عن العراق بعد داعش

عن العراق بعد داعش

111

مع انطلاق عمليات تحرير الجانب الغربي من مدينة الموصل التي تم الإعلان عنها من قبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الأحد 19 شباط/فبراير الماضي، بدأ العد التنازلي لتحرير الساحل الأيمن. المتفائلون يعتبرون ان الأيام المقبلة ستشهد القضاء النهائي على تنظيم داعش في العراق.

هناك رؤيتين متناقضتين  إن عملية استعادة الجانب الأيمن من الموصل  الذي يتشكل من 94 حيا لن تكون سهلة، بل ستواجه عقبات أكثر تعقيدا من الجانب الأيسر، من أهمها:

1- الطبيعة الجغرافية التي يمتاز بها هذا الجانب من المدينة الذي يتصف بتقارب المساكن وضيق الشوارع والحارات، لكونها أحياء قديمة وفقيرة وذات كثافة سكانية عالية، فضيق الشوارع يحد من حركة العجلات والقطعات المدرعة، والكثافة السكانية العالية تحد من القدرة على استخدام الأسلحة الثقيلة والقصف الجوي والمدفعي لأنه سيوقع خسائر كبيرة في المدنيين.

كما أن الطقس الرديء وانخفاض الرؤية بسبب الضباب وتساقط الأمطار سيؤديان إلى توقف العمليات العسكرية، لضعف الإسناد الجوي وعدم القدرة على إدامة زخم الهجوم، مما يعطي فرصة للوحدات الانغماسية التابعة لتنظيم الدولة -والتي تقاتل بطريقة محترفة في حرب العصابات- أن تسعى لتغير المعادلة الميدانية على الأرض.

‎2- إن تدمير الجسور التي تربط طرفيْ المدينة من قبل طيران التحالف الدولي كان سلاحاً ذا حدّيْن؛ فقد كان سببا في التقدم والسيطرة على الجانب الأيسر بقطع الإمدادات العسكرية واللوجستية عن التنظيم.

والآن يشكل المانع المائي عقبة كبيرة أمام تقدم القوات للعبور إلى الضفة الثانية لسرعة جريان النهر، وعدم صلاحية الضفاف للتجسير بسبب ارتفاعها في كثير من المناطق، إضافة إلى وهن القوات أثناء العبور بحيث يمكن استهدافها بالقصف المدفعي والهاونات والقنص، وأعتقد أن معضلة الاحتفاظ بالهدف ستكون أصعب من الاستيلاء عليه.

‎3- أن عدم وجود خطة مسبقة لتهيئة مخيمات الإيواء سيترك آلاف المدنيين بالعراء، بسبب تدمير الجسور وعدم قدرتهم على النزوح باتجاه الجانب الأيسر، حيث يتوقع نزوح أعداد كبيرة جدا بمجرد أن تحتدم المعارك ويفقد التنظيم سيطرته على المدنيين.

وستجد هذه القوات نفسها أمام خيار خوض حرب شوارع عالية الكلفة؛ حيث يجيد مقاتلو التنظيم هذا النوع من القتال الذي يتميز بتحييد بعض عوامل قوة القوات المهاجمة، مثل القصف الجوي المكثف والمدفعي بعيد المدى، والقنابل ذات القوة التدميرية التي تلقيها القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى. ومن أجل فهم العوامل المتحركة في سير المعركة ومآلاتها، سيتناول التحليل أهمية الجانب الغربي من مدينة الموصل لطرفي المعركة، ومعوقات حسمها لأي منهما.

 علاوة على ذلك  أن تحرير الجانب الغربي من الموصل ليس مرتبط بالعامل العسكري، بل مرتبط ايضًا بتعقيدات سياسية لم تحسم حتى الآن، إذ إن غرب الموصل مرتبط بتلعفر التي تحاصرها قوات الحشد الشعبي من دون أن تقتحمها بسبب تحفظات محلية وإقليمية، فالحشد الشعبي والمدعوم من قبل النظام الإيراني يسعى لتعميق دوره في عملية الموصل والتوغل في مناطق جغرافية تحتل مكانة كبيرة عنده وقد تكون تلعفر بالنسبة للحشد أهم من استعادة مدينة الموصل نفسها لما تمثله بالنسبة للنظام الإيراني من أهمية ديموغرافية واستراتيجية، ومن هذا المنطلق قد تكون المعركة مدخلًا لصراع إقليمي بين كل من بينه وبين تركيا. فبحجة محاصرة داعش ومنع هروبهم باتحاه سورية يسعى الحشد الشعبي للتوسع في تلعفر لتأمين خطها البرى نحو سورية أولًا، وثانيًا وجود سكان شيعة فيها. وتشير تحليلات أن النظام الإيراني استطاع خلال الفترة الماضية من تأمين مناطق نفوذ تسيطر عليها ميليشيا الحشد الشعبي كما هو حاصل في ديالى التي تحكم من قبل ميليشيا بدر وكذلك في سامراء ومناطق استراتيجيية أخرى بينما تسعى إيران التوغل في تلعفر ضمن الهدف نفسه.

  ومن جانبها، فإن تركيا تلمح إلى تدخل عسكري في حال اقتحام الحشد الشعبي تلعفر متذرعة بوجود غالبية تركمانية من السنة والشيعة فيها. ينما يثير هذا الطرح المخاوف التركية التي أعلنتها حول احتمال تفجر صراع مذهبي واسع جراء مشاركة الحشد الشعبي في معركة الموصل وتداعياته ستنعكس على أمن تركيا بالنتيجة، والذي قد يقسم المنطقة إلى محورين سني ممثلًا بالسكان التركمان والذي توجه لطلب الحماية من تركيا وشيعي ممثلًا بالسكان الشيعة وميليشيا الحشد الشعبي وتقف وراءه إيران، لذا فإن مدينة تلعفر تحمل خطورة استراتيجية قد تدفع تركيا للتدخل العسكري كما حصل في سورية من خلال درع الفرات واندلاع صراع بين طائفي بين إيران وتركيا.

والمشكلة ذاتها تواجه مدينة سنجار ذات الغالبية الإيزيدية، ويسيطر عليها حزب «العمال الكردستاني»، وسط تحفظات تركيا وقوات «البيشمركة» التابعة لـ «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، بزعامة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني الذي يتعرض لضغوط كبيرة من أنقرة كي يتخلص من «الكردستاني»، فضلاً عن ضغوط داخلية كردية تطالبه بضم المدينة إلى الإقليم. فبين طهران وأنقرة دخل عنصر جديد إلى المعادلة الكردية العراقية، هو حزب العمال الكردستاني، فصار شريكاً للثنائي في سنجار وفي مناطق أخرى من الأقليم.

هناك من يخالف هذا التحليل ويرى أن معركة الجانب الغربي من الموصل لن تكون صعبة على الجيش العراقي، معللا ذلك بطبيعة أحياء الجانب الغربي من المدينة. لأن معظم أحياء هذا الجانب من المدينة ذات أزقة وممرات ضيقة ومزدحمة، وبالتالي فإن داعش لن يتمكن من استخدام أسلحته التقليدية وخصوصا العربات الملغمة، وهو ما سيفقده أهم سلاح ردع يمتلكه. ويرى المراقبون أن الجيش العراقي اكتسب خبرة جيدة خلال حربه في الجزء الشرقي من الموصل وغيرها من المدن العراقية التي كانت تحت سيطرة داعش وتعرف على أسلوبه في القتال داخل المدن والشوارع، وهو ما يرجح كفة الجيش خصوصا أنه يمتلك أسلحة أكثر تطورا من التي يمتلكها داعش، إضافة إلى الغطاء الجوي الذي يؤمنه التحالف الدولي وسلاح الجو العراقي. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق ما أهمية معركة الموصل للحكومة العراقية وداعش؟

تأتي أهمية الجانب الغربي من وجود أهم المؤسسات الحكومية، مثل مبنى المحافظة والبلدية ورئاسة محكمة نينوى والمجمع الحكومي ومديرية شرطة المحافظة ومؤسسات أخرى، منها معمل السكر ومعسكر الغزلاني ومطار الموصل وغيرها؛ كما يُرجَّح وجود مقرات قيادة داعش ومراكز سيطرته ومقرات إقامة قياداته وعوائلهم منذ سيطرته على المدينة التي تمثل معقله الحضري الأخير في العراق. وتشكِّل استعادة مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق من حيث الكثافة السكانية، أهمية بالغة للحكومة العراقية في طريق استعادة السيادة على كامل الأراضي العراقية واسترداد هيبة الدولة والقوات المسلحة، إضافة إلى أهميتها في ترتيب الأوضاع في مرحلة ما بعد انتهاء المعركة لتجنب انزلاق العراق إلى صراع محلي بين مكوناته التي تشكل مدينة الموصل تنوعًا عرقيًّا وطائفيًّا قابلًا للتفجر على خلفية الصراعات على السلطة والموارد بين مكونات المجتمع العراقي. وتُشير تقديرات إلى أنَّ ما بين 600 إلى 750 ألف نسمة يعيشون في الجانب الغربي من مدينة الموصل؛ ويثير وجود هذه الأعداد من السكان الخشية من أن تتسبب المعركة في إحداث دمار واسع بالأحياء السكنية ووقوع ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة.

 أما عن أهمية الجانب الغربي لمعركة الموصل بالنسبة لداعش، ففي 29 يونيو/حزيران 2014، أعلن أبو بكر البغدادي “دولة الخلافة الإسلامية” من أحد أكبر مساجد مدينة الموصل؛ منتهزًا فرصة مشاعر غالبية سكانها من العرب السنَّة الساخطين على سياسات الحكومة العراقية الإقصائية، ليقدِّم نفسه كحامٍ لهم من انتهاكاتها وانتهاكات ميليشياتها الطائفية. كما أن إنتاجها من الحبوب يشكِّل ثلث الإنتاج الكلي للعراق، وتضم مناطقها عددًا من الحقول النفطية التي توفر للتنظيم مصدرًا أساسيًّا من مصادر إيراداته المالية؛ إضافة إلى وقوعها على طرق برية تربط العراق بتركيا شمالًا وسوريا غربًا، وأهمية هذا الطريق للتواصل الجغرافي مع مدينة الرقة السورية، العاصمة المفترضة للتنظيم. وبعد خسارته الجانب الشرقي من مدينة الموصل، أصبح الجانب الغربي يمثِّل لداعش آخر ما تبقى من المدينة تحت سيطرته؛ وفي هذا الجانب تقع مراكز القيادة والسيطرة ومواقع تفخيخ العجلات وورش التصنيع العسكري للأسلحة والمعدات، إضافة إلى وجود عوائل قيادات ومقاتلي التنظيم.

 في نهاية المطاف ستتمكن القوات العراقية والتحالف الدولي من تحرير الموصل من قبضة داعش في وقت مبكر من هذا العام. لكن نظراً لنجاحات تنظيم «داعش» وأسلافه في تسجيل عودات مثيرة إلى المدينة في الأعوام 2004 و2007 و2014، من المبرر أن نتساءل ما الذي سيردع التنظيم أو أي جماعة مماثلة عن التواري عن الأنظار ثم النهوض مجدداً ونسف المكاسب الثمينة التي حققتها الحرب الراهنة. فقد كانت تجربة أهل الموصل مع «داعش» مريرة بالفعل، وزائر الشطر الأيسر من المدينة يمكن له أن يتلمس مستوى حماسة السكان لهزم «التنظيم» على رغم الأثمان الفادحة التي دفعوها. وهذا الكلام لا يسعى إلى القول أن «داعش» جسم غريب عن التركيبة هنا، انما الى القول أن ثمة تجربة قاسية فعلاً عاشتها المدينة في السنوات الثلاث المنصرمة، وهي تجربة لا تشبه كل التجارب المأسوية التي شهدها العراق في العقدين الفائتين، وهذا ما يجمع عليه السكان. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: ما هي العبرة التي يمكن أن نستخلصها من التاريخ؟

إرساء الاستقرار في الموصل: العبر المستخلصة بين 2008 و2014

على الرغم من أن الاتفاقات السياسية على “المشهد العام” لمستقبل الموصل قد تكون حاسمة في النهاية، تبقى الأولوية القصوى للتحالف العراقي-الدولي هي ضمان أمن الموصل بطرق عملية للغاية.

ويمكننا أن نتعلم الكثير عن الخطوات الحيوية القادمة في الموصل إذا نظرنا إلى فترتين مختلفتين من تاريخ الموصل الحديث.

 النجاح الجزئي عندما أولت الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً. بين عامي 2007 و2011، حققت “قوات الأمن العراقية” المدعومة من الولايات المتحدة نجاحات كبيرة، مما أسفر عن تقليص الحوادث الأمنية في المدينة من مستوى مرتفع للغاية بلغ 666 حادثاً شهرياً في الربع الأول من عام 2008 إلى متوسط 32 حادثاً في الربع الأول من عام 2011.

 فشل ذريع عندما أدارت الولايات المتحدة ظهرها. بين عامي 2011 و2014، انعكس المنحى، إلى أن زادت وتيرة الحوادث الأمنية الشهرية إلى متوسط بلغ 297 في الربع الأول من عام 2014. وبعد فترة وجيزة، استحوذ تنظيم «الدولة الإسلامية» على الموصل وثلث العراق في حزيران/يونيو 2014.

محركات إرساء الاستقرار الناجح، 2007 – 2011

يمكن بسهولة شرح النجاحات المنجزة بين عامي 2007 و2011 والإخفاقات المسجلة بين عامي 2011 و2014. فخلال الفترة الأولى، حرصت بغداد على ضمان استقرار الموصل وصبّ رئيس الوزراء العراقي (نوري المالكي آنذاك) تركيزه على الموضوع، فسمح بحلول وسط مثل العفو الجزئي وإعادة فتح باب التجنيد [للأجهزة] الأمنية لضباط النظام السابق. وأسفرت الانتخابات عن تشكيل مجلس محافظة ومحافظ [متفهم]، وأدت إلى تَمكُّن سكان الموصل من العرب السنّة في المناطق الحضرية من التماهي معه.

وعندما كان الجيش الأمريكي مترسخاً في الموصل لغاية عام 2011، نجحت “قوات الأمن العراقية” في إنشاء “وحدة قيادة” أساسية، وتمّ منح مناصب قيادية رئيسية إلى ضباط وقورين، من بينهم من سكان الموصل من العرب السنّة، ويُعزى ذلك جزئياً إلى إلحاح الولايات المتحدة في هذا الشأن. وتمّت زيادة عدد القوات الحكومية المتوافرة في الموصل، بما في ذلك من خلال التجنيد المحلي لأعداد كبيرة من سكان الأحياء العربية السنّية الأكثر فقراً من سواها في الموصل.

أسباب فشل محاولة إرساء الاستقرار، 2011-2014

خلال الفترة بين عامي 2011 و2014، على النقيض من [السنوات السابقة]، كان انتصار تنظيم «الدولة الإسلامية» مضموناً بسبب عدم توحيد الجهود وغياب وحدة القيادة بصورة مزمنة في أوساط الحكومة العراقية والفصائل الكردية وفصائل نينوى. فقد عمل كل من قادة محافظة نينوى المدعومين من الأكراد وبغداد لتحقيق أهداف متعارضة طوال فترة السنوات الثلاث.

وبالفعل، أسفر “مناخ القيادة” العسكرية الذي وضعه قادة بغداد المعيّنون سياسياً عن [قيام] قوات أمنية تنفّذ عمليات تهدف إلى إذلال ومعاقبة سكان الموصل الذين هم من الغالبية العربية السنّية. ومنذ أن بدأ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ولايته الثانية في عام 2010، قررت بغداد العبث بشؤون القيادة والتحكم في الموصل، فحلّت الهيكلية الأمنية غير المسيّسة إلى حد معقول التي كانت قائمة حتى تلك المرحلة. وقد أدّى التغيير المستمر للقادة إلى تدمير الالتحام المتبقي داخل “قوات الأمن العراقية”.

نظراً للفرصة الاستراتيجية التي يشكلها تحرير الموصل في المستقبل – فرصة قد لا تتكرر – يُعتبر استيعاب هذه العبر والاستفادة منها في غاية الأهمية. وعلى افتراض عدم تدفق قوات “البيشمركة” الكردية أو الميليشيات الشيعية إلى المدينة، وهي نتيجة يبدو أن التحالف حال دون تحقّقها، قد يكون سكان الموصل في البداية أكثر انفتاحاً على التعاون مع “قوات الأمن العراقية” من أي وقت مضى منذ عام 2003، وذلك بعد عامين ونصف من الخضوع لحكم داعش. غير أن سكان الموصل سيراقبون محرريهم عن كثب بحثاً عن أي مؤشرات على عودة إلى سيناريو عام 2014 عندما سادت التدابير العقابية وصدرت أوامر حظر تجول متشددة وانتشر شبح الاعتقالات على نطاق واسع.

