كابوس ترامب التركي: الحدود المميتة لدبلوماسية الدكتاتور

كابوس ترامب التركي: الحدود المميتة لدبلوماسية الدكتاتور

95

طوى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهاني ترامب ووضعها في جيبه، وباشر حملات قمع جديدة، وهاجم القوات الكردية في سورية، التي تضم مستشارين أميركيين -في توطئة لزيارته القادمة للبيت الأبيض.
*   *   *
إسطنبول- بعد أسبوعين من اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتهنئته بفوزه في الاستفتاء الذي يقول منتقدون أنه سيقود إلى حكم الرجل الواحد، أطلق الزعيم التركي حملة قمع محلية جديدة، وألمح إلى أنه مستعد لمواجهة الولايات المتحدة فيما يتعلق بسياستيهما المتعارضتين بحدة في سورية. وإذا ساءت تلك المواجهة، فمن الممكن أن تصبح القوات الأميركية عرضة للخطر.
يأتي هذا في وقت يبدو فيه ترامب عاكفاً على خطب ود الرجال الأقوياء حول العالم، على أمل أن تجلب قوة شخصيته، بالإضافة إلى موقعه، التنازلات والتعاون. وكان أحدث تطور في هذا السياق وصف ترامب الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، بأنه “كعكة ذكية” وقوله إنه “يتشرف” بالاجتماع معه مباشرة “في ظل الظروف المناسبة”.
يجب أن تؤخذ التجربة التركية كمثال تحذيري. فقد عمد أردوغان أساساً إلى وضع مصادقة ترامب على الاستفتاء وافتقاره الواضح للقلق من انتهاكات لحقوق الإنسان، في جيبه، ليستمر في انتهاج سياسات أمنية قومية تتضارب مباشرة مع أجندة واشنطن -حتى فيما هو يستعد للاجتماع مع ترامب في البيت الأبيض يوم 16 أيار (مايو) الحالي.
بكل مقياس، تبدو أفعال أردوغان استفزازية لأنها تصدر عن حليف للناتو، والذي ما يزال يأمل في تدشين بداية حقبة جديدة من تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بعد عداوة مريرة في السنوات الأخيرة من ولاية إدارة أوباما.
في مكالمتهما الهاتفية بعد الاستفتاء، كما أعلن البيت الأبيض، بحث ترامب وأردوغان “الحملة المضادة لتنظيم داعش، والحاجة إلى التعاون ضد كافة المجموعات التي تستخدم الإرهاب لتحقيق غاياتها”. لكن من الواضح أنه لم يكن هناك تطابق في الأفكار.
سمن القوات المسلحة التركية مؤخراً غارات قصف غير مسبوقة ضد المليشيات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة في سورية والعراق. وعندما احتجت الولايات المتحدة على الافتقار للتشاور المسبق، نفذ الأتراك المزيد من الضربات الجوية وبالمدفعية. وقال الجيش التركي أنه قتل في هذه العمليات 89 “إرهابياً.”
لكن أردوغان لم يكن الوحيد الذي يرسل إشارات. فقد رد الجيش الأميركي عبر إرسال دوريات مشتركة على طول الحدود السورية-التركية؛ حيث تواجد الجنود الأميركيون مباشرة مع أعضاء في ميليشيات قوات حماية الشعب الكردية التي كان أردوغان قد قصفها، ثم أرسلت ممثلين لتفقد الأضرار ولحضور جنازات بعض الذين قتلوا في القصف التركي.
ثم في يوم الأحد في الأسبوع الماضي، رمى أردوغان القفاز. وقال: “هذا الأمر يحتاج لوضع حد له. وإلا، سيكون علينا أن نتعامل مع المسألة بأيدينا”.
وهناك الآن الخطة التي تعدها إدارة ترامب لغزو الرقة، العاصمة المعلنة ذاتياً لمتطرفي “داعش” في شمال شرق سورية. ووفق الخطة، يفضل الجيش الأميركي بقوة الاستمرار في استخدام مليشيات قوات حماية الشعب الكردية لتكون ممثلة لقوته البرية، متجاهلاً صلتها المباشرة مع حزب العمال الكردستاني، الحركة الانفصالية الكردية التي تعيش حالة حرب مع تركيا.
وكان أردوغان قد قال مرات عديدة أن الدولة حليفته في الناتو يجب أن لا تقاتل مجموعة إرهابية بمجموعة إرهابية أخرى، وعرض إرسال قوات تركية إلى جانب مجموعات مدربة من الثوار السوريين بدلاً عنها.
من جهتها، نشرت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية رسماً غرافياً في الأسبوع الماضي، يقول إن تعاون الولايات المتحدة مع حزب العمال الكردستاني وتابعه السوري ينتهك معاهدة الناتو التي تلزم أطرافها بالحفاظ على أمن بعضهم البعض وتعزيزه.
ومحذراً من هجوم تركي أحادي الجانب، قال أردوغان يوم الأحد الماضي: “إننا قد نأتي بين عشية وضحاها، فجأة ومن دون سابق إنذار”.
وبدت نبرة أردوغان وتصرفاته مثيرة للسخط مقارنة بترامب الذي يتهم عادة بأنه باستخدام بأسلوب إعلام عدواني وغير دبلوماسي. وفي الحقيقة، تعامل ترامب مع أردوغان بقفازات صبيانية، جاعلاً المكالمة الهاتفية التي استغلت دعائياً بشكل كبير والتدخل التركي تأتيان معه إلى واشنطن.
وقفت كلتا الإيماءتين في تضارب صادم مع أوباما الذي كان قد انتظر أربعة أيام بعد الانقلاب الفاشل في تركيا في العام الماضي قبل أن يتصل بأردوغان، ويؤكد دعم الولايات المتحدة لتركيا.
ربما يكون أردوغان بصدد محاولة استعراض عضلاته السياسية بعد الاستفتاء الدستوري المثير للجدل. ويرفض حزب الشعب التركي الذي يعتبر المعارضة الرئيسية في البلد الاعتراف بنتيجة الاستفتاء الذي انتقده مراقبون دوليون، وقالوا إنه أدير بشكل غير نزيه لتعزيز التصويت بـ”نعم”.
لكن العامل الآخر في موقف أردوغان هو أن الإدارات الأميركية المتعاقبة قللت من أهمية الموضوع الكردي. وليس هذا الموضوع أعلى موضع قلق أمني قومي لتركيا، فقط بل إنه يعتبر أيضا موضوعاً كبيراً في السياسة المحلية، حيث يتمتع أردوغان بدعم واسع من مختلف الأطياف الحزبية لموقفه المتشدد ضد الانفصاليين الأكراد.
بينما يعمد إلى تحدي ترامب لتغيير خططه لقتال “داعش”، يعكف أردوغان على تنفيذ حملة قمع محلية. فيوم 16 نيسان (أبريل)، الليلة التي أعلن فيها تحقيق الفوز في الاستفتاء، مدد أردوغان حالة الطوارئ التي كان قد أمر بها بعيد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز(يوليو) الماضي، وهو الأمر الذي يتيح له الحكم بمرسوم لثلاثة أشهر أخرى.
وقام أردوغان بتعليق عمل أكثر من 9.000 ضابط شرطة، وباعتقال أكثر من 1000 آخرين، بدعوى أنهم “أئمة سريون” أو قادة حلقات. واتهموا كلهم بأن لهم روابط مع فتح الله غولن، رجل الدين الإسلامي الذي يعيش في الولايات المتحدة والذي يتهمه أردوغان بأنه وقف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعفت مراسيم رئاسية جديدة حوالي 4.000 موظف عام من مناصبهم. وقد تم تعليق عمل أكثر من 100.000 موظف عام في وظائفهم منذ تموز (يوليو) الماضي.
لكن الحملة توسعت لتشمل الحياة الاجتماعية والإنترنت أيضاً. فقد أغلق مجلس الإشراف على الاتصالات التابع للحكومة كل طرق الوصول إلى ويكيبيديا، موسوعة الإنترنت بسبب “عملها مع مجموعات تشن حملة ضد تركيا”، وفق ما ذكرته وكالة أنباء الأناضول.
وحسب الوكالة، كشفت قراءة متأنية لبعض المواد الرئيسية عن تركيا عن وجود ميل انتقادي مدعوم باقتباسات محددة. واحتوت عدة مواد على مزاعم بأن حكومة أردوغان كانت لها روابط اقتصادية وغيرها مع “داعش”. وافتقرت في الجزء الأعظم منها إلى رد من الحكومة التركية، لكن ذلك حدث أيضاً لأن أردوغان الذي قمع الحرية الصحفية بشكل درامي في الوطن، قيد بشدة وجود وتوفر مسؤولين حكوميين في الإعلام الإخباري.
كما حظر أمر طوارئ آخر في عطلة نهاية الأسبوع الماضي كل برامج المواعدة التلفزيونية. وذكرت صحيفة “حريات” التركية المستقلة أن مسؤولين من حزب أردوغان، العدالة والتنمية، كانوا قالوا إن تلك البرامج تلقت آلاف الشكاوى في كل عام. لكن الإجراء كان فيما يبدو إيماءة لإرضاء الدائرة الانتخابية المحافظة التي ينتمي إليها أردوغان.
وكانت الأوامر قد صدرت من دون أي بيان رسمي أو أي تفسيرات أخرى. ونسبت صحيفة “حريات” إلى مسؤول في حزب تركي معارض قوله إن هذه القوانين القوية تلغي عمل البرلمان. ونقلت الصحيفة نفسها عن هذا المسؤول، سيزغن تانريكولو، تساؤله: “هل كانت برامج الزواج هي التي نظمت المحاولة الانقلابية؟ وهل أعلنت حالة الطوارئ لأجل معالجة برامج الزواج؟”.

روي غوتمان

صحيفة الغد

Print Friendly, PDF & Email