة مشابهة عام 1994، اعتقلت السلطات أبرز الموقعين عليها وبينهم الشيخ علي سلمان.
ولهذا تصاعدت معدلات العنف الداخلي في البحرين، بحيث أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا للاستقرار السياسي، من حيث نوعية الاضطرابات أو حجم التنظيمات التي تنفذ عمليات التفجيرات، ووقعت البلاد فريسة لما يعرف بـ”دورة العنف” التي تعني غياب السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، معمقة بذلك الحساسيات والانقسامات. رافق ما تقدم قيام طهران بتكرار دعوتها القديمة بأن البحرين جزء لا يتجزأ من إيران، ما اثار مخاوف الحكومة من احتمال قيام الشيعة بمحاولات لقلب نظام الحكم. وفي ذات السياق فان الطائفة الشيعية بدت اكثر قوة وحراكاً، جراء استقوائها بالإيرانيين، فضلا عن الادوار المحورية التي يقوم بها رجال الدين الشيعة لجهة تصعيد التشنج الطائفي.
ولهذا أخذت الاحتجاجات التي انطلقت في 14 فبراير/شباط 2011 منحى جديدا تمثل بارتفاع سقف المطالب من الإصلاحات إلى إسقاط الحكومة عبر المزيد من الاعتصامات والمسيرات، التي تحولت إلى مواجهات مع أجهزة الأمن قتل خلالها عدد من المتظاهرين.
نشير هنا الى دعوة اطلقها في شباط/فبراير 2011، إمام صلاة الجمعة في مسجد الإمام الصادق في مدينة دراز الشيخ عيسى أحمد قاسم، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع ايران. وهو المرشد الروحي لـ “حزب الوفاق” البحريني والممثل الديني لخامنئي، لشنّ هجمات ضد أفراد الأمن البحريني، وحثّ مستمعيه على “سحق المرتزقة “قوات الأمن” حيث وجدتموهم” مع تصاعد موجة الثورات في المنطقة.
وما تمكن ملاحظته هنا، تكرار الاعتداءات على مراكز الشرطة ورجالها، حيث برزت تقارير تفيد عن وجود بصمة إيرانية في مسرح هذه الحوادث، فضلا عن حادثة القبض على قارب سريع من العراق كان ينقل أسلحة ومتفجرات إيرانية في كانون الأول/ديسمبر 2013. ومن بين المواد المصادرة كانت هناك 50 قنبلة إيرانية الصنع وما يقرب من 300 عبوة ناسفة مكتوب عليها “صُنعت في سوريا”. وفي استجوابهم، “اعترف المشتبه بهم أنهم تلقوا تدريباً شبه عسكري في إيران”. وبذات الاتجاه، وبعد فترة وجيزة داهمت السلطات البحرينية مخازن الأسلحة المشتبه بها، وكشفوا “كمية ضخمة من المتفجرات” إلى جانب صواعق تفجير تجارية صُنعت في سوريا، وبنادق، ومواد لصنع القنابل.
وتساعد البنية السياسية والطائفية للديمغرافيا في البحرين، على تحقيق التقارب بين شيعة البحرين وايران، جراء توافر عدد من الاعتبارات: أولها، القرب الجغرافي ما يجعل من السهولة بمكان تحقيق التواصل وتقديم المساعدة في حال تطلب الامر ذلك. وثانيا، محدودية عملية الإصلاح التي اعلن عنها الملك حمد بن عيسى آل خليفة، فضلا عن النجاحات الشيعية التي تحققت في العراق، لجهة ممارسة السلطة، والتي ألهمت شيعة هناك، بإمكانية تكرار النموذج العراقي.
كما ساعدت التطورات والإقليمية والدولية ثالثا، على شحذ الشهية الشيعية، سواء بنتائج الانتخابات العراقية التي جاءت في مصلحة الشيعة، او من ناحية تعزيز المكانة السياسية لـ”حزب الله” منذ حرب لبنان الثانية، بما في ذلك التخلص من رفيق الحريري، وتعيين رئيس وزراء موال للحزب. ورابعا، فان إيران ترى في موجة الاحتجاجات التي بدأت في العالم العربي عام 2011، انما هي حافز للتغيير في المملكة، والذي تم الترويج له من وراء الكواليس لسنوات عديدة، نظرا لأهمية البحرين ومكانتها الجيواستراتيجية والسياسية، كونها تمثل الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية، التي تشكل احد طرفي معادلة الصراع مع ايران، الامر الذي جعل البحرين في حالة تجاذب بين ادعاءات الايرانيين بمطالب تاريخية فيها، وبين المملكة العربية السعودية، التي تخشى من ان يطال مجتمعها حراك شيعي مماثل.
ومن مدخل تعزيز التطلعات الشيعية في البحرين، والتي تلقى دعماً عقائديا واعلاميا وعسكريا من قبل ايران، ومن يتبع سياساتها في المنطقة، كشفت تقارير استخباراتية عن لقاء عقد لبعض المسؤولين العسكريين في الحشد الشعبي في محافظة النجف، تم بموجبه تكليف “حزب الله النجباء”، وهو تنظيم مسلح انشق عن ميليشيا “عصائب اهل الحق” يتبع خامنئي كمرجع في التقليد، بتدريب اعضاء في المعارضة الشيعية البحرينية في معسكر يقع في النعمانية في محافظة واسط، وبالتنسيق مع قياداتها المتواجدة في لبنان ومن بينهم حسين الحداد، وصولا الى الانتقال بهذه المعارضة الى العمل العسكري المنظم، واستهداف مقرات حكومية وامنية.
وبعبارة موجزة واستنادا الى اعلاه فان اختراق ايران للعالم العربي تحقق بفعل وجود جماعات مساندة، تعتنق ذات الاتجاه العقائدي والفكري، إذ اجتهدت حشود من ميليشيات محلية شيعية في تثبيت المكانة الايرانية قوة اقليمية، تمتد الى لبنان وسوريا والعراق واليمن، معززة بقوات الحرس الثوري. ولكن ما يدعو الى التساؤل هنا هل تستطيع ايران المطاولة والبقاء في كل المواقع؟، وهل يصح ان تكون الطائفية السياسية معادلة للوجود الوطني، والتي تجر إلى الوقوع بين رحى حرب أهلية. ايران ينتظرها مصير مماثل ولو بعد حين.

د.هدى النعيمي