أما على الصعيد السياسي، فلا بدّ من التوصل إلى إجماع حقيقي وواقعي على الحكم في نينوى، وليس مجرد سلسلة متغيّرة من التحالفات القائمة على مبدأ “عدوّ عدوي صديقي”. ولا تزال هذه العملية في مراحلها الأولى، إلّا أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة سجل انطلاقةً جيدة في هذا الصدد من خلال الجمع بين بغداد والأكراد، بالإضافة إلى قيادة محافظة نينوى لإجراء حوار عام. ويجب أن يقوم الاتفاق بين هذه الأطراف على قواعد أساسية بسيطة للسلوك السياسي المستقبلي. ففي مثل هذا الترتيب، يتعيّن على مجلس المحافظة وأي لجنة تنسيق أمني أن يكونوا جهات تتخذ قراراتها على أساس توافق الآراء.

وبالمثل، ينبغي على عملية التجنيد وإدارة شؤون الهيئات الحكومية المحلية والشرطة وفق صيغة محددة، أن تعكس تركيبة سكان المدينة ما قبل تنظيم داعش. ويمثل تجنيد السكان المحليين من المدن إلى قوات الشرطة، بما في ذلك الأقليات العائدة، أولوية. وعلى مستوى العمليات، تشمل المتطلبات تعيينات لقيادة مستقرة وغير مسيّسة وتوفير وحدة وتنسيق أكثر قوة بكثير بين قوات الأمن الاتحادية العراقية والكردية والمحلية في نينوى. لذا يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية التفكير في اتخاذ خمس خطواتٍ لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق ومنع عودة تنظيم داعش:

1. مواصلة التزام التحالف الدولي [بدعم] بغداد من خلال ضمان مساعدته لها في المجالات الآتية: الحفاظ على أمن الحدود العراقية (وخاصة مع سوريا)، والتعامل مع الإرهاب المتصاعد الذي من شبه المؤكد أن يظهر عند هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» كقوةٍ عسكرية شبه تقليدية، وخلق قاعدة لمشروع أمني متعدد الجنسيات الذي سيستمر ما بعد الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية». ويتمثل ذلك بالحفاظ على “قوة المهام المشتركة – »عملية الحل المتأصل«” كتحالفٍ دولي واسع النطاق عوضاً عن السماح بتراجعه إلى مجرد مهمةٍ أمريكية مع بعض الشركاء الصغار. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين على واشنطن الموافقة على حزمة جديدة من “صندوق تدريب وتجهيز العراق 2” (ITEF II) أمدها ثلاث سنوات لقوى الأمن العراقية لتغطية الأعوام 2017 إلى 2020 لتحل محل “صندوق تدريب وتجهيز العراق” (ITEF) الذي يغطي الأعوام 2014 إلى 20177.

2. إعادة النظر في مقاربة “قوة المهام المشتركة” لمساعدة قوى الأمن، والارتكاز على نجاحات التدريب في العام المنصرم من أجل إنشاء قوةٍ عراقية أكثر فعالية لمكافحة التمرد. وبدلاً من محاولة خلق قوة عسكرية غربية مصغرة، يتعين على الولايات المتحدة والدول الحليفة لها أن تأخذ في عين الاعتبار خياراتٍ جديدة تدرك الحقائق الثقافية المحلية، وذلك لتفادي الهيكليات التحفيزية التي تولّد الفساد وتمنع القوات العراقية من التحضير للعمليات القتالية وتحقيق الاستقرار بالشكل المناسب. وبالإضافة إلى تعزيز الشراكة في السياسة العراقية، ستشكّل هذه الإجراءات السبيل الأفضل لمنع عودة تنظيم «الدولة الإسلامية» ونمو النفوذ الإيراني من خلال «وحدات الحشد الشعبي».

