rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

متى تكون الزيارة تاريخية؟

*معمر فيصل خولي

على الرغم من أهمية الزيارة التي قام بها دونالد ترمب للمملكة العربية السعودية ولقائه بالملك سلمان بن عبدالعزيز وتوقيع على عدة اتفاقيات في مختلف المجالات بلغت قيمتها 460 مليار دولار أمريكي، وانعقاد القمة الأمريكية الخليجية، والقمة العربية الإسلامية الأمريكية، إلا أنه من الصعوبة بمكان وصف هذه الزيارة على أنها “تاريخية”. وذلك لثلاثة أسباب. أولًا: لم يمض على رئاسة  دونالد ترمب للولايات المتحدة الأمريكية سوى بضعة شهور فقط  لذا لا ينظر لزيارته على  إنها تاريخية وإن بدأت أولى زياراته الخارجية للمملكة العربية السعودية.ثانيا: زيارة ترمب للمملكة ليست أولى من نوعها لرئيس للولايات المتحدة الأمريكية إذ سبقه في ذلك عدد من الرؤساء الأمريكيون السابقون وكان آخرهم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. ثالثًا: تتسم العلاقات الأمريكية السعودية بالشراكة الاستراتيجية وضع أسسها خلال اللقاء التاريخي بين الملك السابق عبد العزيز بن سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على ظهر الباخرة كوينزي عام 1945م. وشهدت العلاقات الدولتين عبر تاريخهما الطويل عدة محطات كانت في أغلبها ممتازة وإن لم تخل في أحيان عديدة مما يعكر صفوها، ولكن الطرفين أظهرا باستمرار حرصا على تجاوز اللحظات الصعبة وإعادة المياه إلى مجاريها كلما اتجهت الأمور نحو التوتر.

فمسألة اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترمب المملكة العربية السعودية لتكون أول محطة في أول جولة له خارج الولايات المتحدة مؤشرا على بدء مرحلة جديدة في العلاقات السعودية الأميركية التي شهدت حالة من “التوتر” في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. لذا وفق هذه الأسباب لا توصف زيارة الحلفاء أو شركاء الاستراتيجيون لبعضها البعض على أنها تاريخية. لكن متى حقًا يمكن وصف زيارة ما على إنها تاريخية في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط؟.

الزيارة التاريخية تكمن في حال قيام الملك سلمان بن عبدالعزيز في زيارة طهران ولقاء السيد علي خامئني مرشد الثورة الإيرانية أو العكس تمامًا. فالعلاقة -كما هو معروف- بين المملكة العربية السعودية وإيران تتجاذبها التنافس في العراق ولبنان وحرب بالوكالة في سوريا واليمن. فلقائهما قد يمهد الطريق لتسوية الصراع الذي لا يخدم مصالح شعوب ودول منطقة الشرق الأوسط  كما إن هذا النوع من الزيارة تعتبر -بما لا يقطع مجالًا للشك- تاريخية لأنه لم يسبق أن عقدت قمة ثنائية جمعت بين أي ملك للمملكة العربية السعودية والسيد علي خامئني. وكم هي منطقتنا بحاجة إلى هذا النوع من الزيارة والقمة التاريخيتين لتسوية الصراعات بين دولتين ذات ثقل إقليمي ومذهبي لا يستهان به.

وهذا النوع من الزيارة أو القمة ليس رجمًا بالغيب وإنما ممكن تحقيقه إذا توفر الجهد الدبلوماسي المخلص لتسوية الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران، فتاريخ العلاقات الدولية يخبرنا بأن هناك زيارات تاريخية قد حدثت بالفعل، وساهمت في  تسوية الصراع أو الحد منه، وفتح صفحة جديدة في علاقات الدول مع بعضها البعض. ومن هذه الزيارات، الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون إلى جمهورية الصين الشعبية في شباط/فبراير عام 1972م، ولقائه بالرئيس الصيني السابق ماو تسي تونغ، ويعد نيكسون أول رئيس أمريكي يقوم بالزيارة إلى الصين، بغرض فتح صفحة جديدة مع جمهورية الصين الشعبية، بعد أن كانت العلاقة بين الدولتين تتسم بالصراع بسبب الحرب الكورية عام 1950، وقيام الحكومة الأمريكية بدعم عسكري مستمر لجمهورية الصين الوطنية (تايوان)، والدعم الصيني السوفيتي لجمهورية فيتنام الشمالية التابعة للشيوعية، وكانت الزيارة، التي جرت في خضم الحرب الباردة وفي وقت وضعت فيه كلتا الدولتين الأخرى على قائمة أعدائها، الخطوة الرئيسية تجاه تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين بشكل رسمي.

ومن الزيارات التاريخية أيضًا الزيارة التي قسمت الرأي العام العربي ولا يزال إزائها، البعض نظر إليها على أنها شق للصف العربي وخذلان لرفقاء حرب وطعن في ظهر أشقاء ساندوا مصر في حرب1973م بالعتاد الحربي والمال وسلاح النفط .في حين نظر إليها البعض الآخر على أنها بُعد نظر، وتفكير سابق للعصر، وقراءة واعية لخريطة القوى بعد هزيمة 1967 وبعد عوامل الضعف التي بدأت تنخر في جسد الحليف السوفياتي، وبعد التوصل إلى قناعة أكدتها حرب 1973 مفادها “استحالة” تحقيق نصر عسكري حاسم على إسرائيل بسبب قوتها لا سيما النووية منها، فضلا عن الدعم الأميركي السياسي والعسكري والمالي اللامحدود. ونقصد هنا الزيارة التي قام بها الرئيس المصري السابق أنور السادات في العام 1977م، للقدس المحتلة واللقاء بالمسؤولين الإسرائيليين، وبعد عامين من الزيارة وقَّعت مصر وإسرائيل معاهدة سلام وتبادلت الدولتان التمثيل الدبلوماسي. أما زيارة ترمب للمملكة العربية السعودية التي وصفت إعلاميًا ودبلوماسيًا على أنها “تاريخية” فهي مجرد زيارة من أجل تصحيح مسار الشراكة الاستراتيجية  في العلاقات الأمريكية السعودية. أما الزيارة التاريخية هي زيارة طهران للرياض أو العكس.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly