بلاد ما بين النهرين،، بين موارد عظيمة وفقر مدقع

بلاد ما بين النهرين،، بين موارد عظيمة وفقر مدقع

64

شذى خليل*

يعيش المواطنون في بلدان العالم الثالث غير النفطية حالة من الفقر والحاجة، وذلك أمرٌ طبيعي، ولكن الغريب المستهجن ان يعيش المواطن العراقي بفقر ومستوى دخل متدن، وانعدام للخدمات وتدهور البنى التحتية، وأكثر من ثلث مواطنيه تحت خط الفقر، في بلد يعد من البلدان الغنية بالنفط والغاز، ومختلف الثروات الطبيعية، ويجري في ارضه نهران عظيمان دجلة والفرات اللذان يجلبان الخير العميم بتوفير المياه للزراعة المتنوعة، وذلك مؤشر لحجم التخبط والفساد المالي والإداري الذي يعصف بالعباد والبلاد، في البلد الذي يصنف بأنه “بلد نفطي”؟
يذكر الخبير المالي والاقتصادي، الدكتور همام الشماع، أنه “لم يعد أحد من العراقيين يصدق أن العراق البلد الثري، فيه فقر مدقع، حيث تعمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على مساعدة جميع شرائح المجتمع ، لكن امكانات البلد الضعيفة في ظل الازمة المالية، والفساد المالي والاداري، وانخفاض الاحتياطي ، وتفاقم النفقات والحرب ضد داعش ، ادت ضعف الامكانات معالجة السلبيات في المجتمع العراقي .

وتعد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية من الوزارات القديمة اذ استحدثت بموجب المرسوم المرقم (59) لسنة 1939، الذي حدد التقسيمات الادارية لها، ثم صدرت انظمة عديدة تم تعديل تقسيمات الوزارة بموجبها مثل النظام رقم 48 لسنة 1941، ونظام الوزارة رقم (79) لسنة1946، والنظام رقم (38) لسنة 1952، ونظام الوزارة رقم (48) لسنة 1959، وفي هذه الانظمة كانت تستحدث مديريات يتم ضمها للوزارة التي كانت تتوسع باستمرار في التقسيمات الادارية والاختصاصات
وتضم العديد من دور الرعاية للمسنين والمحتاجين والمشردين والمكفوفين والايتام، وتسعى الوزارة الى رفع المستوى المعاشي، وتقليل الضرر على جميع شرائح المجتمع التي هي تحت خط الفقر، لكن الازمة والظروف المالية والحرب ضد الارهاب اضعفت من احتياطي للبلد ، مما اسهم من تفاقم الازمة الاجتماعية.
وتعتمد الوزارة ثلاث مراحل لتحديد خط الفقر ، الاولى: تهيئة بيانات المسح الاجتماعي والاقتصادي في العراق ، والثانية: اعداد تقييم الفقر ، وتحليل بياناته واثاره الاجتماعية، والثالثة والاخيرة: اعداد استراتيجية تخفيف الفقر وتوليد العمالة وشبكة الحماية الاجتماعية.

واثبتت الدراسات في عملية المسح الاجتماعي والاقتصادي لسنة 2012، ان محافظة المثنى هي الافقر بين محافظات العراق بنسبة 52.5%، تليها القادسية 44,1% ، ثم محافظة ميسان بنسبة 42,3% .
ونسبة الامية للفئة العمرية 10 سنوات بين فئة الفقراء 27,2% ، و 16,8% غير الفقراء وهذه مؤشرات سلبية لبلد يمتلك حضارة عريقة وثروات نفطية وغير نفطية.

التعليم والفقر وسوق العمل..
يتعارض الفقر مع التعليم، فحيث ينتشر الفقر، تنتشر الأمية والتسرب من الدراسة، واثبتت الدراسات علاقة عكسية بين مستوى الدخل ومستوى التسرب، فكلما انخفض الدخل، ازدادت إمكانية تسرب الطلبة من قطاع التعليم .
ولوعدنا الى التاريخ القريب، نجد ان سنوات العقوبات الاقتصادية في تسعينيات القرن الماضي، قضت على مكاسب قد تحققت طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، المرتبطة بارتفاع معدلات معرفة القراءة والكتابة وزيادة نسبة المسجلين في الدراسة، وانخفاض معدلات التسرب، وفرضت الصعوبات الاقتصادية على العوائل الدفع بالأطفال للعمل لإعالة أسرهم أو لان التعليم لم يعد جذابا مع تدني العائد من الوظائف العامة.
كما فرضت تدنى نسبة التسجيل في جميع مراحل التعليم، لكل الأعمار من 6-23 سنة بنسبة 53%، وبروز الأمية بين الشباب والنساء بمنتصف الثمانينيات.

وتشير أرقام اليونسكو إلى أن معدلات التسرب من المدارس الابتدائية ازدادت من 95692 عام 1990 إلى 131658 عام 1999، كما تسرب 26394 معلماً ومدرساً وموظفاً.
وعانت الأبنية المدرسية، نقصا شديدا، سواء خلال التشييد أو الصيانة، ويشير الواقع إلى نقص حاد في احتياجات المدارس من الأثاث والتجهيزات والمواد التعليمية والتقنية، الأمر الذي أدى إلى ترد كبير في المستوى التعليمي، وزيادة المشكلات السلوكية غير المرغوبة، وضعف دافع التعليم للطلبة ومتابعة أوليائهم، وضعف شديد في مستوى الكادر التعليمي.

وتعد معدلات رسوب الأطفال العالية 20% دليلا على سوء نوعية التعليم، وأخذت اتجاهات معرفة القراءة والكتابة منـحى مقلقا، حيث إن معدلات تلك المعرفة في الفئة العمرية بين15-24 سنة أدنى منها في الفئة 25-34 سنة، بالرغم من التوسع الظاهر في التعليم الأساسي في العراق خلال السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما يعود إلى تدهور النظام التعليمي خلال حقبة الحصار.
والمحصلة ان عجز نظام التعليم عن إنتاج خريجين مؤهلين للعمل، ولم يفلح في إكساب الطلاب المهارات التي يحتاج إليها القطاعين العام والخاص وبهذا ينعكس على جودة اليد العاملة و مقتضيات التنمية الاقتصادية في العراق.

وابتعد كثيرا عن تعزيز القدرات الإبداعية، وتجسيد ذلك الفشل في صور ارتفاع معدلات البطالة والعمالة الناقصة.
وتؤشر البيانات الى ان مئات الآلاف من العراقيين اجبروا على الولوج في معترك الحياة دون تعليم كاف، ودون مهارات مناسبة لاحتياجات سوق العمل.
اذ تمثل العمالة الآلية التي تترجم التعليم إلى نمو منصف موزع بشكل جيد، وبانقطاع الصلات بين التعليم والعمالة، تُهدر موارد هامة وتتضاءل العوائد من التعليم، لذا فارتفاع نسبة البطالة بين الحاصلين على شهادات جامعية يعكس أزمة التعليم العالي في العراق، حيث نوعية التعليم في تراجع منذ الثمانينيات مع فشل المؤسسات التي تحكم نظام التعليم في تطوير مستويات هيئات التدريس والبنية التحتية المتعلقة بالتعلم والمناهج، أو حتى الحفاظ على المستويات نفسها ومنع تدهورها، والواقع ان حوافز هيئات التدريس ونوعيتها تدهورت مع اشتداد سنوات الحصار وما رافقها من موجات من التضخم الجامح وتدني مستويات الأجور الحقيقية وانعدام الاستثمار في مجال التدريب.

فمعظم القوى العاملة العراقية كانت تلقت تعليما غير جيد، وباتت غير قادرة على الاستقلال الفكري، ولم تتمكن من مواصلة التعلم إلى ما بعد الحدود التقليدية للتعليم المدرسي.
كما أن التعليم في العراق غير قادر على تقديم مهارات سوق غير أكاديمية (كالتفكير الإبداعي، الابتكار، العمل الجماعي، الثقة بالذات، المبادرة، تحمل المسؤولية، الالتزام بالمواعيد، الأمانة….) لذا فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى طرائق غير تقليدية في التدريس تضمن غرس هذه المهارات في مراحل مبكرة من عملية التعلم.
إن عدم توفر المهارات الجيدة، يعني استمرار تخلف رأس المال البشري في العراق، الأمر يمكن أن ينعكس على عمليات البناء وإعادة الإعمار من خلال الفشل في جذب الاستثمار الأجنبي، وزيادة في حدة البطالة والفقر والتوتر الاجتماعي.
ويتوجب على النظام التعليمي استهداف العاطلين من العمل إضافة إلى الفئات المهمشة الأخرى، ولهذا يجب تنفيذ برامج لإعادة تدريب العمال وإعادة تأهيلهم، ويجب أن تركز هذه البرامج على الفئات المعرضة لخطر الفقر، أي العمال غير المهرة والنساء، والفئات لا تملك المهارات التي تمكنها من المنافسة في سوق العمل.
ومن الاسباب التي اسهمت في هذا التردي وخلقت جواً من الظروف الصعبة, فقدان الأمن حيث يستفحل الإرهاب ويوتر الوضع الأمني في البلد.

ولم يتوقف هذا التراجع على الجوانب الاقتصادية والأمنية في البلد فقط, بل طال الجانب العلمي ايضا , فمنذ سنوات عديدة نلاحظ تراجع في المستوى الطالب الدراسي, بعدما شهدت منظمة يونسكو بأن العراق قبل حرب الخليج الثانية 1991 كان يمتلك نظاما تعليميا يعد من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة, ولكن الوضع بدأ يتدهور بسرعة بسبب عدة حروب إضافة الى العقوبات الاقتصادية التي فرضت على العراق.
ومن أبرز انعكاسات الفقر على المجتمع استشراء مظاهر الفساد وتعميقه في المجتمعات، حيث قد تدفع الحاجة الفرد للجوء إلى الطرائق والأساليب غير المشروعة من أجل تأمين لقمة العيش، وانتشار جرائم الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة.

الاثر الاقتصادي للفقر :
يعد الفقر في العراق ظاهرة خطيرة برزت في التسعينيات نتيجة الحروب والدمار ، الذي تعرض له في الحرب العراقية ، الايرانية، التي اثقلت ميزانية الدولة بالإنفاق العسكري ، من خلال تخصيص معظم الميزانية للدفاع وشراء الاسلحة والمعدات الحربية ، ثم تلتها سنون الحصار الاقتصادي، الذي فرض عليه بعد حرب الكويت ، اذ بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر 70% من سكان العراق .
وبعد 2003 حيث وقعت الحرب والاحتلال الامريكي ، والنزاعات الطائفية والتهجير القسري، التي استمرت لسنوات ومازالت موجودة انتشرت بشكل كبير مظاهر الفقر ، كالأمية ، وسوء التغذية وارتفاع معدلات البطالة ، وتضاؤل دخول الافراد وظهور العشوائيات .

وتعمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية على تحسين مستوى المواطن، اذ اوضح محمد شياع السوداني، وزير العمل والشؤون الاجتماعية في لقاء صحفي في يوم 3/1/2017 ، ان الوزارة بدأت منذ 2015 بتنفيذ مسوحات لتسجيل المستحقين ، اذ تعد مفردة من مفردات قانون الحماية الاجتماعية .
وقال السوداني ان الوزارة ترسل نتائج المسح الى وزارة التخطيط التي تحلل البيانات ، وترسل نتائجه الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، اذ تم استبعاد من هم فوق خط الفقر ، وشملت المسوحات الجديدة 93,000 الف مواطن يحصلون لأول مرة على اعانات اجتماعية.
واكد السوداني ان الاعالة تعتمد على دخل العائلة ، وليس دخل الفرد لانه ادق المعايير الدولية ، التي تعتمد على منهجية دقيقيه ( مصادر الدخل البديل )، لتحقيق كفاءة ودقة في معرفة عدد الفقراء، فقد تبين في محافظة ديالى ان وجود مقاولين وصياغ ، يتقاضون رواتب الخدمة ، اذ تم استبعاد 16,000 الف شخص ، وتم قطع رواتبهم .
الاستراتيجية الجديدة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية :
من اهم ركائز الاستراتيجية الجديدة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية كما يقول السوداني :
1- كل مواطن يستحق الاعانة الاجتماعية سوف يحصل عليها بموجب قرار.

2. يعطي الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 أهمية كبيرة لشبكة الحماية والضمان الاجتماعي، إذ تنص 3 من مواده (22 و29 و30) على أن تتولى الدولة مسؤوليتها في رعاية الشرائح الضعيفة بما يكفل لهذه الشرائح كافة مقومات الحياة الكريمة.

3. يعد الفقر اليوم من الظواهر العالمية الخطيرة التي لا يمكن القضاء عليها، إذ تشير الدراسات إلى أن نصف سكان المعمورة يعيشون تحت خط الفقر في الوقت الحالي وأهم أسباب الفقر التي تم تشخيصها، حجم الأسرة، الصراعات والأزمات، سوء توزيع الثروات، تدني المستوى التعليمي، البطالة، الفساد والبيروقراطية.

4. سيطرة تنظيم داعش الإرهابي في 2014 على بعض المحافظات العراقية كان سبباً رئيسياً في عدم تحقيق الأهداف التي حددتها استراتيجية تخفيف الفقر وتحقيق التنمية والتي أطلقتها الحكومة العراقية في 2009.

5. تستند “هيئة الحماية الاجتماعية” المؤسسة في 2014 على معايير خط الفقر كأساس في تحديد الفئات المستهدفة للدخول تحت مظلة الحماية الاجتماعية بدلاً من الاستهداف الفئوي الذي كان معتمداً في القوانين السابقة والذي تسبب في وقته بإضعاف البرنامج وصرف أموال الدولة إلى جهات غير مستحقة وجهات داعمة للإرهاب.

6. من أهم البرامج التي تتبناها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والتي ستسهم في كسر حلقة توارث الفقر، برنامج “الدفعات النقدية المشروطة”، الذي يوجب تسجيل الأطفال دون سنة الثامنة عشرة في المدارس والالتزام بمراجعة المراكز الصحية شرط رئيس للحصول على هذه الدفعات، وبرنامج المساعدة في الدخول إلى سوق العمل بواسطة التدريب المهني وتوفير القروض التي تساعد في فتح المشاريع الصغيرة.

7. تسهم عمليات البحث الاجتماعي التي تقوم بها هيئة الحماية الاجتماعية عبر باحثين مدربين ومعايير علمية منهجية، بتعزيز العلاقة مع المواطن وإنصاف الأسر الأكثر فقراً إضافة إلى كشف المستفيدين غير المستحقين لرواتب الحماية الاجتماعية.

8. تشكل تكنولوجيا المعلومات مفصلاً مهما في عمل هيئة الحماية الاجتماعية، إذ يتم الاعتماد حالياً على استمارات التسجيل الإلكتروني (استلمت الهيئة مليون طلب خلال 35 يوما فقط) إضافة إلى اعداد قاعدة بيانات موحدة خاصة بشبكات الأمان الاجتماعي، ومن المقرر لها أن تكون مرتبطة بقاعدة بيانات سجل البطاقة الوطنية.

9. تحتوي خارطة الطريق الاستراتيجية التي أعدتها وزارة العمل بالتعاون مع البنك الدولي على ثلاث ركائز أساسية يتم الاعتماد عليها في تطبيق نظام الحماية الاجتماعية وهذه الركائز هي: شبكات الأمان الاجتماعي، التأمينات الاجتماعية، سياسات سوق العمل.

وقد ركز وزير العمل والشؤون الاجتماعية على توصيات من شانها تقليل مخاطر الفقر وانعكاساته السلبية على المجتمع العراقي، ومنها :
1. تجنب التوزيع غير المستهدف لموارد الدعم التي تقدمها الدولة مثل البطاقة التموينية والمنح، لأن هذا النوع من التوزيع يقلل من التخصيصات المالية التي تصل بشكل فعلي إلى الفقراء.

2. توسيع التخصص في درجات وظيفية أكثر للوزارة ، كي توفر اعدادا كافية من الباحثين الاجتماعيين، إذ من المخطط أن تغطي هيئة الحماية الاجتماعية أكثر من مليون عائلة مستفيدة وهذا العدد يستوجب توفير 4000 باحث اجتماعي مدرب.

3. زيادة التوعية الإعلامية الموجهة للمواطن لتعريفه بأهداف هيئة الحماية الاجتماعية والدور الذي تقوم به برامج هذه الهيئة في توفير الحياة الكريمة لكل أبناء الشعب العراقي.
4. توجيه مؤسسات الدولة للاعتماد في تعييناتها على قاعدة بيانات العاطلين من العمل التي توفرها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

5. تنفيذ مرحلة الشراكة الحكومية مع القطاع الخاص في وقتها المقرر ضمن الاستراتيجية التي تم وضعها في 2014 لتفعيل هذا القطاع وتمكينه من أن يأخذ دوره الحقيقي في السوق العراقية.

6. تحديث المناهج الدراسية المقررة في الجامعات والمعاهد العراقية بما يؤهل الخريجين للانخراط في سوق العمل بشكل مباشر وتقليل نسب البطالة في المجتمع.

7. زيادة نسبة الاشتراكات المقررة على أرباب العمل في صندوق تمويل التقاعد والضمان بدفع 12% من أجر العامل وفق قانون التقاعد والضمان الاجتماعي.

وحدة الدراسات الاقتصادية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email