3. مساعدة بغداد على مقاومة الضغوط لإضفاء الطابع المؤسسي على «وحدات الحشد الشعبي» المناصرة لإيران كقوة عسكرية كبيرة وموازية، ومموَّلة تمويلاً جيداً وباستطاعتها منافسة قوى الأمن العراقية. ويتمثل السبيل الأفضل لتحقيق ذلك في الانتصار في معركة الموصل دون الاعتماد بشكلٍ كبير على «وحدات الحشد الشعبي»، ومن ثم الحفاظ على جهودٍ دولية قوية وفعالة لمساعدة قوى الأمن. ومن المهم أيضاً الانتباه إلى العدد الكبير من الضباط في “جهاز مكافحة الإرهاب” في الرتب العالية في الجيش العراقي. فلن تحظى الولايات المتحدة بشركاءٍ على المدى البعيد أهم من هؤلاء الضباط المدربين على يدها، لذلك من الضروري الاستماع إليهم وحمايتهم من تخويف الميليشيات ودعمهم في مسيرتهم.

4. ردع إيران من خلال الإشارة بهدوء إلى أنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي هجمات للوكلاء الإيرانيين على جنودها في العراق.ويشمل ذلك توضيح أنّ مثل هذه الحوادث سيكون لها عواقب سلبية على مستشاري إيران في المنطقة، وكذلك على السفن البحرية لـ «الحرس الثوري الإسلامي» إذا ما قامت بتظليل السفن الأمريكية في الخليج. ولتعزيز مصداقية هذه التحذيرات، يتعين على واشنطن الاستمرار في ردع نشاطات شركاء إيران المزعزعة للاستقرار في أماكن أخرى في المنطقة، مثل قوات الحوثيين التي تسعى إلى عرقلة حرية الملاحة في مضيق باب المندب.

5. التحضير لحملةٍ للإعلام والنفوذ توثّق النشاطات الإيرانية المعيبة في العراق، بما فيها الممارسات التجارية غير العادلة، والتأثير غير المبرر في السياسة، ورعاية العنف ضد العراقيين. ومثل هذه الحملةٌ قد تؤمّن نقاط قوةٍ ضد إيران، خصوصاً إذا تم استخدام المعلومات كطلقةٍ تحذيرية ونشرها عبر وسائل الإعلام التي لا تميل عادةً إلى واشنطن. ولم تتمتع إيران قطّ بشعبيةٍ كبيرة في العراق، حتى في صفوف الشيعة (على الرغم من أن المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» قد قللت هذا الاستياء). لذلك، قد يهتمّ العراقيون لمعرفة الثمن الحقيقي للدعم العسكري الإيراني وإيرادات الغاز والكهرباء، وكيف أنّ الإكراه والعنف يشكلان الوجه الحقيقي المُخبأ للسياحة الدينية الشيعية ذات الأغلبية الإيرانية، وكيف أنّ إيرادات المواد الغذائية من إيران المعفاة من رسوم جمركية لها تأثير سلبي على المزارعين العراقيين. وأخيراً، إن هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق قد تُخفض الدعم المحلي للوجود الايراني المكلف في سوريا، مما يخلق ظروفاً مواتية لحملة نفوذ في إيران تسلط الضوء على هذه التكاليف وتعقّد قدرة طهران سياسياً على إبراز قوتها في المنطقة. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هل تستطيع إدارة دونالد ترمب هدم البيوت التي بناها النظام الإيراني في العراق وتصحيح خطأ السياسة الأامريكية في العراق بعد عام 2003م؟.

 يتفق المراقبون للشأن العراقي أن معركة تحرير الموصل ستكون فاصلاً لمرحلة مقبلة يكون العراقيون فيها أمام خيارين لا ثالث لهما، أما اختيار قيادات جديدة تنقذ البلد من الانهيار الشامل الذي وصل إليه جراء سياسات التطرف المذهبي والعنصري وتفشي الفساد والفشل منذ 2003 أو البقاء على العقلية الحاكمة نفسها التي ستجر البلد حتما نحو مزيد من التدهور والانقسام والأزمات وحروب لا أول لها ولا آخر في صراع حول المناطق والمصالح ولخدمة مشاريع الدول الأخرى، التي جاءت لنا بسيناريوهات الفتنة الطائفية و«القاعدة» و«داعش» وغيرها مما يخفيه من يخططون سياسات المنطقة.

في الختام بعد «داعش» ينتظر العراق استحقاقات العلاقة العربية الكردية، والشيعية السنية، والكردية السنية والكردية الشيعية، ناهيك عن العلاقات البينية داخل كل مركّب من هذه المركبات، وجميعها عرضة للانفجار.  لذلك لا أحد متفائل بمرحلة ما بعد الحرب في الموصل على رغم أن نصراً يلوح.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email